الرئيسية / هوامش فلسفيه / شخصية العدد :المفكر العراقى على الوردى ..

شخصية العدد :المفكر العراقى على الوردى ..

تتطلع هوامش  الى تعريف القراء بالمفكرين العرب أجمعين ،على اختلاف بلدانهم لأن هذا يثرى الحياة الثقافية والفلسفية فى العالم العربى كله ..

ونعرض اليوم لحياة المفكر العراقى على الوردimages (8)ى الذى يعتبر رائدا لعلم الاجتماع في العراق وهو من القلائل الذين كتبوا عن هذا المجتمع ونذروا له حياتهم, والى الآن لم يخلفه أحد. 

ولد في بغدادفي مدينة الكاظمية  عام 1913م.ترك مقاعد الدراسة في عام 1924 ليعمل صانعاً عند عطار ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن وبعد ذلك فتح دكان صغير يديره بنفسه، وفي عام 1931 التحق بألدراسة المسائية في الصف السادس الابتدائي وكانت بداية لحياة جديدة. واكمل دراسته وأصبح معلما. كما غير زيه التقليدي عام 1932 وأصبح افندى.وبعد اتمامه الدراسة الثانوية حصل على المرتبة الاولى على العراق فأرسل لبعثة دراسية إلى الجامعة الامريكية فى بيروت وحصل على البكلوريوس وارسل في بعثة أخرى إلى جامعة تكساس حيث نال الماجستير عام 1948 ونال الدكتوراه عام 1950.يذكر أن رئيس جامعة تكساس قال لعلى الوردى عند تقديم الشهادة له: (أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع ).

كتب الوردى  وألف العديد من البحوث المهمة والكتب والمقالات ولم يلتفت إلى مستقبله الشخصي، وإنما كانت حياته معاناة وتعب وأجتهاد وأختلف مع الحكام في بعض الأمور، وفي هذه المعاناة وحدها رأى المستقبل يصنع بين يديه.

وقد كتب عنه من المفكريين المصريين سلامة موسى وقد تأثر بمنهج ابن خلدون في علم الاجتماع. و تسببت موضوعيته في البحث فى اصابته بمشاكل كبيرة، لأنه لم يتخذ المنهج الماركسى ولم يتبع الأيدلوجيات (الأفكار) القومية فقد أثار هذا حنق متبعي الايدلوجيات فاتهمه القوميون العرب بالقطرية لأنه عنون كتابه” شخصية الفرد العراقى ” وهذا حسب منطلقاتهم العقائدية إن الشخصية العربية متشابهة في كل البلدان العربية. كما إنتقده الشيوعيون لعدم اعتماده المنهج المادي التاريخي في دراسته.

 اهتم على الوردى بتحليل بنية المجتمع العراقى وتعتبر دراساتة حول الشخصية العراقية هي الأهم من نوعها ومن الممكن أن نستفيد منها كمنهج للبحث لباقي بلدان الشرق الاوسط.

فلقد حلل علي الوردي الشخصية العراقية على اعتبارها شخصية ازدواجية تحمل قيم متناقضة هي قيم البداوة وقيم الحضارة فهو يرى ان لجغرافيا العراق أثر في تكوين الشخصية العراقية فهو بلد يسمح ببناء حضارة  بسبب النهرين ولكن قربه من الصحراء العربية جعله عرضة لهجرات كبيرة وكثيرة عبر التاريخ آخرها قبل 250 سنة تقريبا.

وصف علي الوردي العراق بالبوتقة لصهر البدو المهاجرين ودمجهم بالسكان الذين سبقوهم بالأستقرار والتحضر. فتنشئ لديهم قيمتان: قيمة حضرية وقيمة بدوية. فالعراقى ينادي بقيم الكرامة والغلبة. ولكن حياته تجبره على الانصياع لقيم التحضر.

حلل أغلب مناطق العراق ما عدا المناطق الكردية في العراق بسبب عدم إلمامه باللغة الكردية حسب قوله في كتاب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقى “. بالإضافة إلى تأثر الدكتور الوردي بابن خلدون فلا ننسى تأثره أيضا بالجاحظ في نظرته الموضوعية ومنهجه العقلاني وتحليلاته الاجتماعية والنفسية للسلوك البشري...

كما حلل أصول المهاجرين وتميزت مؤلفات وأبحاث الوردي بالصبغة الانثرولوجية حيث ما أنفك يبحث عن الكثير في واقع مجتمع العراق والمجتمع البغدادي وعاداته وتقاليده المتحدرة من عهود الخلافة العباسية.وعن المناسبات الدينية وأهميتها في حياة الفرد البغدادي كالمولد النبوي الشريف وذكرى عاشوراء.وشن حملة شعواء ضد بعض رجال الدين خصوصا في كتابه وعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأتهمهم بالوقوف إلى جانب الحكام وتجاهل مصالح الأمة على حساب مصالحهم الضيقة متخاذلين عن واجبهم الديني.

ودعا إلى نبذ الخلاف الطائفي بين الشيعة والسنة وطالب بالنظر إلى موضوع الخلاف بين الإمام علي ومعاوية على إنه خلاف تاريخي تجاوزه الزمن ويجب على المسلمين عوضا عن ذلك استلهام المواقف والآراء من هؤلاء القادة التاريخيين..

ذكر الدكتور علي الوردي كيف كان حكام الدول الإسلامية يستخدمون الوعاظ لتبرير ظلمهم. وذكر السبب الذي من ورائه انجر الوعاظ لمسايرة السلاطين

وهو حب النفس. ولقد إدعى الوعاظ أنهم يفعلون ما يفعلون لـ “مصلحة الإسلام والمسلمين.

وكان الدكتور علي الوردي، عراقي حتى النخاع في كل شيء، فكان يعيب على المؤرخين العراقين نسبتهم الامام أبو حنيفة إلى بلاد الأفغان ويقول ان ابي حنيفة رجل عراقي من عرب العراق الذين استوطنوه قبل الإسلام، ويعيب عليهم قولهم ان الشيخ عبد القادر الجيلاني ،إيراني الولادة في ظل روايات تقول بعراقية مولده ،وكذلك في نسبة الجواهري لفارس وهو العراقي الصميم، وكان يشعر بالاسى ويتحسف على نسبة رموز بغداد إلى غير العراق.

images (9)

يميل الدكتور الوردي للواقعية في تحليلاته الاجتماعية على طريقة ابن خلدون وميكافيللي، ويعتبر مجدد علمهم في العصر الحديث.

كتب الوردي ثمانية عشر كتابا ومئات البحوث والمقالات. خمس كتب منها قبل ثورة 14 تموز 1958 وكانت ذات أسلوب ادبي -نقدي ومضامين تنويرية جديدة وساخرة لم يألفها القاريء العراقي ولذلك واجهت افكاره واراءه الاجتماعية الجريئة انتقادات لاذعة وبخاصة كتابه ” وعاظ السلاطين” الذين يعتمدون على منطق الوعظ والإرشاد الافلاطوني منطلقا من أن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ وحده، وان الوعاظ انفسهم لا يتبعون النصائح التي ينادون بها وهم يعيشون على موائد المترفين، كما اكد بانه ينتقد وعاظ الدين وليس الدين نفسه. اما الكتب التي صدرت بعد ثورة 14 تموز فقد اتسمت بطابع علمي ومثلت مشروع الوردي لوضع نظرية اجتماعية حول طبيعة المجتمع العراقي وفي مقدمتها كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ومنطق ابن خلدون ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث الذي صدر في ثمانية اجزاء...

لقد تنبأ الوردي بانفجار الوضع مثلما تنبه إلى جذور العصبيات التي تتحكم بشخصية الفرد العراقي التي هي واقع مجتمعي تمتد جذوره إلى القيم والأعراف الاجتماعية والعصبيات الطائفية والعشائرية والحزبية التي ما زالت بقاياها كامنة في نفوسنا. وكذلك إلى الاستبداد السلطوي، الزمني والتزامني، الذي شجع وما يزال يشجع على اعادة إنتاج الرواسب الاجتماعية والثقافية التقليدية القديمة وترسيخها من جديد، كما يحدث اليوم...

لم يثر كاتب أو مفكر عراقي مثلما اثاره علي الوردي من افكار نقدية جريئة. وكان من البديهي ان يتعرض للنقد والتجريح والهجوم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار(حيث صدرت حول افكاره خمسة عشرة كتابا ومئات المقالات)، حتى انطبق عليه المثل العراقي المعروف ” مثل السمك مأكول مذموم..“.

 

والحقيقة كان على الوردي أول عالم اجتماع عراقي درس شخصية الفرد العراقي وطبيعة المجتمع العراقي بجرأة وصراحة وحلل الظواهر الاجتماعية الخفية والسلوكات الفردية والجمعية ووجه الاهتمام إلى دراستها وتحليلها ونقدها. وهو بهذا دفعنا إلى اعادة النظر في خطابنا الفكري والاجتماعي والسياسي والى ضرورة ان ننزل من ابراجنا العاجية وان نعي واقعنا بكل ايجابياته وسلبياته.

فقبل أكثر من نصف قرن قال على الوردي بان على العراقيين ان يغيروا انفسهم ويصلحوا عقولهم قبل البدء بإصلاح المجتمع، لان التجارب القاسية التي مر بها الشعب العراقي علمته دروسا بليغة, فاذا لم يتعض بها فسوف يصاب بتجارب اقسى منها.! وعلى العراقيين ان يتعودوا على ممارسة الديمقراطية حتى تتيح لهم حرية الرأي والتفاهم والحوار دون أن تفرض فئة أو قبيلة أو طائفة رأيها بالقوة على الاخرين. كما قال: “بان الشعب العراقي منقسم على نفسه وفيه من الصراع القبلي والقومي والطائفي أكثر من اي بلد آخر. وليس هناك من طريق سوى تطبيق الديمقراطية, وعلى العراقيين ان يعتبروا من تجاربهم الماضية, ولو فلتت هذه الفرصة من ايدينا لضاعت منا امدا طويلا.” لقد صدق علي الوردي, فالعراق اليوم يقف في مفترق طرق, وليس امامه سوى ممارسة الديمقراطية(الحقيقية) حتى في ابسط اشكالها وآلياتها، فهي الطريق الوحيد للخروج من هذه الأزمة العصيبة. المولف محمد العبيدى …

1240150023

توفي العلامة الدكتور علي حسين الوردي في ( 13 تموز 1995 ) بعد صراع مع مرض السرطان ، ولم يتمكن الأطباء من معالجته لأفتقار المستشفيات العراقية آنذاك إلى الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار الاقتصادي المفروض على العراق, سافر إلى الأردن ليتلقى العلاج في مدينة الحسين الطبية و ثم عاد إلى العراق ليقضي نحبه فيه. و قد كتب احدهم وقتها مقالة, اتهم فيها الولايات المتحدة الأمريكية بقتل الوردي بسبب الحصار الظالم التي فرضته على العراق مما شح معه الغذاء و الدواء.

ترى ماذا كان سيكون رأى الوردى لو انه رأى وشاهد ما حدث للعراق فى العصر الحالى ؟؟

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...