الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى تكتب :هل تعمد الغرب تجاهل فكر محمد اركون ؟!

فاطمة الحصى تكتب :هل تعمد الغرب تجاهل فكر محمد اركون ؟!

image

كلما ذكرت المفكر الجزائرى الكبير محمد اركون اصابتنى غصه فى حلقى ،فهذا الرجل الذى سعى سعيا حثيثا للدفاع عن الاسلام وحاول بشتى الطرق اعادة الاعتبار للفكر الاسلامى وللاسلام واستبعاد النظرة القديمة التى تربط الاسلام بالارهاب وبالفكر المنغلق ،أقول على الرغم من كل هذا الا ان البعض اتهمه بالكفر والالحاد بل وتعمد الاساءة للدين الاسلامى ..الى اخر كل الاتهامات الرافضة للاخر وغير المتقبلة لاى فكر يختلف عما اقتنع به.

وعلى الرغم من ان اركون قد ذكر بكتابه “اين هو الفكر الاسلامى المعاصر ؟”ا ان هدفه هو احياء الموقف الفكرى الدينامكى المتفتح للمفكرين القدماء من امثال ابن رشد والغزالى .الا ان البعض حمل مقصده هذا بمحمل اللامبالاة او فهم حاطئ يفسروه بالرغبه فى كشف عورات الفكر الاسلامى بالغرب !!ب ينما العكس تماما هو ما حملته افكار محمد اركون حيث رغب فى تصحيح صورة الفكر الاسلامى بصفة خاصه ،والفصل بينه وبين احداث نتجت عنها افكار قد تكون سلبيه وغير حقيقيه عن الفكر الاسلامى …
من ناحية اخرى يعتبر البعض اركون تلميذ فى المدرسة الاستشراقية الغربية لكنى ومن خلال ما اطلعت عليه من كتب للمفكر الجزائرى لا يسعنى الا ان اقول انه حتى لو ان اركون تتلمذ على اساتذة المدارس الاستشراقية الغربيه فاننى اعتقد انه تمرد عليها وقدم نقدا لاذعا لها ..
ان كل بحوث الرجل وهمومه المعرفية تدور حول الاسلام :دينا وحضارة وثقافة،فالرجل كما يصفه مترجم كتبه الدكتور “هاشم صالح “ينتمى الى تراث واحد لاتراثين ،وهم واحد لا همين ،اى ان المستشرق ما كان قادرا على ذلك لأنه وان كان يعرف التراث الاسلامى جيدا الا ان هم المستشرق الاول لن يكون اسلاميا ولا عربيا..
الغريب ان هذا الرجل هاجم بشدة الغرب وكانت لديه رؤية نقدية ثاقبه ضدهم ،فكان يتعامل مع الفكر الغربى الحديث من موقع الند وليس من موقع الشرقى المنبهر بالغرب، فمن المعروف ان الرجل تربى بالجزائر ابان فتر ة الاحتلال الفرنسى لها ،ثم استكمل دراساته العليا للماجستير والدكتوراة بجامعات فرنسا ،وعلى الرغم من كل ذلك الا ان النظرة الانبهارية للغرب لم تتمكن منه ،و قد تمكن من خلال دراسته بجامعات اوروبا واتقانه للغات المختلفة من فهم وادراك المناهج العلمية البحثية التى يتوصل اليها المفكريين الغربيين يوما بعد يوم والتعمق فيها الى حد التوصل الى نقد علمى لها ،مما يدفعنا للقول ان المفكر محمد اركون كان مفكر عالمى من الوزن الثقيل ،حمل تصحيح صورة الاسلام الفكرية على كتفه دونما الالتفات الى المهاجمين له من كلا الجانبيين الغربى والاسلامى .


“اركون ” كان يعتبر ان الاستشراق هو الذى فرض نظرة ضيقة على الاسلام كدين وفكر وثقافة ،معتبرا ان الاستشراق هو الذى فرض وجودا اسلاما جوهريا ذاتيا لايقبل التغير ولا يخضع للتاريخية ولايؤثر فى الاذهان والمجتمعات ولا يتأثر بها وهو ما اطلق عليه “اركون “تواطؤا ايديولوجيا بين معظم المسلمين ومعظم المستشرقين..معتبرا ان التحجير العقلى قد بلغ نوعا من التطرف التنظيرى متمثلا فى الادبيات المتراكمة عن “الاسلام الاصولى “و”الاسلام الراديكالى الارهابى ” بقلم ابرز المتخصصين فى الاسلاميات والعلوم السياسية !
ففى معالجته لظاهرة “الاسلام السياسى “رأى اركون ان المعالجات التى فى الساحة الغربية والاستشراقية تندرج ضمن ما يدعى بأدبيات العلوم السياسية (مستشرقين امثال :جيل كيبل ،اوليفيه كاريه ،بيرنار لويس …الخ )وانها قد تكون معالجات مفيدة وبها لمحات ذكية وتحليلات ميدانية واحصائية جيدة لكنها تهدف فى النهاية وبالدرجة الاولى الى التوظيف السياسى السريع المرتبط بالاحداث والتقلبات ،كما تهدف الى سد حاجيات المجتمعات الغربية لا العربية ولا الاسلامية ،ان “اركون “هنا يتهم المقاربة الاستشراقية الحديثة بالانتهازية والتسرع وعدم موضعة الامور ضمن منظور تاريخى ،كما يتهمها ب “الاستقالة الابستمولوجية “بمعنى الاكتفاء بالمنهجية الوصفية والسردية الباردةالتى لاتمس الا القشور…ففى رأيه انه لا يكفى ان نقوم بتحقيق ميدانى فى اوساط هذة الحركات فى القاهرة او الدار البيضاء لكى نفهم الظاهرة او لكى نطلق حكما نهائيا على المجتمعات العربية والاسلامية او لكى نفهم ما يحصل بالضبط،ولكننا علينا تفكيك نصوص قادة الحركات الاسلاموية وتحليلها تحليلا عميقا مع موضعة هذة الحركات ضمن اطار تاريخى واجتماعى واسع لأن ذلك الدراسة السطحية حتما سوف تؤدى بنا الى الاستنتاج بأن الاسلام “متعصب “بجوهره ،وان المسلمين “متزمتون “منذ الازل ،وان العرب غير صالحين للحضارة ،وانهم معادون لحقوق الانسان ومتطرفون بطبيعتهم الى اخر هذة الكليشهات اللاتاريخية التى يصم بها الغرب اذاننا صباح مساء ،مشيرا الى تناقضات الغرب فى تناول قضايا المسلمين والاسلام لافتا الانتباه الى ان الباحثين الغربيين عندما يدرسون مجتمعاتهم لا يدرسونها بهذة الطريقة التجريدية ،وانما هم يجيشون كل الترسانه الابستمولوجية للعلوم الاجتماعية والانسانية من اجل الكشف عن جذور الظاهرة وتحليلها عميقا على ضوء معطيات التاريخ القريب والبعيد …ضاربا لنا مثلا على ذلك لدى الفرنسيون الذى انتعشت لديهم ظاهرة اليمين المتطرف متسائلا ماذا يقولون عندما يدرسون هذة الظاهرة ؟؟انهم لايقولون بأن الفرنسيين كلهم متعصبون او فاشيون لمجرد تفشى هذة الظاهرة بينهم بشكل مقلق ،ولكنهم يلجأون الى منهجية علم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم الاقتصاد، بل وحتى علم النفس لتفسير الظاهرةثم يقولون ان البطالة هى السبب او تدهور الحالة المعيشية لبعض شرائح المجتمع الفرنسى او زيادة عدد المغتربين ببعض المناطق او الازمة الاقتصادية الخ الخ اى انهم يموضعون الظاهرة ضمن حيثياتها المحسوسة ويجدون لها الاعذار والتبريرات والتفسيرات …
بينما فيما يخص الاسلام والمسلمين فأن الامر يختلف تماما ،وتختفى التحليلات الاجتماعية والتاريخية والنفسية لكى يتم التركيز بشكل جوهرانى وثبوتى وتجريدى على “العربى “فى المطلق او “المسلم “فى المطلق ،فالعربى متعصب لسبب بسيط انه عربى والمسلم لايمكنه الا ان يكون متزمتا ومعاديا للعلمنة والحرية وحقوق الانسان لسبب بسيط انه مسلم وهو هنا يلفت انظار الباحثين ويعبر عن رفضه لغياب التأطير التاريخى والاجتماعى للدراسة معتبرا ان ذلك يفقدها كل مصداقية وكل جدية متهما الدراسات الاستشراقيه التى تناولت الاسلام والمسلمين بالدراسه بهذا الغياب وهذا التقصير ..
..وهكذا تعكس رؤية “اركون “النقدية للغرب فى تناوله لقضايا الاسلام والمسلمين والعرب موقف جرئ وصريح وغير مسبوق فهل هذا من ضمن اسباب تعمد الغرب تجاهل فكر محمد اركون ؟؟
نجدايضا فى كتابات اركون المختلفة رفض للمثقف العربى الخانع للثقافة الغربية وقد وصفه بدقه شديده قائلا (يقف مثقفنا العربى امام نظيره الغربى وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق ،ولغته غير الحضارية ودينه المتخلف ،ويستحسن المثقف الغربى منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه اكثر فأكثر فأكثر حتى ليكاد يلعن نفسه او يخرج من جلده لكى يصبح حضاريا او حداثيا مقبولا)
ان هذة الاراء لايمكن ان يصل اليها الا مثقف تعمق داخل المجتمعات الغربية مثل “اركون” الذى عرف الغرب من الداخل اكثر من اى مثقف عربى اخر وهو هنا لايستطيع ان يقف مثل هذا الموقف المهين والساذج بل انه يرفضه ويسخر منها …
ودعونى اتساءل للمره الثانيه هلى اثرت نظرة المفكر “محمد اركون “التى لم تتسم بالدونية ولكن بالندية على موقف الفكر الغربى من فكره وتجاهله ؟!!
لا اشك للحظه فى ان المواقف التى اتخذها محمد اركون قد تكون قد لعبت دورا فى ذلك ،ولا ننسى ان صاحب “نقد العقل الاسلامى ” قد هاجم بشدة الغرب والمثقفين الغربيين متهمهم بأنهم لم يبدوا حماسه لمساعدة العرب على دخول العصر والحداثة ،بل انهم على العكس تماما راحوا يتغنون بمزايا الايديولوجيات الرسمية الحاكمة فى بعض البلدان العربية لنيل حظوتها وللحصول على لقب “صديق الاسلام والعرب “وهكذا بدلا من مساعدة العرب على طرح الاسئلة الحقيقية وتحديث الفكر الاسلامى ،راحو يلهونهم عن مهامهم الاساسية عن طريق المجاملة والممالأة !!
ولا انسى هنا التذكير برفض “اركون ” هيمنة الفلسفة الوضعية على الفكر الفرنسى والاوروبى المعاصر معتبرا ان الغرب بعد ان خاض تجربته فى العلمنة والتحرر لمدة مائتى عام وتطرف فى الاتجاه المعاكس “الاتجاه المادى والدنيوى “تطرفا كبيرا اصبح بحاجه الى صيغه اخرى من التفكير لحاجته الى نظرة اخرى لا تعطى كل شئ للتصور الدينى ولا تعطى كل شئ للانسان المنخرط فى المجتمع داعيا الى التوفيق بين النظرة العلمية والتاريخية للعالم وبين البعد الروحى او الرسالة الروحية للانسان متسائلا عن كيفية التوصل الى ايمان جديد يتجاوز الايمان القديم ويحتضنه ويكون بحجم حداثة العالم وهو هنا لا يدعو الى التراجع عن المكتسبات الايجابية لعلمنة القرن التاسع عشر تلك التى ادت الى تشكيل المجتمع المدنى والمساواة بين المواطنين ولكن التراجع يكون عن الجوانب السلبيه المرافقة للنظرة الوضعية التى فرضت نفسها كدين جديد لا يناقش ولا يمس .
.يدعونا اركون هنا للخروج من ديكتاتورية الحقيقة المطلقة رافضا فرض الغرب لقيمهم وحداثتهم الجاهزه على العرب والمسلمين ،داعيا القوى المهيمنة فى الغرب ان تكف عن لعب دور الوصّية على الثقافات الاخرى رافضا التهجم على اللغه العربية بحجه انها قديمة وغير جديره بالعلوم العصرية ورافضا التهجم على الاسلام بحجة انه دين عنف داعيا المثقفين العرب بتولى مهمة استكشاف تاريخية نقدية لكل مراحل تاريخنا وهى مهمة شديدة التعقيد والصعوبة محذرا من الاستسلام للمقادير والعطالة الذاتية والغزو ونحن فى عقر ديارنا..
كذلك قدم “اركون “نقد لاذعا للمنهج البنيوى الذى سيطر على فرنسا واوروباففى رأيه ان هذا المنهج ااسرف فى استخدام النزعة التقنية والعلموية الزائدة عن الحد نجده يوجه نقد لاذع خاصة لرواد كبار من امثال كلود ليفى ستروس الذى اعلن صراحة رغبته فى تطبيق مناهج العلوم الطبيعية فى مجال الانسانيات وقد اعتبر اركون انه بذلك يحول الانسان الى شئ بينما لا تمثل الروح ولا خصوصية الانسان اى شئ بالنسبه له …
تجاسر اركون واقدم وهو فى عقر ديار الغرب على تقديم النقد للفكر الغربى وللحداثه وللمنهج البنيوى والمنهج الوضعى تناول بالاسم بعض كبار المفكريين الغربيين بالنقد كما قدم نقدا لاذعا للاستشراق والمستشرقيين اى انه بارزهم بنفس اسلحتهم ،وقارعهم الحج بالحجه والبراهين، فما كان منهم الا ان تجاهلوا اافكاره ،فكيف لهم ان يهتموا بفكره هم الباحثون عن المثقف الذى يغذى النظرة الدونية التى يمتلكونها نحو العرب والاسلام؟!!
—————————————————————————————————–
المراجع الاساسيه :
=محمد اركون :اين هو الفكر الاسلامى المعاصر ؟ترجمه هاشم صالح ،دار الساقى بيروت ،1993.
=محمد اركون :الاسلام الاخلاق والسياسة ،ترجمة هاشم صالح ،مركز الانماء القومى ،بيروت ،1990.

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...