الرئيسية / د.نادية جمال الدين / د. نادية جمال الدين تكتب :التعليم والليبرالية الجديدة…

د. نادية جمال الدين تكتب :التعليم والليبرالية الجديدة…

لكل مجتمع ولكل زمان التعليم الذي يلبى متطلباته، ولذا فإن تطوير التعليم من الأمور الضرورية في هذا الزمان الرقمي الذي نعيشه بكل متغيراته السريعة والجذرية المختلفة عن عصر الصناعة، غير أن المهم ايضاً هو اتجاهات هذا التطوير ومحتواه. وتشهد المجتمعات المعاصرة تحولات اجتماعية متزايدة الوتيرة. هذا بالإضافة إلى الاتجاه لتبنى سياسات اقتصادية تجنح وبصورة ملحوظة أيضاً نحو الليبرالية الجديدة بكل ما تحمله من تغيرات اقتصادية واجتماعية ذات تأثير عميق.

​ويعتبر التعليم من الأنظمة المجتمعية التي تتأثر بالتغيرات الاقتصادية ومن ثم يتزايد الحديث في بلدان العالم بشأن تطويره لمواجهة التغييرات الحادثة والمتوقعة وغير المتوقعة.
​فمن المشهور أنه على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين احتل التعليم في مصر موقعاً متميزاً من حيث الدعوة لإصلاحه وتطويره خاصةً منذ ذلك المؤتمر الذي عقد في أوائل السبعينيات حين تولى الدكتور محمود فوزي رئاسة الوزراء، وكان المؤتمر تحت عنوان ” التعليم لدولة عصرية ” وربما زاد الاهتمام بالتعليم أيضاً في الثمانينيات بعد ترجمة التقرير الصادر في الولايات المتحدة بعنوان: -“أمة في خطر “. وفى ضوء محتواه يأتي مؤتمر للتعليم في مصر حينئذ وشعاره: -“أمة لها مستقبل”. وتوالت في التسعينيات المؤتمرات القومية، والتي تعتبر من مؤشرات الديمقراطية في التعليم، وكانت تهدف إلى التأكيد على أن التعليم هو الأمن القومي لمصر. ومع تعدد جهود التطوير إلا أنه ومع أي تغيير وزاري يثبت دوماً أن كرسي الوزارة لا ذاكرة له، فالوزارة الجديدة تأتى بما تراه، والوزير الجديد يعمل مستقلاً عمن سبقه مما أدى إلى عدم وضوح جهود التطوير. ويظل الرأي العام يردد ذات الشكوى عن الحشو في المناهج، وضرورة الحذف منها، وإلغاء التكرار من وجهة نظرهم، وكأن المناهج لا تخضع لأي قواعد علمية أو تربوية، ويصبح كل فرد يتحدث عن التعليم الوطني متذمراً من أنه رديء ومتدهور وسيء ولا يلبى متطلبات سوق العمل وتزداد الشكوى العصيبة وخاصة في فترة امتحانات الثانوية العامة.
وقد نبه ألفن توفلر في كتابه: “صدمه المستقبل” 1974 مبكرا إلى: “أن كل تعليم ينبثق من تصورات الكاتب-والمفكر-الأمريكى-آلفين-توفلر-533x400للمستقبل، كما ان كل تعليم يخلق تصورات للمستقبل، ومن ثم فكل تعليم سواء بقصد او بدونه يعتبر إعدادا للمستقبل، فاذا لم نفهم المستقبل الذي نعد له فربما يؤدى هذا بنا الى تدمير مأساوي لمن نعلمهم”. فصوره المستقبل إذا هي التي ينبغي ان تكون امامنا ونحن نتحدث عن التعليم.
والحق ان هذا ليس هو الحادث في مصر الان، ذلك ان الذين يهاجمون التعليم بشراسه ينظرون للخلف، يهاجمون الماضي حيث يشتد الهجوم دوما على السياسات التعليمية السابقة وعلى الوضع الراهن للتعليم الوطني في مصر دون دراسة علميه نقديه. وكان مصر وحدها دون العالم تواجه مشكلات في التعليم ومع ان المشكلة ليست في التعليم وحده بل في الإرادة السياسية والتي لا تضع التعليم في قائمه الأولويات بالفعل، وتكتفى بطرح استراتيجيات لإسكات هؤلاء الذين يطالبون بالتطوير العلمي الجاد.
ان ما يدعونا للدعوة للتوقف بجديه وإصرار امام التعليم والهجوم الكاسح عليه في مصر ومحاوله استقراء النتائج المترتبة على هذا هو ما نراه من ان سياسة التعليم من أخطر السياسات المجتمعية ذلك وتبعا لما يراه البعض من:” ان ما يدور في الفصل الدراسي يعتبر بمثابة حرب يوميه من اجل العدالة الاجتماعية”، وهذا يتطلب التساؤل لماذا يزداد ذلك الهجوم الشرس على التعليم في مصر دون تقديم بدائل سوى التوسع في التعليم الخاص والهروب الى الشهادات الأجنبية بحيث أصبح هذا التعليم تجاره شديده الربحية. وهنا يمكن القول بانه وبعد سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر نجد أنصار الرأسمالية الجديدة لا يبالون الا بما يرونه محققا لمصالحهم، فكلما زاد الهجوم على التعليم الوطني ازدادت شراسه الهجوم على المجانية تحديدا واعتبارها السبب في ترديه وضعفه من وجهه نظرهم. ومع ازدياد الهجوم ينصرف كل من يستطيع ويقدر الى التعليم الخاص اما الأكثر قدره فيتجه الى المدارس الدولية والشهادات الأجنبية وينتهي بهم الحال الى الجامعات الخاصة. ويصبح التعليم الوطني لأبناء الطبقة الوسطى او غير القادرين على ارسال أبنائهم الى المدارس ذات المصروفات المرتفعة واللغة غير العربية. ومن ثم يصبح التعليم المتاح للفقراء تعليم فقير في نظرهم أيضا ولا يتيح لأصحابه الا الفقر.
ويصل الامر الى الجامعات المصرية العامة الممولة من المال العام وتفتح بها اقسام تقدم نفس التخصص ولكنه بالإنجليزية او الفرنسية تؤهل من يدفع بضعه الاف زائده من أبناء الكلية الواحدة لطريق اخر مختلف تتزايد فيه التنافسية وتنحاز الفرص فيه للقادرين ومن حصلوا على تعليم في مدارس اجنبيه وجامعات خاصه او الأقسام التي تعلم التخصص باللغات الأجنبية في الجامعات. ويمكن القول بان الكثير منا يعلم انه حين التقدم لوظيفة بشركه مرموقة او أحد البنوك او غيرها من مواقع العمل المتميزة يكون السؤال في المقابلة الشخصية عن أي مدرسه ثانويه تعلم فيها؟ أي ان التمييز بين المواطنين الان يعتمد على التعليم، والتعليم الخاص بمدارس اللغات يفتح الأبواب المغلقة في سوق العمل امام كل من يملك القدرة المالية لشراء مكان في مدرسه غير حكومية.
ولعل كل ما سبق كان محاوله للفت الأنظار الى ان الهجوم الحاد على التعليم في وسائل الاعلام دون محاوله القاء بصيص ضوء على ما انجز وهو كثير والاستمرار في الهجوم على التعليم والقول بانه فاشل دون وضوح الرؤية بشان سياسه لتطويره انما هي منطلقة من رؤيه رأسماليه ليبرالية شرسة ترى ان التعليم الذى تقدمه الدولة غير صالح لأنه مجانى، فالتعليم الخاص لمن يقدر هو البديل وليته التعليم الخاص فقط ولكنه التعليم باللغات الأجنبية والتحول بالتالي للشهادات الأجنبية والتي هي اسهل من وجهه نظرهم عن الثانوية العامة المصرية وهكذا يتزايد الهجوم على التعليم الوطني الذى من أولى مهامه تشكيل المواطن وصياغه عقله واعداده للحياة واكسابه المهارات الضرورية اللازمة للحياة في المجتمع وترسيخ القيم الديموقراطية وبما يضمن ان يكون النسيج المجتمعي متماسكا.
ان الحديث المستمر عن تردى التعليم والهجوم القاسي عليه دون دراسة او علم بادعاء الموضوعية او الحرص على الصالح العام انما يمثل دعوه لهجر التعليم الوطني المقدم باللغة العربية بكل ما يحمله هذا من تمزيق للنسيج الوطني واهدار للقيم الديموقراطية.
انها الليبرالية الجديدة التي تلقى بظلالها وتنحو نحو ان تجعل كل ما يشترى بثمن هو الذي يستحق التقدير والاهتمام. وإن ما يحدث من هجوم شرس ومستمر على التعليم المصري والإصرار على القضاء على ما تبقى من منجزات حققها كفاح الشعب ونضاله عبر مراحل التاريخ السابقة هو محاوله يبذلها أصحابها بوعي او دونه للقضاء على الوسيلة السلمية الوحيدة المؤدية للعدالة الاجتماعية الا وهي التعليم الذي توفره الدولة كحق لأبنائها في مجتمع ينشد الديموقراطية. وليس هناك اهم من التعليم يمكن ان يكون وسيله تسمح للجميع بالتنافس في كافة المجالات الان ومستقبلا وتحول بينهم وبين السقوط في مصيده الفقر وتمزيق البقية الباقية من ملامح الهوية الثقافية والتماسك الاجتماعي.

شاهد أيضاً

د.سامى نصار * يكتب حول :التجربة اليابانية

لا يشكك احد في ضرورة الاستفادة من التجارب العالمية في تطوير التعليم، فهذا شرط اساسي ...