الرئيسية / خاص هوامش / د.سامى نصار *يكتب :موت بائع متجول ،جدلية الفقر والتعليم فى دول الربيع العربى !!

د.سامى نصار *يكتب :موت بائع متجول ،جدلية الفقر والتعليم فى دول الربيع العربى !!

 

“موت بائع متجول” كان يمكن أن يختلط هذا الخبر عند خاصة المثقفين مع مسرحية آرثر ميللر التي تحمل نفس العنوان، ففي أواخر الأربعينيات من القرن الماضي أصدر الكاتب المسرحي الأمريكي آرثر ميللر مسرحيته الشهيرة ” موت بائع متجول ” والتي تحكي قصة الأب ويلي لومان و أسرته التي يعاني أفرادها مشكلات مالية فيضحي الأب بحياته منتحرا ليوفر لأسرته حياة أفضل من خلال مبلغ التأمين الذي تتسلمه بعد وفاته.

وبعد أكثر من ستين عاما من عرض هذه المسرحية، يتردد نفس عنوانها في تونس حيث ينتحر بائع متجول تونسي اسمه محمد البوعزيزي، مشعلا النار في نفسه، وكان يمكن أن يكون ذلك عنوانا في صفحة الحوادث في صحيفة تونسية محلية، و كان يمكن أن يمر مر الكرام على مئات ألوف من عموم القراء، ويراه البعض الاخر حادثة عادية، فما اكثر الموتى في مجتمعاتنا العربية الذين لا يأسى لهم أحد، ولا تجوز عليهم إلا الرحمة الشفاهية التي لاتكاد تصل معهم إلى أبواب قبورهم، وما أسرع ان ننسى هؤلاء وأولئك، إلا البوعزيزي، الذي أشعل النار في نفسه معبرا عن أزمة الملايين من الشباب العربي الذين أنفقوا السنوات الطوال من حياتهم في التعليم، تعلقوا خلالها بآمال كبار في حياة أفضل، وبمساحة أكبر من المشاركة في مناشط مجتمعهم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، ثم يجدون انفسهم عاطلين ومستبعدين و محبطين… وليس ثم من مفر فإما الثورة أو الانتحار.
​و كان انتحار البوعزيزي بمثابة الشرارة التي أشعلت موجة من الاحتجاجات بين الشباب العربي أطاحت بأربعة نظم استبدادية حاكمة في تونس و مصر و ليبيا و اليمن في ظاهرة لم تعرفها المنطقة العربية من قبل.. ظاهرة بدأت و لم تنته بعد.. . ظاهرة تعلقنا جميعا بأهدافها الكبرى و النبيلة و لا زلنا نتأرجح فيها بين اليأس و الرجاء … ظاهرة اطلق عليها الأوربيون – على سبيل العادة منذ ربيع براغ عام 1968– ثورات الربيع العربي التي بدأت في شكل احتجاجات تعبر عن مطالب فئوية للشباب تطالب برفع مستواها الاقتصادي، و تطالب بحياة كريمة تتناسب مع القدر الذي نالوه من تعليم، فشهدت مصر و تونس إضرابات للمهندسين و الأطباء، ولأساتذة الجامعات و طلابها مطالبين باستقلال الجامعات أو تضامنا مع الشعبين العراقي و الفلسطيني، أو خروج حركات و منظمات و نقابات مطالبة بإصلاحات دستورية أو اقتصادية ضد سياسات الخصخصة غيرها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ثمة ربيع عند الشباب الذين صنعوا الربيع؟
يجب التأكيد هنا على أن الثورات العربية كانت من أجل إحداث تغيير جذري في كل مجالات الحياة بما يحقق العيش الكريم و الحرية و العدالة و المساواة بين أبناء الوطن ككل، و التعليم يأتي في مقدمة هذه المجالات، فهو الوسيلة لإنجاز أهداف الثورة. وعلى الرغم من أن التعليم بطلابه و خريجيه هم من صنعوا الثورة، إلا أنه كان – و لا يزال – بطلابه و مؤسساته بعيدا عن أي أثر إيجابي من آثار الربيع العربي إن لم يكن لا يزال – بطلابه- يدفع الثمن.
فالتعليم تعرض لاضطرابات شديدة إما بسبب أحداث العنف التي التي شهدتها دول الربيع العربي مما استلزم توقف الدراسة حفاظا على حياة الطلاب، أو بسبب استغلال نظم الحكم أو التيارات السياسية لمؤسسات التعليم و خاصة الجامعي منها إلى ساحة صراعات ترفع شعارات سياسية و دينية بل و عنصرية في بعض الأحيان مما يتعارض مع التقاليد السائدة في كل جامعات العالم، بل و يمثل بعضها تعطيلا لسير العمل و الدراسة بالجامعة، و اعتداء على الأساتذة و العاملين و المنشات.
و لعل أقسى درجات العنف التي شهدتها المؤسسات التعليمية هو ما حدث و يحدث في سوريا حيث خسر الكثير من الطلاب و المعلمين حياتهم بسبب النزاع المسلح، كما طالت الأضرار مستودعات الكتب و حافلات المدارس. كما تم استخدام المدارس كملاجئ للأسر النازحة،
و في اليمن انطلقت الثورة الشبابية من جامعة صنعاء، و اتخذت الأطراف السياسية الساحة المقابلة لبوابة جامعة صنعاء مكانا لنصب الخيام و الاعتصام و انطلاق المظاهرات. و لم يقتصر الأمر على جامعة صنعاء، الجامعة الأم، فقط بل أطلق المتظاهرون شعار(لا دراسة و لا تدريس حتى يسقط الرئيس) وتم تعميم هذا الشعار على معظم الجامعات اليمنية،. و حدث نفس الشئ في التعليم قبل الجامعي، حيث استخدم السلاح في إغلاق المدارس و تفريغها من الطلاب و المعلمين و نقلهم للتظاهر في الميادين. كما استخدمت بعض المدارس كملاجئ للمتظاهرين القادمين من المحافظات البعيدة.

الربيع-العربي-ودورة-التاريخ
والان، وبعد أن تحولت اليمن كلها لساحة حرب إقليمية تشارك فيها أطراف متعددة لا نظن أن هناك تعليما على الإطلاق،
و في مصر أيضا لم يطرأ جديد على التعليم فيها بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو اللهم إلا في الجانب التشريعي الذي تمثل في تطوير المواد الخاصة بالتعليم في الدستور المصري الجديد 2014 من حيث زيادة النسبة المخصصة للتعليم و البحث العلمي من الناتج القومي، ومد الإلزام إلى نهاية المرحلة الثانوية. و لم تظهر بعد نوايا الحكومات المتعاقبة في وضع هذه المواد موضع التطبيق.
ولم تسلم مؤسسات التعليم و خاصة الجامعات في مصر الاضطرابات و احداث العنف التى وصلت إلى حد سقوط قتلى من الطلاب و الاعتداء على أعضاء هيئة التدريس و إحراق المنشات الجامعية من قبل الطلاب. و قد ازدادت و تيرة العنف في أعقاب الموجة الثانية من الثورة المصرية في 30 يونيو 2013 و الإطاحة بمحمد مرسي و نظام الإخوان المسلمين. فقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين، بعد انهيار قواعدها ، استغلال طلاب الجامعات للقيام باحتجاجات مضادة باعتبارهم الفئة الأكثر تنظيما. و قد تجلت أحداث العنف في جامعات الأزهر و القاهرة و المنصورة و عين شمس و حلوان.
و في تونس وفقا للأرقام الرسمية غادر حوالي مائة ألف طالب مقاعد الدراسة في عام 2012 أي بزيادة بلغت ثلاثين بالمائة مقارنة بالسنوات الماضية.ومع تدهور الوضع الاقتصادي لم تستطع الكثير من العائلات تأمين اللوازم المدرسية لأبنائها، الذين شاركوا في المظاهرات ووجدوا صعوبة في العودة إلى المدارس والإندماج مرة أخرى في التعليم. و لم يسلم التعليم العالي و الجامعات التونسية من أن يكون ساحة للصراعات الأيديولوجية
تلك كانت تداعيات الربيع العربي على التعليم، و التي يبدو أنها عمقت من أزماته المزمنة بل و زادتها تعقيدا، فهل ثم من مخرج؟

 

يشير ما سبق إلى أن التعليم في دول الربيع العربي يعاني من عدة مشكلات بنيوية مزمنة، و كأنها متلازمة Syndrome خاصة به باعتباره تعليما عربيا، لعل من أهمها:
– انخفاض جودته
– ضعف ارتباطه باحتياجات المجتمع و بسوق العمل
– ارتباطه بنظم الحكم و خضوعه لها.
ولعل هذه الأعراض وغيرها معروفة و متداولة بين المختصين و الباحثين قبل ثورات الربيع العربي و بعده. و لكن الربيع العربي كشف عن أن العلة الأولى أو علة العلل تكمن في هيمنة نظم الحكم على التعليم و توجيهه لخدمتها و تحقيق مصالحها.
لقد كان التعليم هو الأداة الأساسية التي استخدمتها النظم الدكتاتورية في تثبيت اركان حكمها، و فرض نوع من التماهي بين الأمة كتكوين ثقافي و اجتماعي و بين الدولة كنظام قانوني وسياسي، و بين الحاكم و الوطن. و استخدمت مناهج التعليم في اشاعة هذا الخلط و ترسيخه في أذهان أجيال متتابعة تم تزييف وعيها عبر سنوات طوال من الحكم الاستبدادي. واستخدمت المناهج الدراسية – أبشع استخدام في هذه العملية.
و إذا كان تحقيق جودة التعليم و ربطه باحتياجات سوق العمل هما من قبيل المبادئ العامة و الخصائص اللازمة لأي نظام تعليمي فعال في أي زمان و مكان، و أن تحقيق التقدم في أي مجتمع من المجتعات هو رهن بتوفير تعليم عالي الجودة و متاح لكل أبناء المجتمع دون تمييز، و مرتبط، في ذات الوقت، بالاحتياجات المتغيرة لسوق العمل المحلية و الدولية أيضا، فإن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل ينبغي أن يعمل في ظل سياق سياسي و اقتصادي و اجتماعي يضمن عدالة توزيع فرص التعليم و العمل و الدخل بين جميع المواطنين حتى يشعر المواطن أنه يعيش في دولة تقوم على العدل و المساوة … انها دولة المواطنة
و لن تتحقق دولة المواطنة إلا بفك الارتباط بين نظام الحكم و بين النظام التعليمي و تحريره من سيطرة نظم الحكم و هذا ما كشف عنه الربيع العربي .
و لا يماري أحد بأن من حق الدولة أن تضع ما تشاء من مناهج، و أن تعلم كيفما تشاء طالما أن الدستور أوكل إليها مهمة إدارة التعليم و الإشراف عليه و تمويله، إلا أننا ينبغي أن نفصل بين الدولة و بين نظام الحكم. فإذا كانت ثورات الربيع العربي قد جعلت من الديمقراطية و التعددية و تداول السلطة أسسا تقوم عليها الدولة، فمن المنطقي ألا يستأثر نظام أو فصيل سياسي بصياغة عقول ابناء الأمة.
و يعني هذاالنأي بالتعليم عن أن يكون ساحة للصراعات السياسية أو التوجيه الإيديولوجي، كما ينبغي عدم استغلال الأطفال والتلاميذ في فعاليات سياسية أو أحداث عنف، أو استخدام الأنشطة المدرسية و المنهج الخفي في تمرير ايديولوجيات معينة، وفي التعليم العالي و الجامعي، فإن فك الارتباط بنظم الحكم يعني تحقيق استقلال الجامعات بشكل فعلي، والحرص على أن تكون الجامعات مؤسسات قومية يتم فيها تدريب الطلاب على كافة أشكال المشاركة السياسية و وفقا للأسس العلمية و التربوية و تتاح فيها كافة مصادر المعلومات للطلاب حول الأحزاب و التيارات السياسية، و يدور داخلها حوار بين جميع الأطراف، حوار يتسم بالموضوعية و العقلانية و الندية و لا يعتوره أي شكل من أشكال التعصب أو العنف المادي أو الرمزي.
و المضحك و المبكي في آن واحد أن نظم الحكم التي أتت بعد ثورات الربيع العربي استخدمت نفس آليات النظم التي أسقطتها. ففي مصر على سبيل المثال تم تغيير المناهج الدراسية التي تظهر مبارك كبطل و كزعيم لتحل محلها مناهج أخرى تظهره كخائن و تعلي من شأن جماعة الإخوان المسلمين، التي سرعان ما أزيحت من السلطة فتم إعدام ملايين النسخ من الكتب الدراسية لتحل محلها أفكار أخرى لنظام جديد… وهكذا
و القضية هنا ليست تغيير المناهج و إعدام الكتب – التي يدفع الشعب ثمنها- و إنما القضية الأساسية هي مصداقية النظام التعليمي في نظر التلاميذ و الطلاب عندما يقدم لهم الشئ و نقيضه، و عندما لا يوفر لهم من خلال العملية التعليمية مساحة للنقد، و إعمال الفكر، و الكشف عن المسكوت عنه فيما يقدم إليهم من معرفة.
إننا إذا أردنا أن نصلح تعليمنا فلابد أن نعيش في دولة مدنية يكون فيها النظام التعليمي مستقلا عن نظام الحكم و غير خاضع له. فلا تتغير توجهاته بتغير الحكام و إنما يستند إلى مقومات أساسية للمواطنة يكون الولاء و الانتماء فيها للوطن و ليس الحاكم، و يعمل على ترسيخها منهج قومي يوضع بشكل مستقل عن التحزبات أو الانحيازات السياسية أو الدينية أو الطائفية، منهج يرسخ مبدأ الوحدة في إطار التنوع، منهج لا يقوم على الإقصاء و الاستبعاد لأي سبب كان، منهج يضع نصب عينيه المواطن لا الحاكم، منهج يرسخ دولة القانون و المواطنة و المساواة و العدالة… منهج يحتفي بموت بائع متجول أشعل ثورة بقدر مايحتفي بحاكم لا يتردد لحظة في قتل العشرات من الباعة الجائلين.

*********************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق -مصر

شاهد أيضاً

د. سامي نصار*يكتب /د. لبيب ديميتري عطية:رجل الساعة

    كان استاذي بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بكلية الآداب جامعة القاهرة في مطلع السبعينيات ...