الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى تكتب :المتشحون سوادا !!

فاطمة الحصى تكتب :المتشحون سوادا !!

ارتدت جدتى ” ام عطيه” السواد منذ بلغ عمرها العشرين ،حينما توفى زوجها ،وترك لها ثلاث بنات فى سنوات الطفوله المختلفه ،وظلت عمرها كلها حتى ماتت ،فى سن السبعين او مافوق بهذا السواد…
كذلك فعلت امى حينما توفى والدى ،ثم والدتها فاختها فابنها(اخى الاكبر ) رحمه الله على الجميع …
وكأن السواد قدرا على هذه العائله !! وكان الجميع يرتدى السواد بالمنزل وفى الخروج منه ايضا ،بل انهم كانوا ينامون فى ملابس سوداء ايضا !!
وكنت اتساءل بينى وبين نفسى ناكرة ان يكون السواد فى الملابس هو التعبير الاول عن الحزن ….
فأكم من قلوب حزينه ومهمومه ترتدى الفساتين المزركشة..

                   واكم من عيون ملآ بالدموع وترتدى الالوان المبهجة ويعلو وجهها ابتسامات …

ك10-150x150

واذكر ايضا قصه والدة زوجى ” حماتى ” التى فرضت على ابناءها فى سن المراهقه ارتداء السواد ،حتى انها خاطت لابنها المراهق جلبابا اسودا لكى يرتديه حزنا على وفاه والده !!!!
بل انها بالغت فى الحزن الى درجة انها حرّمت على ابناءها بعض الحلويات،درءا لشبهة الفرح او نسيان المرحوم ” الاب “،وهكذا استسلم الاقدمون تماما للاحزان ،بل واستغرقوا فيها حتى الثمالة !!
واذكر ان جدتى لأبى رحمة الله عليها ” نينه ام حامد ” حينما توفاها الله ظل التلفزيون مغلق لمده طويله جدا وكان ذلك من الاشياء المؤلمه لنا نحن اطفال العائله الصغار فكنا نسرق اللحظات لفتحه فى غياب بعض الكبار ،ولا انسى نظره الهلع والصدمه التى كان يواجهنا بها الكبار حينما يكتشفون اننا سرقنا تلك اللحظات من مشاهده التلفزيون ،معتبرين اننا لسنا على مستوى الحدث الذى نمر به ،وكنا حينما نتحادث معا انا واخوتى ، نتساءل ماعلاقه التلفزيون بالموت ؟ ولماذا كلما مات احد الاقارب يكون مقدرا علينا التخلى عن متعتنا الوحيده فى ذلك الوقت وهى مشاهده التلفزيون والاستمتاع بأفلام اسماعيل ياسين التى نعشقها ،ورشدى اباظه الذى كان يغذى الرومانسيه بداخلنا ،او حتى اغانى عبد الحليم وخاصة بأمر الحب التى كنت اعشقها !!
تساؤلات مشروعه ولكن لا نستطع البوح بها لأحد،والا اعتبر اننا لسنا على مستوى الحدث الذى نمر به وهو ” وفاه احد الاقارب الاعزاء”!!!images (6)

ومن هذه الذكريات ايضا اذكر ان ابى حرم علينا الغناء والرقص والزغاريد اثناء احتفالنا بفرح اختى الكبرى لا لشئ الا مراعاة لمشاعر جارنا الدى يبعد عنا بعده شوارع وكان جارنا هذا قد توفى له قريب!!! وحينما حاولنا ان نناقشه فى رغبتنا فى ان نفرح،ونرقص لاختنا ،فرد قائلا ما معناه ان ” احمدوا ربكم اننى لم اؤجل الفرح،وهو اقل واجب يمكن عمله فى هذه الحالات !!”
وهكذا يتأكد لى يوما بعد يوم اننا شعب نقدس الحزن ،ونعبده عباده مخلصه،ونحث عليه بمنتهى القوة ،بل اننا نبجل كل من زاد واستغرق فى حزنه واستسلم له،حتى اننا نحزن معه ونجاريه ايما مجاراه !!! فى حين نشمئز من ذلك الذى يحاول الخروج من الاحزان حتى لو بالادعاء،ونتهمه بالتقصير فى حق الميت ،او بأنه فرح لموته …، الى اخر تلك الادعاءات القمئيه واللانسانيه المتداوله فى مجتمعاتنا العربية …
بل ان هناك اتجاه عام فى مجتمعنا المصرى يرفض رفضا شديدا ان تتزوج الارمله الشابه بعد وفاة زوجها ،وما ابهى صورة تلك الارمله لو انها ماتت بعد زوجها ،فهكذا يكون الوفاء،وهكذا تكون الزوجه مخلصه ومقدسِة لزوجها وللحياه الزوجيه ،والا فهى عاهره تبحث عن الزواج للمتعه !!!
وما اسعدنا نحن كشعب حينما نرى من مات له ميت وهو منهار نفسيا وجسمانيا،فهكذا يكون الحزن الحقيقى ،اما الصوره الاخرى لذلك فهى تعبير عن لامبالته بالمفقود وانه لم يكن يهتم لأمره !!!

images (5)

حتى على مستوى الدراما و بنظره سريعه سوف تجد ان الافلام التى نجحت مع الشعوب العربيه ،هى تلك الافلام التى تنتهى بوفاه بطل اوبطله الفيلم والامثلة على ذلك كثيره مثل فيلم ( حبيبى دائما ) الذى انتهى بوفاه البطله بالمرض،وفيلم ( لا تبكى ياحبيب العمر ) الذى انتى بوفاه البطل نور الشريف وخرجت انا وكنت طفله باكيه يعطينى من يرانى منديلا لامسح به دموعى الفياضه ” وقتها “!
كذلك الحال فى الاغانى ،فمن منا لم يبكى مع حليم اثناء سماعه اغنيه ( فى يوم فى شهر فى سنة)،او قارئه الفنجان او الاغنيه التى يغنى فيها ” هانى شاكر” صارخا ( وانا بنهااااار وانا بنهار ) وهكذا ….
فنحن فيما يبدو لى شعوب نغذى الحزن ونتغذى عليه..!!
اننا شعوب تغذى الموت ،لا تغذى الحياه..
تغذى الضعف ،ولا تغذى القوه…
اننا شعوب تغذى المرض،وترفض التعافى….
تغذى الحزن، وترفض الفرح او السعاده….

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...