الرئيسية / قضايا واراء / اسامه الرحيمى يتساءل :لماذا يكره الإسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب؟(2-7)

اسامه الرحيمى يتساءل :لماذا يكره الإسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب؟(2-7)

2-علاقة الدين والفن بقدم الحضارة الإنسانية
ــ وقبل أن نتابع ملاحقات المتعصبين للمبدعين والإبداع، يجب أن نعود لمنشأ العلاقة التاريخية بين الفن والدين، حيث نشأت هناك في الكهوف البدائية، وفي أحضان الطبيعة البكر، قبل أن يستقر الإنسان ويؤسس لحضارته، حيث كانت العلاقة في مرحلة عفوية لم تقيدها الأُطر، ولم تزاحمها المحاذير، إلي أن ظهرت الديانات، وكثر رجال الدين، وتأويلاتهم، فنشأت التفسيرات والاجتهادات، ونشبت الخلافات، والصراعات علي أيدي المتشددين، ولا شك أنهم وحدهم ـ لا الدين ــ هم من أوصلوا العلاقة بين الفن و الدين لهذه المناطق الشائكة، لدرجة تبدو أحيانا قاتمة وغير قابلة للحلحلة،مع أن كليهما ــ الدين والفن ــ يتشاطران الوجدان الإنساني منذ بدايات الحضارة الانسانية، فالدين إجمالا يطلب الطمأنية للإنسان ويسعي لتحقيق اتساقه الأخلاقي، والفن يحقق له السعادة وينشد الخير والجمال والحريات، وإن كان الدين في أغلب مظانِّه يعتمد المباشرة في طرح تعاليمه، فالفنون تُعدُّ امتدادا ليّنا لمهمة الدين من حيث ترويجها للقيم، بأسلوب يختلف نسبيا في ” التكنيك” لا الهدف، لتسريب القيم والمفاهيم إلي وجدان المتلقي علي نحو غير مباشر يتجنب التقريرية، فالإنسان إذا تقبل الأوامر والنواهي الإلهية بنوع من التسليم فلأن الله هو الخالق، والمتحكم في الكون والخَلْق ومُقدِّر الأرزاق، وصاحب القدرات المطلقة في الإحياء والموت، وفق ما اتفقت عليه الديانات السماوية، لكن هذا الإله ذاته لم يحصر تعاليمه كاملة في صيغة الأمر، وخشي عليها من طابع الإكراه، فخففها باستخدم القصص بفنية واضحة في كتبه السماوية، لعلمه بطبيعة الإنسان في حبه للحكي، واستلهام الحكمة عبر العِبَر والحكايات المؤثرة، وتجلي هذا بوضوح في قصص القرآن الدرامية، الغنية بصراع الأضداد والمتناقضات، مثل قصة يوسف الذي حاول أخوته قتله ” ليخلو لهم وجه أبيهم” الذي أمعن في تدليله، إلي بقية القصة الشهيرة، وكذا قصة مريم التي اعتزلت أهلها ووضعت حملها وحيدة تحت جذع نخلة وإطلاق الاتهامات لها، وقصة المسيح نفسه بكل ما فيها من آلام وشجن، والتي انتهت بصلبه، وغير ذلك من القصص القرآني، الذي يتمتع بفنية وحبكة مما يتوخاه الفن أيضا في تقديم الإبداعات المختلفة، وإذا كان الإنسان يتقبل الأمر والنهي من الإله ببساطة وتسليم بأحقيته كخالق، لكنه لا يطيعها كاملة، ويعصي بعضها، ويرتكب كثيرا من النواهي، إما لضعف قيمه العليا في مواجهة غرائزه ونزواته لأسباب كثيرة، وإما لضعف إنساني خلق به، أو لطبيعة المحيط الذي نشأ فيه، أو بحثا عن ملذات يراها أمتع وأجمل من الإلتزام الأخلاقي، وهذه المنطقة تحديدا هي ما يشترك فيها الدين والفن في محاولة لإقناع الإنسان بأهمية القيم، وبؤس الاستسلام للنزوات فقط، ويحاولان بدأب مشترك، الدفع به صوب الخير والجمال والحرية.
ــ والمعروف أن الانسان لا يقبل النُصح ــ دينيا كان أو غير ديني ــ بسهولة من إنسان مثله مهما كان أوعي وأفهم، حتي لو كان عبقريا، لذا رأي المبدعون عبر التاريخ أن الصيغ الفنية غير المباشرة آمن حيلة وألطف وسيلة في نقل الحكمة بين البشر، تفاديا للصراحة التي تؤدي غالبا إلي الاختلاف، وبذا يتوافق الإبداع مع الدين في نهجه، وتبادلوا الاستفادة مع الديانات الكبري، لتمرير الأوامر والنواهي الانسانية والاجتماعية، لكن من دون إدعاء قداسة أو ألوهية لأي منها، مما يجعل الحياة أخف وطأة علي النفس الإنسانية، وأكثر سهولة، وتستحق أن تُعاش.
ـــ وهذه التفاصيل تشجعنا علي تأمل بدايات علاقة الدين والفن في جذورها التاريخية الأُولَي، حيث تَشَاَرَك الدين والفن جذور المجتمع الإنساني وقت تبلورها الأَوْلِيّْ، ففي عصور اعتماد الانسان البدائي علي الصيد تعرض لقوى الطبيعة، وتأمل عجزه حيالها، وسُبل التحايل عليها، أو التقرب إليها لتترفق به، وحاول رسم تصوراته عن الحياة والقوي الخارقة علي جدران الكهوف برسوماته التي بقيت بعض آثارها إلي الآن، وكانت بداية فكرة الرسم كفن للتعبير والتفكير معا، وتمعن قوى الطبيعة الخارقة التي لا يملك حيالها سوي التسليم بهيمنتها، وأنه رهن قُدرتها، والاعتقاد بالقوي الأكبر التي تكمن خلفها وتتحكم فيها وتوجهها، وفكر في التقرب إليها، فكانت القرابين، وقادته تأملاته إلي فكرة الآلهة، وافترض إلاهاً للمطر، وغيره للشمس، وآخر للخصب، وهكذا، حتي تطورت الديانات إلي الصيغة السماوية، وربما كان إنصاته إلي أصوات الطبيعة والطيور والحيوانات ومحاولاته لمجاراتها أو تقليدها بداية أوليَّة للموسيقي، أي أن نشأة الفكرة الدينية الأولي اقترنت بالفن والتفكير والتأمل، ولعل هذا ما سهل تداخلهما في المعابد لاحقا بعد تطور الديانات والعبادات، واتخاذها شكلا جماعيا منظما، ومنحهما اتساع الطقوس الدينية زخما اجتماعيا هائلا، وعبر مئات السنين كانت أطماع كهنة الديانات المصرية القديمة بتعظيم نفوذهم، سببا في توسع دور المعبد سياسيا واجتماعيا، وبالضرورة معماريا أيضا، فلكي يجتذبوا جموعا أكبر من الناس لممارسة طقوسهم التعبدية ابتدعوا أساليبا محببة في التراتيل وأداء الطقوس أخذت شكلا مسرحيا، أعطت فرصة لنشأة الدراما وتطورها في باحات المعابد، وتداخلت الطقوس تدريجيا قبل آلاف السنين في معابد مصر القديمة، فباتت علاقتهما عضوية يصعب فصلهما، أو تحديد أيهما أعمق تأثيرا في الآخر، أو أيهما كان سببا في انتشار أوسع للثاني، فقد كانت الصلوات تُؤَدَي علي أصوات الموسيقي، والأدعية تُرَتّل بإيقاعات شعرية، وما زال هذا موجودا بصيغة ما في جميع الديانات، خاصة التراتيل الكنسية التي كان لها حظ الاقتراب تاريخيا والاحتكاك أكثر بطقوس الديانات المصرية القديمة والتماهي في بعضها نسبيا، وحتي قراءات القرآن، والإنشاد الإسلامي، كلها تتم علي المقامات الموسيقية التي تؤلف بها الألحان الغنائية ذاتها. ومجمل هذا الكلام يتوافق مع قول “سيد قطب” في كتابه “التصوير الفني في القرآن” : “.. فالفن والدين صنوان في أعماق النفس، وقرارة الحِس، وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال…”.
ــ وأيضا علي مستوى معمار المعابد راعى المعماريون القدماء في بنائها المزج بين المكان المقدس المهيب لممارسة الشعائر التعبدية، والمكان الملائم للعروض المسرحية، بحيث يمكن لقادة القُدّاس ترجيع وتضخيم وتوزيع أصواتهم علي المصلين، وإشراكهم ــ” ككورال”ــ في أداء الطقس، وتحريك الجموع بشكل مسرحي وهي تبتهل إلي الإله، وهو التصميم الذي استفاد به الإغريق والرومان ونقلاه عن العمارة المصرية القديمة، ومنحاه هذا الشكل القائم حتي الآن في الاسكندرية وأثينا وروما، وبعض دول حوض المتوسط، والذي اشتهر حول العالم باسم المسرح اليوناني أو الروماني، وهو مأخوذ عن المعابد المصرية بالأساس، في الشكل والمضمون.
ــ ما يعني بوضوح أن الدين والفن ولدا ونشآ في حُضنَيّْ بعضهما، من هدآت الكهوف إلي أُبهاء المعابد، في أغلب الحضارات القديمة، وليست المصرية فقط، وبرعاية من الكهنة الذين وجدوا في دراما المسرح صيغة جذابة لمضاعفة رواد المعابد، وتوسيع دائرة الأتباع، وتعظيم القرابين والتقدمات التي يتضرع بها الناس إلي آلهتهم، وينتفع بها الكهنة ويوطدون نفوذهم، وهذه كانت بدايات استغلال الدين علي نطاق واسع لتحقيق مآرب شخصية، وتكوين طبقة من رجال يخضعون الديانات لأطماعهم، ويتقربون إلي الحكام علي حساب الشعوب، في مختلف العصور ويؤججون الصراعات بين أتباع الآلهة المتفرقة، ويلعبون دورا في تغيير الأسرات الحاكمة، واستغلال نفوذهم الروحي في توجيه الحشود لتوطيد أركان حكم ملوكهم، وبجانبها نفوذهم.
ــ وبجانب ذلك التطور السلبي، وتضخم نفوذ رجال الدين، خاصة في عصور الانحطاط، كانت علاقة الفن قد توثقت بالدين، فتداخلا واختلطت بينهما المفاهيم، واستخدام الرمزية، وينشدان المعاني الفلسفية الرفيعة، بحثا عن أفضل أشكال الحياة، التي تتطلب مشقات روحانية تمكن الإنسان من السُموّ والوصول إلى أقرب نقطة من الحقيقة، وهذه المعاني السامية تعكس محبة وتسامحا بين أهم مُكوِّنَين للوجدان الإنساني عامة، وكان يجب أن يظل ذلك سببا وسبيلا سهلا للتعارف بين الشعوب والقبائل كما جاء في القرآن، لكن البعض أَبُوا إلَّا أن يتخذونها سببا للفرقة والتناحر والخلاف الدائم الذي وصل في أحايين كثيرة إلي الاتهامات المتبادلة والتكفير والقتل، بل واشتعال الحروب أحيانا، والتسبب في محو حضارات ودُولاً من علي الأرض.
البقيه الاسبوع القادم ..