الرئيسية / قضايا واراء / المؤرخ المصرى عاصم الدسوقى يكتب :تثوير الخطاب الدينى ..!
د.عاصم حنفى

المؤرخ المصرى عاصم الدسوقى يكتب :تثوير الخطاب الدينى ..!

تشهد الساحة الفكرية في مصر جدلا محموما بشأن أهمية تجديد الخطاب الديني لكي يتوائم مع التطورات القائمة في مصر وبالتالي يحدث التماسك الوطني الاجتماعي. غير أن الفريق المعادي للتجديد يشهر سلاح التكفير في وجه المطالبين بالتجديد وبالتالي فإن المناقشة تنتهي قبل أن تبدأ.

 

download

 

والحقيقة إن تجديد الخطاب الديني قضية قديمة تتجدد من آن لآخر عندما يدرك أهل الرأي أن هذا الخطاب في واد والمجتمع بتطوراته في واد آخر، وخلال القرن التاسع عشر شهدت مصر محاولات لتجديد الفكر الإسلامي اشتهر أصحابها بـ “المجددين” إبتداء بالشيخ حسن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي ثم جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وانتهاء بالشيخ محمود شلتوت ومن سار على دربهم من المعاصرين وخاصة في ستينيات القرن العشرين لمواءمة الفكر الديني مع التحولات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية آنذاك. وفي هذا الخصوص تلزم الإشارة إلى ما كتبه محمد إقبال (توفي في عام 1938) في كتابه “تجديد التفكير الديني في الإسلام” (أواخر عشرينات القرن العشرين)، حيث انتهى إلى القول: إن الجمود

images (2)

على القديم ضار في الدين كما هو ضار في أية ناحية أخرى من نواحي النشاط الإنساني، فهو يقضي على حرية الذات المبدعة، ويسد المنافذ الجديدة للإقدام الروحاني. وقد اتخذ التجديد عند هؤلاء وأولئك مظهر تطويع النصوص لصالح المتغيرات الإجتماعية فيما يعرف بفقه المصالح المرسلة حفاظا على وحدة الأمة. غير أن تيار المحافظة على المتون وشروحها التقليدية، وقفل باب الإجتهاد، والوقوف ضد أي فهم عصري للنصوص كان أقوى من المجددين فذهبت محاولاتهم هباء وسدى. كما شهدت المسيحية أيضا محاولات لتجديد الطقوس الكنسية القائمة، وتعتبر البروتستنتية كما جاء بها مارتن لوثر نوع من تجديد الفكر الديني الكاثوليكي. وقد دفع البروتستنت ثمن خروجهم على الكثلكة كما هو معروف في التاريخ من حيث المطاردة والملاحقة والمقاتلة.

 

images (1) أما “التثوير” فأمر يتجاوز الإصلاح والموائمة إلى الثورة على الظلم الاجتماعي بكل أنواعه وذلك بإعمال العقل في تفسير نصوص الدين وآياته وتعاليمه. وهذا ما بدا واضحا في ستينات القرن العشرين في بعض بلاد أمريكا الجنوبية حين خرج آباء الكنيسة الكاثوليكية على دور الكنيسة التقليدي في تبرير الظلم الإجتماعي السائد دينيا وذلك بدعوة الناس إلى الهدوء والسكينة والامتثال للظروف حتي يقضي الله أمره، وهو ما أطلق عليه “لاهوت التحرير” (أي فقه التحرير إسلاميا) لنصرة الضعفاء والفقراء والمسحوقين وتحريرهم اقتصاديا واجتماعيا. إن تثوير الدين يعني ببساطة إقامة دولة القانون التي يتساوى فيها كل مواطنوها في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن اختلاف اصولهم العرقية وتعدد مذاهبهم الدينية. فإذا ما أسهم الخطاب الديني في إشاعة مناخ دولة القانون على تلك الأسس في الحقوق والواجبات (حقوق المواطنة) فإنه يضع الأمور في نصابها، ويعيد الدين إلى أصوله الثورية على الظلم. وفي هذا المقام ينبغي أن يكف الخطابان الإسلامي والمسيحي عن إستخدام تعبير “عنصري الأمة”، وأن يكف أصحاب الخطاب الإسلامي عن وصف الأقباط بأنهم “شركاء في الوطن”. على أن تثوير الخطاب الديني يبدأ من تثوير ذهن أصحابه أولا بإقناعهم باستنباط مختلف التشريعات من واقع أعراف الناس وأحوالهم، وتغييرها مع تغير تلك الأحوال، فيصبح المجتمع والحال كذلك مجتمعا دنيويا وليس دينيا. وهذا التثوير لا يعني نفي الدين من المجتمع، بل إنه يتمشى مع القول: إن أهل مكة أدرى بشعابها .. وأنتم أدرى بشؤون دنياكم .. إلخ، كما يتمشى مع رسالة الأديان السماوية التي نزلت لخير الإنسانية ورفاهية الإنسان، تحض الناس على فعل الخير وتجنب الشر، وتحقيق العدل ورفع الظلم، والتسامح والبعد عن البغضاء، والحب وليس الكراهية. ومن أجل تثوير الخطاب الديني في المجتمع المصري علينا صياغة لاهوت تحرير مصري (مسيحي-إسلامي)، أو “فقه التحرير” يستهدف تحقيق روح رسالة الدين الحقيقية في الحرية والعدل. وفي هذا الخصوص ينبغي ألا يقتصر دور الدين على تحرير الإنسان روحيا من آثام النفس وشرورها، بل ينبغي أن يكون التحرير اجتماعيا لإقرار العدالة والمساواة. وتحقيقا لهذا ينبغي أن يبتعد رجال الدين عن استخدام مقولات الرضا بالأمر الواقع، وأن يقفوا إلى جانب حقيقة الدين وروحه لا إلى جانب السلطة أيا كانت، وأن يتصدروا بأنفسهم قيادة المطالبة بتغيير التشريعات التي من شأنها تقريب الفوارق الاجتماعية وإحلال السلام الاجتماعي، وعدم التمسك بحرفية النصوص ولكن توظيفها لخدمة العلم والحياة.

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام* / برجاء تضييع الثقة

إن الثقة المطلقة في خبرات الآخرين وثقافاتهم ومعارفهم وامكانياتهم الخارقة للعادة تعد من الموروثات التي ...