الرئيسية / أخبار ثقافيه / اسامه الرحيمى يتساءل:لماذا يكره الاسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب ؟(4-7)
اسامة الرحيمى

اسامه الرحيمى يتساءل:لماذا يكره الاسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب ؟(4-7)

ــ تحريم التصوير والتماثيل :4

ــ تحت مسمي “حكم الإسلام في التصوير” سجل بعض رموز الوهابية ، وهم الشيوخ “محمد على الصابوني”، و”عبد العزيز بن باز” و”محمد ناصر الدين الألباني”، و”مصطفى الحمامي” فتوي أجمعوا فيها علي “تحريم الإسلام للتماثيل والتصوير” تحريما قاطعا جازما، قياسا علي تحريم عبادة الأوثان والأصنام، استنادا علي أن جوهر العقيدة الإسلامية هو التوحيد، وقسّمُوا الصور إلى صور لها ظل، المصنوعة من جبس، أو نحاس، أو حجر، أو غير ذلك وتسمى تماثيل، والثانية صور بلا ظل، المرسومة على ورق أو جدار أو بساط ووسادة ونحو ذلك، ويستثنون الصورة أو التمثال الذي ليس بذي روح كتصوير الجمادات، والأنهار، والأشجار، والمناظر الطبيعية، والصور غير المكتملة لليد وحدها أو العين أو القدم، ويجيزون التصوير الفوتوغرافي في الجغرافيا وضبط المجرمين، وقالوا :” التحريم شِرعَة الله، وسيظل هذا التشريع فوق عقول البشر لأنه شرع الله ودينه الخالد”. وهذه صيغة مغلقة للتحريم لا مجال فيها لنظرات أخري، ولا مراعاة لاختلاف الزمن، ولا ضرورات الحياة المعاصرة بعد سيادة الصورة الفوتوغرافية والمتحركة في الأخبار ووسائط التكنولوجيا الجديدة مثل النت والفضائيات والصحافة الإلكترونية، وما إلي ذلك.
ــ وقبل 111 سنة من الآن أفتي الإمام ” محمد عبده” برأي يختلف عن ذلك بشكل كبير، بل هو نقيضه التام، ففي عام 1902 ذهب في رحلة إلي إيطاليا وزار بعض متاحفها، وبعد عودته كتب رأيه في حكم الشريعة في عمل الصور والتماثيل بقوله: ” إذا كان القصد منها تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجسمانية، هل هذا حرام؟ أو جائز؟ أو مكروه؟ أو مندوب؟ أو واجب ؟
رد الإمام ــ ويبدو أنه كان يجيب علي تساؤل وُجِه له ـــ أقول لك : ” إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعني العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد مُحي من الأذهان . وإذا أوردت حديث :”إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون”، وكانت الصور في ذلك العهد تتخذ لسببين.. الأول: اللهو، والثاني : التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين، والثاني ما جاء الاسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به. فإذا زال هذان العارضان، وقصدت الفائدة كان تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صُنع ذلك في حواشي المصاحف، وأوائل الصور، ولم يمنعه أحد من العلماء، مع أن الفائدة في نقش المصاحف موضع النزاع.
ــ وكأنه كان يستبق تلك الفتوي الوهابية التي جاءت بعده بقرن تقريبا، لتغلق الباب الذي فتحه باستنارته، ووعيه بالمتغيرات، أو كأنهم هم يرفضون فتواه تحديدا، خشية ذلك الوميض الباهر في كلامه، فقد وهبه الله قريحة متوهجة، وبصيرة نافذة جعلته يأخذ ليس فقط بفقه الضرورة، بل بالنظر فيما يستجد من تطورات الحياة، ومراجعة السوابق، فلا حكم مؤبد، خاصة إذا زالت أسبابه، واختلفت الظروف المحيطة، وهو ما حدث تحديدا في مسألة التصوير والنحت، حيث ” زال هذان العارضان” أي اللهو بالصور والتماثيل وعبادتها، وهو ما وضحه الإمام” محمد عبده” الفَطِن، ونبَّه إليه، وساوي بين التصوير والنحت وصور النبات والشجر، وهي فتوي متقدمة تعكس فهماً عاليا لحكمة التحريم، وأسبابه، وتأثير متغيرات الزمان علي فعالية أو سريان تلك الأسباب، بعدما رسخت عقيدة المسلمين عبر قرون زال معها الخوف من الشِرك بالله، أو عبادة أي شئ دونه، وانتشر الوعي بفكرة الفن، وأن أغراضه لا تتعارض مع أهداف الدين السامية، فهما معا ترقية للوجدان الإنساني، وتحريض علي الخير والجمال، ففي صميم الدين ” الله جميل يحب الجمال”.
ــ وهناك زاوية أخري مختلفة لرؤية التصوير في القرآن، من ناحية فنية، تحترم المُخيِّلة الإنسانية في تلقي وتجسيد إيحاءات القرآن الكريم، وهي التي نظر منها”سيد قطب” في كتابه المهم ” التصوير الفني في القرآن”الذي وضعه عام 1945 وكان وقتها يمارس النقد الأدبي بدأب، وقبل أن يتنصل من تلك الفترة والكتابة، وانتقاله إلي الكتابات الإسلامية، والحقيقة أن رؤيته لفكرة التصوير ومستوي التجسيد فيها، يختلف جذريا عن رؤية الوهابية، فبينما أرادوا هم بتفسيرهم الصور المادية، الفوتوغرافي منها والسينمائي، بجانب التماثيل، وحَرّمُوا كل المُجسَّد منها، ما له ظل منها وما ليس له، والموجود فعليا في صورة تماثيل، أو رسوم علي حوائط أو نقوش علي أقمشة، باستثناء صور الطبيعة الصامتة، أو الجغرافيا مثل الخرائط، أو صور المجرمين، وهي استثناءات يجب أن تتسع لتشمل أشباه لها كثيرة وضرورية في الحياة الآن، لكنهم لم يريدوا التوسع حتي لا ينفتح الباب بالدرجة التي أتاحها الإمام ” محمد عبده”، لكن ” سيد قطب ” قصد إلي التصوير الفني، أي أن صور القرآن بنظره تستدعي غير الموجود فعليا عبر المُخيِّلة الانسانية، حيث يمكن للمستمع إلي القرآن أن يُجسّد بذهنه صورا تتابع عليه بتلاوة الآيات التي توحي له بمكوناتها الذهنية، وعبَّر قُطب عن هذا بقوله : ” التصوير هو الأداة المُفَضَلة في أسلوب القرآن. فهو يعبر بالصورة المُحسَّة المُتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي؛ وإذا الطبيعة البشرية مُجسَّمة مرئية. فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة؛ فيها الحياة، وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأُوَل، الذي وقعت فيه أو ستقع؛ حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يُتلى، ومثل يُضْرب، ويتخيل أنه منظر يُعْرَض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة. إنها الحياة وليست حكاية الحياة”. وليت سيد قطب ظل معتقدا بصحة كلامه، لكنه غادر بعقله وجسده هذه المنطقة الفكرية إلي حيث رأي أنه الأفضل .
ـ وأود هنا إعادة تأمل كلمات “سيد قطب” في هذه الفقرة تحديدا : ” فهو يُعبِّر بالصورة المُحسَّة المُتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية؛ وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي؛ وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية”.
ــ فإذا كان قصد قطب أن يستمتع الانسان فقط بما تصوره له مخيلته من إيحاءات، فالسؤال هنا ماذا لو رأي تلك الصور التي يتخيلها مُجسَّدة في صور مرسومة، أو صورا سينمائية، فما الفارق بين هذا وذاك؟، فهذه وتلك يجري استقبالها وتحليلها في مخ الإنسان، والسيطرة الفعلية علي كافة تصرفاته وأقواله تدور تحديدا في المخ، فماذا لو قام رسام مسلم مثلا بِتَخَيُل وتجسيد كل الصور الواردة في القرآن؟، فما الفرق بينها وبين مجرد تخيلها؟، إذن. فإن الفرق يكمن في تأويلات المفسرين والفقهاء للنصوص، والمثال واضح بين رأي الإمام ” محمد عبده”، وفتوي شيوخ الوهابية، ورؤية “سيد قطب” في كتابه” التصوير الفني في القرآن” الذي يعتبره كثيرون أجمل ما قدمه من إنتاج.
ــ ومقابل هذا المستوي التنظيري للفقه، سواء كان محل اتفاق أو اختلاف، اتخذ السلفيون في مصر خلال الآونة الأخيرة، خاصة بعد ثورة يناير، موقفا عمليا وهجوميا واسعا علي الإبداع، خاصة التماثيل، بحجة مخالفته للشريعة، منها ما أشرنا إليه في مقدمة هذا الموضوع مثل تغطية رأس تمثال ” أم كلثوم” في المنصورة، واقتلاع رأس تمثال ” طه حسين” في المنيا، وحرق تمثال المخرج “محمد كريم” في مدينة السينما، وتغطية تماثيل ميادين القاهرة بالبلاستك تمهيدا لتغطيتها بطبقات من الشمع كما ورد بتصريحات متناثرة لسلفيين، ومنها تماثيل “سعد زغلول” أمام كوبري قصر النيل، و” أحمد ماهر” بمواجهة كوبري الجلاء، وكذا”طه حسين”بميدان الجلاء أمام شيراتون القاهرة، و” عمر مكرم” في ميدان التحرير”، و” طلعت حرب”، و” محمد فريد”، و” مصطفي كامل”، و”عبد المنعم رياض”في الميدان المسمي باسمه، وهو ما يذكرني بواقعة شهيرة في إحدي المليونيات الأولي للثورة، حيث كان أحد السلفيين يقف تحت هذا التمثال ويقول لآخر عبر تليفونه : ” نعم .. أنا أقف تحت صنم عبد المنعم رياض”، ولا أعرف كيف يري هؤلاء إجماع الشعب المصري في بدايات القرن العشرين، بُعيد ثورة 19 بقليل، حين إكتتبت كل طوائفه لإنشاء تمثال “نهضة مصر” الذي نحته العظيم “محمود مختار”، وشارك فيه كل طوائف الأمة، تحت رعاية “سعد زغلول” شخصيا, واستقر به المقام في الميدان المعروف باسم التمثال،”نهضة مصر”، أمام جامعة القاهرة وحديقة الحيوان، وهو الميدان الذي احتشد فيه التكفيريون أنفسهم في مليونياتهم المعروفة، واعتصامهم الشهير، فهل يمكن احتساب الشعب المصري كافرا وقتما فعل هذا؟، وتجب استتابته، وهل أقل ما يمكن قبوله بنظر السلفيين هو هدم التماثيل كما يُصرُّون بعناد، لطمس رموز تاريخنا وتغيِّيبها لصالح أقوال لا نعرف مدي صحتها، فهم يفرضون علينا بالقوة تفسيرات بشرية للنصوص الدينية وفق رؤاهم، والأصل في عبادة الله هو الخشوع في الصلاة وغيرها، والوصول إلي الله بالقلب، وهذا من أعمق معاني العبادة المشتركة في كافة الديانات، والتي لاتعطلها أية أشياء محسوسة أو مجسدة كالتماثيل في الواقع، والمتصوفة في سعيهم للوصول إلي الله في قلوبهم، يتمثلون معني الحديث النبوي ” اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وهذه من تجليات الإيمان الوجدانية، فالوصول إلي الله سمو، والسمو يعفي النفس الانسانية من العنف، ويجعلها أميل للزهد دائما.
ــ والمدهش أن تصرفات السلفيين هذه تمت تحت سمع وبصر المجتمع كله، ولم يحرك مسئولا من حكومة الأخوان ساكنا، مما يعني رضاها الضمني، لكن الحقيقة أن السلفييين كانوا أكثر صراحة في الفضائيات من الأخوان الذين تركوهم يخوضون المعركة وحدهم، ترقبا لجني ثمارها لأنفسهم، كما فعلوا في انتخابات مجلس الشعب التي سرقوها والشعب مشغول بالتظاهرات للمطالبة بتحقيق الحريات والعدالة الاجتماعية، وكذا استغلالهم في تضخيم المليونيات في مواجهة القوي الثورية، وتجنب الأخوان مواجهة المجتمع في قضايا التحريم والنسف لأنهم يدركون خطورة ذلك عليهم في لحظة استحواذهم علي البلد، ولأنها ليست معركة سهلة، تركوا المجال مفتوحا للسلفيين ليعلنوا حُرمانية التماثيل واعتبارها من الأصنام التي تُعبد، وأن إزالتها واجبة شرعا، وهو ما أتاح لعائد من ” تورا بورا”، اسمه “مُرجان”، وكان ممن شاركوا في نسف تمثال “بوذا” في أفغانستان، وتباهي بمساهمته في تلك الواقعة الشهيرة التي اهتز لها العالم، وبذلت فيها الأمم المتحدة ومنظمة “اليونسكو” جهودا ديبلوماسية هائلة لإنقاذ أكبر تمثال لبوذا في العالم من بين براثن هؤلاء، ومنها أنهم استعانوا بالشيخ “يوسف القرضاوي” وتوسط لدي “جماعة طالبان” لكنها أصرَّت علي فِعلَتها، وفجرت التمثال علي الهواء لتُبكي العالم، وتتركه لحسراته علي واحدة من نوادر التُراث العالمي، بُحجة أنه صنم يعبده البوذيون، وكأن من حقهم أيضا فرض عبادات بعينها علي أتباع الديانات الأخري، بالمخالفة الصريحة للنص القرآني الواضح ” لكم دينكم ولي دين” و” لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد”، وبمد الخط علي استقامته يأتي هذا الجهادي السلفي ليعلن في فضائية مصرية أنه يجب نسف تمثال “أبو الهول” لأنه كان إلها يُعبد في عصور قديمة، وينزعج العالم كله من هذا الكلام لأنه صادر عن صاحب سابقة وشريك في تفجير تمثال بوذا، ولم تعلق حكومة الأخوان بكلمة واحدة لاستحسانها هذه الأقوال، وتميل إليها وفق تاريخها، فالتحريم والتأثيم والتكفير ليست أشياء غريبة عليهم ، ولا جديدة، بل إنها نبعت منهم ونبتت في أرضهم منذ كفّر “سيد قطب” المجتمع المدني بأسره، في تفسيره لمسألة الحاكمية، واستثني نفسه بالطبع وجماعة الأخوان، كما تفعل بقية الجماعات الإسلامية بتكفير الناس لأهون الأسباب، وتستثني نفسها من الكفر أيضا، مع أن الإمام ” محمد عبده” كما أشرنا سابقا قد حسم قضية الخوف علي المسلمين من العودة إلي الشرك، بعد انتفاء مظنة عبادة التماثيل، وأن تحطيم الأوثان في بداية الإسلام كان لعِلَّة القرب من عهد الشرك حيث كانت معركته الأساسية ضد الوثنية، ورسالة التوحيد الجديدة كانت مناقضة لذلك الشرك، من هنا كان الحرص على تحطيم الأصنام آنذاك، لكن هذا الفعل لا يمثل تحريما أبديا للصور والتماثيل، خاصة بعد اختلاف السياقات، وهو ما أكده موقف المسلمون الأوائل، فلم يقم “عمرو بن العاص” بهدم التماثيل والآثار المصرية القديمة، وهو كان من صحابة الرسول، بل وشجعه الرسول ذات مرة علي الإفتاء في حضرته، وكان أولي به من المتشددين الحاليين بفهم مقاصد الإسلام من منابعها، ولم يكن هناك من يراجعه إن فعل ذلك، ومثله قادة جيوش الفتح الإسلامي الذين دخلوا بلاد فارس والهند والسند وما وراءها، ومنهم من جلسوا إلي الرسول مباشرة، وأخذوا عنه، ولم يقدم أحدهم علي تحطيم أي تمثال في البلاد التي فتحوها، ومن بعدهم الخليفة “المأمون بن هارون الرشيد” حين زار مصر وهو رأس الدولة العباسية في أزهي عصور قوتها وغِنَاها، وازدهار الفقه الإسلامي فيها، واحتشاد بغداد بالأئمة ومؤسسي المذاهب السُنيَّة الرئيسية، وأشار عليه أحدهم بهدم الهرم الأكبر، وكان الخليفة صاحب سلطة مطلقة في فعل ذلك، فليس في دولته علي اتساعها سلطات أخري يمكنها مناوءته، ولا هيئات دولية تتصدي له كاليونسكو الآن، لكنه أنصت إلي رأي شخص متخصص يعرف قيمة الحضارة المصرية، وشرح للمأمون جوانبا منها، وكان يجيد الهيرو غليفية كما روي عنه، وهو” ذو النون المصري”، المفكر والعالم والزاهد الذي لم ينل حظه من التقدير والشهرة، وكان علمه هذا سبب إنقاذ أهم عجائب الدنيا، وأبرز صروح الحضارة المصرية القديمة التي ألهمت العالم.
ــ والحقيقة أن القرآن يخلو من أيّةِ آية تُحرِّم الصورة في الفن، اللهم غير الآية(90) في سورة المائدة وهي لا تجزم بالتحريم، بل تأمر بالاجتناب، وهو يختلف بظاهر لفظ ” فاجتنبوه” ومضمونه، عن التحريم القطعي، ونصُّها: ” يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجِسُ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، والموقف من التصوير وتماثيل الأحياء ليس واحدا ولا عاما ولا مطلقا، فهي حرام حين تكون سبيلا للشرك الواضح أو الخفي، وتحطيمها وجوبي لديهم، مثلما حدث في صدر الإسلام، أما السُنَّة فقد حَرَّمت تعليق الصور أي تقديسها أوتشريفها لا استخدامها، ويروي في حديث نبوي أخرجه “أبو داود والنسائي” عن عائشة قالت : ” قدم رسول الله صلي الله من غزوة تبوك أو خيبر فكشف ناحية السِتر علي بنات لعائشة ــ لُعَبْ ــ فقال ما هذا يا عائشة؟ قالت : بناتي. ورأي فيها فرسا مربوطا له جناحان ، فقال ما هذا؟ . قلت له : فرس له جناحان . إنه كان لسليمان خَيلُ لها أجنحة . فضحك”. وهذه الواقعة التي جاءت ضمن حديث شريف مُسنَد، تكشف أشياء مهمة أولها أن الرسول لم يستنكر وجود لُعبة لدي عائشة علي شكل فرس مجنح، وهو بهذه الهيئة أخذ شكل صورة تنطوي علي رؤية فنية، وأنه مستلهم أيضا من شبيه أسطوري كان لدي النبي سليمان وصلت أخباره إلي عائشة عبر المرويات التُراثية.
ــ وقد انحاز أغلب الفقهاء لتحريم الفنون التشكيلية حيث منعهم “النقل الفقهي” من تجاوز ظواهر مأثورات التحريم إلي” إعمال العقل”، وأهملوا المأثورات المباحة، وعجزوا عن تقديم تفسيرات واضحة لأسباب تحريم عبادة الصور، لا تحريم الصور ذاتها، ورغم هذا لم يخلُ تاريخ الفقه من مواقف فكرية جيدة، فبعض فقهاء المالكية أباحوا التصوير والنحت إذا كانت لهما ضرورة، بل إن الإمام “القِرافي” المالكي أباح النحت والتصوير، واشتغل هو نفسه بصناعة الدُمى والتماثيل، فاحتُسب “فقيها فنانا”. فكيف يُكوّن فقهاء التحريم مثل هذه الآراء، وماذا يرون في التصوير والنحت الآن بعدما أصبحت الصورة بمختلف تجلياتها ضرورة يومية في كل تفاصيل الحياة، علي رأسها الأخبار والمعلومات، وهو تطور لا فكاك من استخدامه، للفقية والمبدع والمهني وعموم الناس .
——————————————————-

يتبع :الاسبوع القادم

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي* يكتب :علم الأخلاق النسوي

   رغم وجود نساء فيلسوفات فاعلات منذ قرون، إلاّ أنّ تطوير منظور فلسفي نسويّ لم ...