الرئيسية / هوامش فلسفيه / اسامه الرحيمى يتساءل :لماذا يكره الإسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب؟ (5-7)
اسامة الرحيمى

اسامه الرحيمى يتساءل :لماذا يكره الإسلاميون الفنون ويفتقدون المواهب؟ (5-7)

ـ الغناء في الإسلام :(5)


ــيقدم لنا التاريخ بيّنات علي أن الإسلام في بداياته، وأصوله، لم يكن ضد الفن بمعني من المعاني، فلو تأملنا أول مشهد في التاريخ الهجري لوجدناه “احتفالية غنائية أعدها أهل يثرب لاستقبال الرسول”، تصدرتها أغنية ” طَلَعَ البدرُ علينا من ثَنِيَّات الوَداع، وجبَ الشُكرُ علينا ما دعا لله داع .. أيها المبعُوثُ فينا جِئت بالأمرِ المُطاع .. جئت شرفت المدينة .. مرحبا يا خير داع”، وهي ذات إيقاعات كبيرة، وإنْ عزفوها علي إيقاع الدفوف فقط، فقد كانت أبرز الأدوات الموسيقية في صحراء الجزيرة العربية، وربما الوحيدة وقتها، وظنِّي أن الشاعر الذي كتبها كان يُدرك فُرادة اللحظة التاريخية التي تشهدها المدينة، وكان يتمتع بحس مَرِح، وأُرَجِّح أن أهل المدينة أجروا “بروفات” جماعية علي هذه الأغنية قبل وصول الرسول وصاحبه الصدِّيق، فقد غنُّوها بصوت “كورالي” حاشد لتخرج بهذا الشكل الكرنفالي المبهج لسكان المدينة وضيوفهم ذوي الشأن، ما يجعلنا نتوقف أمام موقف النبي محمد من الغناء، خاصة أنه لم يُروَّ عنه استنكارا أو تحريم لتلك الأغنية البديعة، وظل الطابع الغالب علي يوم دخول الرسول المدينة في الوجدان الإسلامي هو” البهجة” التي جَسّدّها الغناء، فيما يعد بحق علامة بارزة في بداية التاريخ الهجري، فمن عجب أن مفتتحه كان بهجة الغناء.
ــ وهذا المُعطي التاريخي من صدر الإسلام يؤكد أنه إذا كانت الأديان تكشف أن الإنسان بحاجة للإيمان، كمكون أساسه لسويته النفسية، وضرورة لارتقائه إنسانيا، فإنه كذا بحاجة للغناء والفن عامة باعتباره حاجة روحية ضرورية وليس ترفا.
ــ وذُكر في مصادر عديدة أن الرسول حمل عائشة علي كتفيه ذات مرة لتتمكن من رؤية وسماع الأحباش وهم يُغنُّون، وأبدي “عمر بن الخطاب”اعتراضا فلم يلتفت الرسول لاعتراضه.
ـــ وكما شهد العصرين الأموي والعباسي ازدهارا في الفقه الإسلامي، ونشأت المذاهب وأسست قواعدها وملامحها المتباينة، لم نجد روحا عدوانية من مؤسسي المذاهب الفقهية ولا تلامذتهم ضد الفنون الأخري التي شهدت ازدهارا بدورها وفي مقدمتها الغناء، الذي تطور من غناء بدوي أو صحراوي عفوي متناثر، إلي غناء له قواعد وأصول، مقامات وأصوات وضروب لا يقدر عليها إلا أصحاب المواهب والقدرات المميزة، فبات لكل أغنية لحنها الخاص، بالمفهوم العصري الذي نعرفه، خاصة علي يد “إبراهيم وإسحق الموصلي” في عهد “هارون الرشيد”، وباتت بغداد عاصمة للغناء، كما كان حاضرة الفقه الإسلامي، ومدينة لازدهار العديد من الفنون الأخري بنفس المستوي، في حالة تزامن مدهشة لا تتحقق إلا في عصور الازدهار الكبرى، واستطاع الأصفهاني أن يرصد مئة من الشعراء الذين غنى لهم الموصلي في كتابه جهير الشهرة ” الأغاني”.
ــ ويذكر الدكتور”محمد عمارة” في كتابه “الإسلام والفنون الجميلة” بعض الوقائع التي تؤكد إباحة النبي الغناء في صدر الإسلام،علي مرأى ومسمع من أصحابه الذين حاولوا منع الغناء فنهاهم. يعود سبب خلاف الفقهاء حول موقف الإسلام من حكم الغناء إلى وجود مأثورات من الأحاديث تفيد منع الغناء و النهي عنه، وتتوعد المغنين والسامعين، إضافة إلى تفسير عدد من مفسري القرآن الكريم للمراد “باللهو” في الآية القرآنية الكريمة: ” ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم” على أنه هو الغناء. وينقل الدكتور “محمد عمارة” جهد الإمام “ابن حزم” في تتبع المأثورات التي يستدل بها على التحريم ـــ و هو الخبير في نقد الرجال والروايات، الظاهري في التزامه بالسنةـــ حيث يخلص إلى أن تلك الأحاديث جميعها معلولة نظرا لافتقارها لشروط الثبوت، مما يسقط حجيتها. كما ينقل عن الإمام القرطبي صاحب (الجامع لأحكام القرآن) تطرقه لأسباب نزول الآية الكريمة: ( و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، و يتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين)، حيث يوضح أن اللهو المذموم ليس هو فن الغناء الحسن ـ المباح ـ، ولا هو مطلق الغناء ـ كفن من الفنون الجميلةـ و إنما هو في رأيه غناء المجون المثير والمهيج للغرائز الحيوانية الشهوانية، أو ذلك الغناء الموظف للصرف عن الإيمان بالإسلام، والذي كان يصنعه واحد من رؤوس الشرك في مكة وهو “النضر بن الحارث بن علقمة” وهو صاحب لواء المشركين يوم بدر، ذلك أنه قد اشترى كتب الأعاجم واشترى القيان، ليغري بأساطير الكتب، وبغناء القيان الناس عن الدخول في الإسلام والاستماع إلى القرآن. واتفاقا مع رؤية الإمام القرطبي الذي يقطع بأن الغناء الحسن كلاما ولحنا وصوتا وأدوات هو مما أباحه الإسلام، ومع رؤية الإمام ابن حزم.
ــ وذهب الدكتور عمارة إلى أن الغناء لا يعدو أن يكون بعضا من ألوان الجمال الذي خلقه الله. ومعيار الحل والحرمة فيه هو”وظيفته” التي يوظف فيها، و”المقصد” الذي يقصده الناس من ورائه، فإن أسهم في ترقية السلوك الإنساني والارتقاء بعواطف الناس، وأعان على تذوق نعم الله في كونه، والكشف عن آيات الجمال في إبداعه، كان خيرا.. وإلا فهو منكر بلا خلاف”.

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي* يكتب :علم الأخلاق النسوي

   رغم وجود نساء فيلسوفات فاعلات منذ قرون، إلاّ أنّ تطوير منظور فلسفي نسويّ لم ...