الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمه الحصى:لماذا أكتب ؟بقلم محمد أركون ..

فاطمه الحصى:لماذا أكتب ؟بقلم محمد أركون ..

محمد أركون :لماذا اكتب ؟

وقع فى يدى وريقات مكتوبه بخط جميل منمق ،ثم اكتشفت ان هذه الوريقات تحمل بصمة قلم المفكر الجزائرى محمد اركون….
ثم فهمت من صاحبها الدكتور سعيد اللاوندى ان هذه الوريقات كانت رد أركون على سؤال تقدم به ايام كان صحفيا بالاهرام بباريس ،والسؤال الذى وجهه لمفكرى تلك الفتره هو :لماذا أكتب ؟؟؟
كان ذلك فى شتاء 1992 وقد نُشر هذا الحوار بجريده الاهرام الدولى بتاريخ 2-12-1992وذلك بصفحه (صباح الخير يافرنسا ).فماذا كان رد الرجل ؟
كان رد الرجل مكتوبا بلغه عربيه راقيه وبخط جميل وحروف واضحه وبدقه متناهيه كالآتى :
تمتاز كتابه المفكر عن سائر الممارسات الكتابيه باعتبار أن المفكر يركز اهتمامه على اختيار الالفاظ ليحولها الى مفاهيم شامله لمظاهر عديده وخصائص خفيه ووظائف متنوعه يختص بها كل موضوع من موضوعات البحث ..
والمفاهيم عند المفكر كالالات المرهفه الدقيقه ،التى لايستعملها الا الطبيب الجراح ،وعمليه التحليل النقدى لابرازما خفى عن الادراك وما يلتبس على الناس شبيهه بالجراحه لتمييز السليم من المريض ولازاله الفاسد دون أن يؤذى السليم ..
لا يكتب المفكر ليفيد فقط او ليبلغ او يناظر بل انه يحتاج الى الكتابه لتتضح له مواضع الاستدراك لما فاته عند الفحص والتوثيق والتفكير وليتمكن من الاستدراك الى ما لم يتوصل اليه بعد ،وليثق بنفسه عندما يتعرض لمشاكل صعبه ولميادين اوسع وأكثر غموضا ولموضوعات لم يمكن التفكير فيها بعد أو منع التفكير فيها فى وقت من الاوقات..
أتخذ حرصا شديدا كمؤرخ للفكر الاسلامى فى هذه المرحله التاريخيه الصعبه التى طغى فيها الخطاب الايديولوجى والرقابه السياسيه والاجتماعيه معا ،ومازلت أتوقف وأعدل عن معالجه بعض الموضوعات وأحذر من الالفاظ والعبارات حتى لايفسرها القارئ المسلم بطريقه مغايره لما اردت ،وحتى أسلمُ من تكفير من يجهل قواعد الفكر الحر ومن يسمح لنفسه أن يرتقى الى مرتبه المفتى المجتهد وهو أبعد الناس عن مرتبه الاجتهاد فى القضايا الدينيه ..
لقد اصيب الرأى العام الاسلامى بدرجه متزايده فى السنوات العشرين الاخيره بكارثه الارهاب الفكرى بحيث أصبحت الكتابه فى القضايا الاسلاميه من أخطر المبادرات على من يقصد تجديد الاجتهاد وتطبيق النقد التاريخى والفلسفى والانتربولوجى ،بينما سهلت نفس الكتابه وراجت سوقها لمن ىثر أن يحول الاجتهاد المقيد الى الاطناب الايديولوجى المزيف للحقائق وللتاريخ والمحرف للنصوص والمروج للاساطير والشعارات الخياليه فى صوره الخطاب الاسلامى .
وقد بلغ بى هذا الجو الارهابى مداه ،حتى اننى عدلت عن ترجمه عنوان كتاب من كتبى الى اللغه العربيه كما هو فى الاصل الفرنسى وهو “نقد العقل الاسلامى “الذى حُول الى “تاريخيه الفكر العربى الاسلامى “لأننى أدركت أن مفهوم النقد اذا اقترن بالفعل الاسلامى سيثير فى ذهن القارئ العربى سوء الفهم وتأويلات سلبيه قبل قراءه الكتاب نفسه …”
——-
هكذا تحدث أركون عن نفسه وهأنا أفهم الان لماذ خاف من السير بشوارع القاهره فى تلك المره التى حضر فيها معرض الكتاب بالقاهره ،وكنت أنا وزوجى فى سعاده غامره لقبوله العشاء بمنزلنا وقد اعددت له ما لذ وطاب وانتظرت حضوره بصحبه زوجى الا أنه لم يأت وشرح لى زوجى كيف انتابت الرجل نوبه من الخوف الشديد حينما فوجئ بالسيارات العديده بالشارع ،وادراكه استحاله امكانيه عبور الشارع الضخم على الرغم من تعودنا نحن المصريين عبور مثل هذه الشوارع المتخمه بالسيارات يوميا بلا ذره خوف !! فهل كان خوفه من عبور شارع مزدحم بالسيارات هو هاجسه الاول ام ان ما منعه من الوصول الى منزلنا فى ذلك الوقت هو خوفه من الاسلاميين ويذكرنى تساؤلى هذا بتعليق مترجمه الأمين د.هاشم صالح فى كتاب أركون (من الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامى ) قائلا “لقد عانى أركون من المعامله القاسيه التى جابهه بها بعض كبار رجال الدين المسلمين الذين التقى بهم فى المؤتمرات الاسلاميه ،وخصوصا فى منتدى الفكر الاسلامى السنوى المنعقد بالجزائر ،لم يفهم هؤلاء العلماء مقصده على وجهه الصحيح اما بسبب عدم التسامح واما بسبب ضعف المعرفه العلميه الحديثه لديهم واما بسبب الاثنين معا !
كما عانى أركون أيضا من هجوم الباحثين العلميين الذين يعتقدون بامكانيه تصفيه الظاهره الدينيه بجره قلم واحده ويعتبرون أن مجرد الاهتمام بدراسه الاسلام ومشاكله الكلاسيكيه والمعاصره موقفا رجعيا ومتخلفا فهؤلاء قفزوا على المشاكل الحقيقيه لمجتمعاتهم بدلا من مواجهتها من الداخل وبشكل تدريجى … .يقول هاشم صالح “لقد دفعنا ثمنا باهظا نتيجه هذا الموقف المراهق واللاتاريخى !!
هل يحق لى الان أن أتساءل عن كم الجرائم التى ارتكبت فى حق هذا الرجل ؟

شاهد أيضاً

العدد الاول لمجلة  كل العرب

    صدر العدد الاول لمجلة  كل العرب الصادرة من باريس على الشكل التالي: من ...