الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام اصلان يكتب :ناجي العلي.. متى يدير حنظلة وجهه؟

هشام اصلان يكتب :ناجي العلي.. متى يدير حنظلة وجهه؟

181902

1
يصرّ القدر على حرمان المبدع الفلسطيني من التلقي بوصفه فنانًا خالصًا. أو على الأقل، تكبيده جهدًا مضاعفًا لإثبات الإخلاص للفن، والهرب أحيانًا من أثر كاريزما النضال. الأمر يختلف عن جدلية الفنان و”الهتّيف” التي تجلّت بعد الثورات العربية. النضال العربي يروح ويأتي، لكن شيء ما، له علاقة بالتربية ربما، يبقيه غالبًا فلسطيني الهوى.بعض هؤلاء اهتمّ بالمسألة، واشتغل عليها في ما بعد. صرخ محمود درويش: “إرحمونا من هذا الحب القاسي”، لكن آخرين تركوها للمتلقي ولم يشعروا بغضاضة، إيمانًا بالدور الذي قُدّر لهم ربما، رسخّوه رهانًا على الرائحة الفوّاحة للفن، وكان ناجي العلي واحدًا من هؤلاء. يرثيه الأبنودي بقصيدة “الموت على الأسفلت”، لتكتمل القصيدة عندما يعطى ظهره للجمهور عاقدًا يديه خلفه، على غرار “حنظلة” الشخصية الكاريكاتورية التى اخترعها ناجي، لتهتز القاعة من أثر التصفيق:4y72f93nyxv9f2lbykj2
“أماية.. وانت بترحى بالرحى
على مفارق ضحى.. وحدك وبتعددي
على كل حاجة حلوة مفقودة
متنسنيش يامّه فى عدودة
عدودة من أقدم خيوط سودا فى توب الحزن
وحطّي فيها اسم واحد مات
كان صاحبى يامّه، واسمه ناجي العلي”.
2
كان ناجي ضمن مجموعة من الفنانين الذين أدركوا، بعد هزيمة يونيو 1967، وجوب كفاية النبرة المتفائلة وأثرها بالغ السوء في من حولهم. يحكي الفنان محيي الدين اللباد في مقال قديم، أو بوصف أدق في رثاء طويل لناجي العلي: “كنا قد اكتشفنا، نحن وناجي، حقيقة الشعارات المبالغة، والبشارات الكاذبة بمستقبل منتصر مطمئن زاهر لسياستنا لمجرد أننا نعتقد بأحقيتنا به.. وكنا قد اكتشفنا أيضا، أن حماية الزعماء الآباء الذين لطالما اعتمدنا عليهم، ما هي إلا عملية إخصاء جماعي عظيمة.. نشأت ظاهرة التفاف مثقفينا وطلبتنا الثوريين حول ظاهرة الشيخ إمام يقهقهون بعصبية حين يصدح: محلاها رجعة ظباطنا من خط النار، أو حين يحكي لهم عن بقرة حاحا التي من القهر انكسرت، وكان مظفر النواب يلقي قصائده في تجمعات مشابهة، يسألهم فيها ساخرًا: القدس عروس عروبتكم؟ ثم يجيب عليهم: أحّه!”. في فقرة أخرى: “كان ناجي قادرًا على صياغة هذا التعليق في لغة بصرية بليغة وموجزة، لاذعة وبسيطة. في رسم تلقائي عصامي لم تصبه الأكاديمية بداء الحذلقة والمبالغة في التجويد التي تقتل الرسالة الخاطفة”.3
3
ناجي العلي:
ـ هكذا أفهم الصراع، أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب.
ـ الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها في مسافة الثورة.
ـ متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها، أنا منحاز لمن هم تحت.
4
محظوظ ناجي باسمه، يصعب مروره على الأذن مرور الكرام. نعم، هناك أسماء تستسيغ سماعها، وتستحلي نطقها من دون أن تعرف الكثير عن أصحابها.
في نظرة عاطفية، يليق اسم ناجي العلي بكل الأطفال النازحين من بلادهم، كما خرج هو مع أهله في العاشرة من العمر تاركًا قرية “الشجرة” الفلسطينية إلى مخيم “عين الحلوة” جنوب لبنان في نزوحه الأول، حيث عاش مغتربًا طيلة حياته متنقلًا بين بلد وآخر. اختار سنّ خروجه من القرية ليكون عمرًا دائمًا لطفله المتخيل “حنظلة”، أيقونة انهزام وضعف الأنظمة العربية، الذي قرر أنه لن يواجه القراء بوجهه قبل أن يسترد المواطن العربي إنسانيته. عند العاشرة من العمر أيضًا، توقفت الحياة، وتجمعت لقطات انتثرت في ما بعد رسمًا وكتابة.
ذكرى اغتيال ناجي العلي الـ28، في 29 آب/أغسطس . أُطلق عليه الرصاص في لندن العام 1987، ويشار إلى أن جهاز الموساد، المتوَقعة علاقته بالأمر، رفض مدّ السلطات البريطانية بالمعلومات اللازمة، ما أغضب رئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر، وأمرت بإغلاق مكتب الموساد في لندن، حيث دُفن ناجي العلي ولم تساعد الظروف في تنفيذ وصيته بدفنه في جوار والده في فلسطين.

 

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...