الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام اصلان يكتب :المكتبات لا تلائم شقق الايجار(2)
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام اصلان يكتب :المكتبات لا تلائم شقق الايجار(2)

library-of-small-books-collection-1
————————————
الهلال والمطر
1

الشقة المهجورة كانت في الدور الأرضي، والغرفة التي خصصت لتخزين الكتب لها شرفة واسعة، تطل على شارع عريض. في الجانب الآخر المقابل للشرفة، سور حجري يمتد بطوله، ليحول بين المارة وبين منحدر كبير يصل حتى المدينة. السكان يأتون من عمق الضاحية، يتنزهون على حافتها عند الشارع الطويل، ويتفرجون على أضواء المدينة البعيدة المفرودة في الأسفل.

الصناديق داخل الغرفة كثيرة جدًا، ومحاولة فرزها شبه مستحيلة. فكرت أن هناك بعض الكتب التي كنت أهتم بها عندما كنت صغيراً، سأكون محظوظاً لو وجدتها، ثم أتبرع بالباقي على بعضه من دون تدقيق.

2

بعدما انتصب لوحا “الكونتر”، وبينهما الرفوف، ليحتلا المساحة الباقية من جدران الغرفة القديمة ذات الدهان الأزرق الجيري، انتظرت حتى نام الجميع، ودخلت أطمئن على أن كتبي المفضلة في أماكنها، لم تغيرها إضافة قطعة جديدة إلى المكتبة.صعدت إلى مسند الأريكة، ومددت يدي حتى آخرها، أمسكت بطرف كتاب أسحبه مع مراعاة أن يأتي بصف الكتب المرصوص فوقه. كانت أعداد سلسلة “الهلال” بأغلفتها الخلفية، من أسراري داخل مكتبته. أعرف أنه يحتفظ بها بعيدًا عن يدي وأحاول بقدر الإمكان ألا يظهر اكتشافي لها. في تلك السنوات كنت أخطو إلى المراهقة، ولم تكن صور النسوة في الغلاف الخلفي لـ”الهلال”، سوى صور عارية شديدة الإثارة، خصوصًا أن أجسادهن كانت طبيعية ببعض الترهل والاستدارات الشرقية، لا كأجساد الفتيات في مجلات “البورنو”، والمضبوطة بشكل مبالغ فيه. لا أتذكر الآن لأيّ من الفنانين كانت تلك اللوحات، أو لأي مرحلة فنية تنتمي.

أسفل الرف الذي يحمل أعداد “الهلال”، كانت “الحرب والسلام” للروسي تولستوي، تحتل رفًا كاملًا وحدها. لا أتذكر بالضبط عدد المجلدات التي تكونت منها الرواية، لكنها كانت نسخة قديمة جدًا، وكان هو قد جلدهّا بجلّاد بني، وبشكل بدائي وإن كان متقنًا، ثم كتب على كعب كل منها العنوان ورقم المجلد. أعتقد أنها أيضا مما يستحق الاقتناء.

3

ـ قرأت كل هذه الكتب؟
ـ طبعا لا، هي جزء مما قرأت.

سمعت منه ذات مرة، أنه فرد جسده على الأريكة، وبدأ في قراءة إحدى الروايات الكبيرة، في الغالب كانت “الإخوة كرامازوف”.. ظل في جلسته نحو ثماني ساعات متواصلة، لا أذكر إذا قال إنه انتهى منها كاملة في هذه المدة أم لا، لكن الذي أتذكره جيدًا، أنه أصيب بشد عضلي، ولم يستطع الحركة للقيام إلا بصعوبة بالغة وبمساعدة آخرين.

كان خجولًا، منعه الكبرياء من النداء لأحدهم في الليل إلى المساعدة، حتى انتبه أحد أخوته، واستدعي باقي الأسرة لتدارك الأمر.

وكان هذا قبل أن يتزوج. لكنه، ورغم ضيق شقة الأسرة وكثرة الإخوة والأخوات، خصصوا له غرفة بمفرده، وضعوا فيها سريراً وصنع هو رفيّن بدائيين، وأتى بمجلد “ألف ليلة وليلة” من فوق الخزانة ووضعه على أحد الرفين، قبل أن تنمو المكتبة تدريجياً، حيث كان الاعتماد الأكبر وقتها على الكتب المستعارة.

4

في الأيام الأولى للعزال الثاني، طلب من العمّال أن يرصّوا الصناديق الكرتونية على أرضية الشرفة الواسعة والتي غُطّي جزء منها بسقف، بينما المساحة الأوسع كانت خارجة ببروز عن واجهة البيت من دون سقف. كان هذا قبل أن يشعر بالتعب ويقرر الطبيب بقاءه لأيام في المستشفى، حتى حدث أن زوجته عادت في أحد الأيام، لتجد أرضية الشرفة وقد أغرقتها مياه المطر وطاولت بعض الصناديق من الأسفل. أنقذتها بمساعدة حارس البيت وزوجته وأولاده، وأدخلوها إلى داخل الغرفة، بعدما نقلوا الكتب التي كانت داخل الصناديق المبللة إلى أخرى جديدة أتى بها الحارس.5

وجدت نفسي فجأة، منهمكًا في البحث داخل الصناديق بعشوائية. وبجانبي الكتب التي أخرجتها، اخترت منها، مؤقتًا: “الوليمة المتنقلة” لإرنست هيمغنواي، وبعض روايات ميلان كونديرا، والأعمال القصصية الكاملة لأنطون تشيخوف.كان باب الشرفة مفتوحًا، وانتبهت إلى الهدوء الزائد إلا من سيارة مارة بين حين وآخر. وصوت الهواء نقي.. في غرفة المكتبة القديمة، كان الهواء يصدر صوتًا محببًا عندما يتخلل أكوام التبن فوق السطح المنخفض للبيت المقابل…

——————————————–

http://hwamsh.net/2015/10/%d9%87%d8%b4%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%b5%d9%84%d8%a7%d9%86-%d9%8a%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%a6%d9%85-%d8%b4%d9%82%d9%82-%d8%a7/

 

 

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...