الرئيسية / احياء ذكرى المفكر الجزائرى محمد أركون / الباحث عبد النور شرقى* يكتب:الجهاد، السعادة والخلاص الأبدي من منظور محمد أركون

الباحث عبد النور شرقى* يكتب:الجهاد، السعادة والخلاص الأبدي من منظور محمد أركون

image

 

تكمن أهمية فكر أركون أنه مشروع يطارح العقل الإسلامي على جبهات عدة. مشروع فكري بعيد عن القراءات التبجيلية الإسلامية و الفللوجية الإستشراقية بل هو مشروع تفكيكي لكشف وزعزعة اللامفكر فيه وغير القابل للتفكير. ومن بين الإشكالات التي عالجها نجد مسألة الجهاد.
جاء في الأثر”أن أسمى أشكال الجهاد هو أن تتكلم الحقيقة في وجه حاكم غير عادل” لكن اليوم نشهد مصادرة لهذه الكلمة –الجهاد- من طرف الحركات الإرهابية وهي الكلمة التي قادت لزمن طويل المعركة الروحية الصوفية في طريق الوصول إلى الاتحاد مع الله.
إن مفاهيم مثل –الجهاد، السعادة والخلاص الأبدي- هي أقطاب ثلاثة في علاقة حتمية تستدعي الواحدة منها الأخرى وهي تمارس عملها بشكل تركيبي. فموضوع مثل السعادة لا يمكن تناوله من دون العودة إلى التقاليد الدينية الكبرى، فالأديان والفلسفات الكلاسيكية تقيم التضاد بين السعادات العابرة (أي الأرضية الدنيوية)، وبين السعادات الحقيقية المثلى التي تمثل انتصارا على الموت(السعادة الأخروية). أما بالنسبة للحاضر فإننا نجد انقطاعات متتالية هي من تصنع الوعي الإسلامي اليوم، وعي غير قادر على إيجاد خطاب صادق وشاف نفسيا عن السعادة المدركة فلسفيا وعن الخلاص المأمول روحيا والمقنن لاهوتيا. في حين الأنوار الأوروبية كانت قد وعدت في السابق بتأسيس سعادة ملموسة، تصبح في متناول جميع البشر خارج كل الحدود الدينية والعرقية والسياسية، لكن لم نتعرف معها إلا على حروب عالمية فضحت العقل الغربي وأظهرت حقيقته المتوحشة.
مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الشيوعية يحدث صراع وبشكل جديد واسع النطاق بين الجهاد من جهة والعولمة الأمريكية من جهة أخرى حيث انخرط الغرب في عملية السيطرة الجغرافية السياسية والجغرافية الفضائية. ولأنه –الغرب- لا يستطيع أن يعيش من دون عدو تاريخي يقف في مواجهته، فانه عمل على إحلال صورة من التضاد بين العالم الحر ذي القيم الكونية في مواجهة البربرية الجديدة. هذه هي الصورة التي يتم الترويج لها من خلال وسائل إعلامه العملاقة. “عدو ديالكتيكي” يسمى بمحور الشر يمثله عالم إسلامي كلّه خطأ في خطأ أو شرّ في شرّ! وغرب كلّه خير ولا يعاني من أي خلل أو نقص، لهذا أخترع ما يسمى بـ “جنود القانون” أي الجنود الذين يدافعون عن القانون الدولي لحمايته، في حين نجد أن الجماعات الإسلامية يعتقدون أنهم “جنود الله” أي الذين يدافعون عن حقوق الله والدين. وبالتالي فان مسؤولية الغرب عن انفجار هذا العنف والاقتتال، وسياساته الظالمة والمتغطرسة هي أحد الأسباب الأساسية التي تغذي العنف وتعقد المشاكل بدلا من أن تحلها، والنقطة المركزية أن العالم الغربي لا يريد ديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بل تخلف وجهل وتبعية فنجده -الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا- يدعم الأنظمة القمعية ويساندها فعليا، لكن سرعان ما يتخلى عنها وينقلب عليها لما يتعلق الأمر بالحفاظ على مصالحه. وهذا يعني أن العنف ناتج عن المتطرفين من كلا الجانبين.
الى جانب هذا المتخيل الغربي في خلق عدو جديد نجد أن جميع الأديان قد اُستخدمت لتبرير العنف من طرف بعض أتباعها في فترة من فترات التاريخ وهذا ما حدث في المسيحية إبان محاكم التفتيش والحروب الصليبية، والأمر نفسه نشهده الآن في الدول الإسلامية من اقتتال طائفي ومذهبي وجماعات إرهابية تقاتل باسم الدين قصد بسط شريعة وحكم الله. والأمر نفسه تشهده الأزمة في العالم العربي والإسلامي من خلال التعصب الأعمى والفهم الخاطئ للدين. فالدين الذي يتحول إلى سياسة محضة ويحلّل القتل أو يدعو إليه لكي يحافظ على احتكاره لممارسة العنف الشرعي يفقد إلى الأبد أحقيته في تأسيس أي نوع من أنواع الأخلاق أو إلهامها. هذا ما نكتشفه مع شيوخ التطرف الذين يستغلون هيبتهم الدينية لإطلاق فتاوى تبيح الاغتيالات والتفجيرات معتمدين في ذلك على الوعد والوعيد أي الوعد بالخلاص الأبدي، والسعادة للأبرار في الجنة،.(أنظر وصف الجنة والحور العين والأنهار من عسل أو لبن، الخ..). والوعيد بالعقاب الشديد في نار جهنم للكفار وأعداء الله. هؤلاء المشايخ هم خارج نطاق الأخلاق كلياّ. فهم يعتقدون أن التفجيرات هي بمثابة أعمال بطولية ومنفذوها شهداء. كل هذه المخيالات يراد تعبئتها في صراعات عنيفة، بعيدة كل البعد عن شعائر خلاص الروح وسعادتها في الآخرة.
يتساءل أركون: كيف يمكن التعايش في ظل إسلام يلجأ إلى تحقيق مهمتين:
-​محاربة أعداء الإسلام حتى النصر الأخير.
-​ضمان النجاة الأبدية في الدار الآخرة.
إن التهميش الاجتماعي والفقر إضافة إلى العقلية الأصولية التي تحتقر هذا العالم “الزائف والفاني”، فالإرهابيون يتسلحون بالدين ويتمسكون بأفكار ساذجة تعدهم بالجنة والسعادة والخلاص الأبدي في الدار الآخرة. وبعملهم هذا يحولون الدين في خدمة أيديولوجيات أخرى هم أنفسهم يدافعون من اجل نزعها. إضافة إلى هذا وجود أنظمة الحزب الواحد التي استلمت الحكم بعد الاستقلال هي الأخرى تقع عليها المسؤولية عن هذا التقهقر والتدهور والتراجع. هذه الأنظمة فشلت فشلا ذريعا في مجال التنمية والتعليم، مما جعل شعوبا بأكملها تغوص في الجهل المقدس، جهل مرسّخ مؤسساتيا من طرف المؤسسات التعليمية التربوية والدينية والسياسية التابعة لهذه الأنظمة.
والنتيجة التي يصل إليها أركون أن مأزق الفكر الإسلامي مأزق تام اليوم، بسبب تضافر عوامل ثلاثة في الوقت نفسه.
-​رؤية غير نقدية للتراث السنّي والشيعي تميّز العقل الإسلامي.
-​أنظمة سياسية جعلت كل المجال الديني والتشريعي مجرد إدارة خاضعة للإرادات الدكتاتورية
-​غرب متجبّر يتصرّف في العالم حسب مصالحه وأهوائه.
وللخروج من هذا المأزق وسوء التفاهم بين الطرفين –العرب والغرب- لابد من تغيير الصورة المشوهة والخاطئة التي يشكلها كل طرف عن الآخر. لهذا يدعوا أركون الى تشكيل فكر نقدي حر ومستنير في الجهة العربية والإسلامية لكي يحد من مخاطر التيار الأصولي الشعبوي الديماغوجي الذي يهيمن على الشارع الإسلامي، في المقابل يدعو الغربيين الى تغيير الكليشيهات القديمة الموروثة عن الإسلام والعدائية بشكل مسبق. باعتبار أن التطرف ليس فعل بل هو ردة فعل عكس ما يروج له الإعلام الغربي. في النهاية لن يحدث شيء إذا لم يجدد المسلمون طريقة تفكيرهم وفهمهم لدينهم وتراثهم. ويحصل كل هذا بعد مراجعة جذرية للإيديولوجية العربية الإسلامية.

                                                                                                        *باحث بجامعة الجزائر2

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

الانتلجنسيا الرثة والأصولية فائض القيمة الرمزي ” استعادة الماضي هي استعادة مخاتلة للحاضر ” – ...