الرئيسية / أخبار ثقافيه / توفيق الحكيم ..وعصر القدم !!!!

توفيق الحكيم ..وعصر القدم !!!!

2013-08-19_00136 (1)

 


  يهيم  ابنى الأكبر حبا بكبار كتابنا القدامى وكان قد بدأ فى التعرف على كتابات المفكر العملاق  توفيق الحكيم   ،و من معرض الكتاب من سور الأزبكية اشترى  كتاب “زهرة العمر ” وقبل ان يبدأ فى قراءته كنت اتصفحه فوجدتنى أنتهيت منه بسرعة شديدة مستمتعة بكل حرف كتبه الحكيم ، فالكتاب عبارة عن مراسلات تمت مابين الحكيم  وصديق فرنسى ،وذلك فى تلك الفترة التى قضاها الحكيم  بباريس  حينما ارسله  والده للحصول على درجة الدكتوراة فى القانون ،وكان هدف والد الحكيم  الحقيقى هو ابعاد الحكيم عن المسرح الذى فتن ابنه ،الا أن ما حدث هو أن الحكيم خلال اقامته بفرنسا اطلع اطلاعا كاملا على فنون المسرح الذى كان شغله الشاغل ،واكتشف حقيقة الثقافة المسرحية الأوروبية بأكملها ،ومدى اعتمادها على اصول المسرح اليونانى فقام بدراسته ،وهكذا كان هذا الكتاب عبارة عن مراسلات الحكيم لصديقه الفرنسى الذى ترك باريس الى ضاحية ليل للعمل فى مصنع ،وتنم المراسلات عن علاقة عميقة مع اسرة الصديق الفرنسى ،وعلى اجتذاب الحكيم الصديق الفرنسى الى الاهتمام بالفن والموسيقى وهو ما لم يشغله يوما حتى تعرف على الحكيم بالأضافة الى اكتشاف الحكيم لذاته من خلال علاقته بهذا الصديق الفرنسى واسرته الصغيرة ،يقول الحكيم واصفا تلك العلاقة “ما من مرة احتك فيها الشرق بالغرب الا وخرج من احتكاكهما ضوء أنار العالم ،وما من مرة تلاقى فيها وجه الشرق بوجه الغرب ونظر أحدهما فى عين الآخر الا وأبصر جمال الفتنه كأنه ينظر فى مرآة “، ويدلل لصديقه الفرنسى قائلا “أليس من العجب انك لم تعجب بكل ماعندكم من آثار الفن والموسيقى الا بعد أن توطدت بيننا الصلة ؟”،يسترسل الحكيم مؤنبا صديقه الفرنسى بأنه كان فى بداية صداقتهما يسخر من خيال الحكيم وميوله الفنية قائلا له “انك لم تكن قد وصلت بعد الى فهم روح الشرق “!! ،وهكذا يتناول الكتاب كل المراسلات التى بين الصديقين ،وهى مراسلات انسانية فكرية ،حيث يقوم الحكيم فيها بالتعبير عما يجول بخاطره من احباطات وافكار مختلفة  ويمكن للقارئ بسهولة تلمس مدى التخبط والقلق الذى عاشه فى تلك الفترة ،يقول الحكيم واصفا حاله لصديقه الفرنسى “اننى معبد يتصاعد من جوفه لا بخور الايمان  بل بخار الشك والقلق ،وحياتى ليست سوى قارب ثمل “..


ويتجلى الاحباط والقلق الذى كان يعانى الحكيم منهما ،في وصفه لحاله قائلا “اننى أتألم ألما لا يراه أحد ،اذ لا يظهر على وجهى شئ غيرهدوء الرضا ،هنالك دودة دائمة الوخز دائبة النخر فى قلب هادئ المظهر رائع المنظر كالكمثرى الذهبية ،هنالك قلوب يسكنها الالم كأنها عبادة “….


هكذا نجد الحكيم متالما ،ضائعا ،مشوشا ،مفلسا فى باريس ،ورغم ذلك نجده يشرح بالتفصيل فى خطاباته  كيف يقضى يومه الباريسى وهومتنقل ما بين متحف اللوفر حيث كان يخصص له يوم الاحد من كل اسبوع وذلك بسبب مجانية التذاكر فى يوم الأحد لرواد المتحف ،وكيف كان  شغوفا بتلك الرحلة الاسبوعية الى درجة أنه خصص لكل قاعة من المتحف زيارة اسبوعية حتى يتمكن من المشاهدة المتعمقة لكل محتويات المتحف ،أما عن المسرحيات المختلفة فها هو يحكى بالتفصيل بل ويميز أداء الممثل  الجيد عن غيره المسرحى فى اداء الدور الواحد ،ومدى تميز كل منهما فى ناحية معينة أى أنه يمارس النقد الفنى العميق فى الثقافة الفرنسية التى تشربها جيدا ،ونفس الحديث يمكن أن يقال حول الموسيقى ،وحفلات الأوبرا المختلفة ،أما عن المكتبات والكتاب فحدث ولا حرج ……


 تداعت أمامى  الأفكار  بمجرد قراءة كتاب “زهرة العمر”لتوفيق الحكيم  “ويمكننى أن أجمل هذا فى نقطتان مهمتان هما :

النقطة الأولى وهى:

  يوجد بفرنسا  هذا العام وحسب الهيئة العامة للاستعلامات  كبرى الجاليات المصرية الموجودة بأوروبا بعد الجالية المصرية بلندن حيث تعدى عدد المصريين بها 250الف مصرى واننى أتساءل ،اين ذلك المغترب الذى سيضحى بآخر سنتيم فى جيبه من أجل الذهاب لحضور مسرحية ما أو حفل موسيقى الخ .. أين نحن من ذلك المثقف القديم  ؟؟؟ وهل اختلفت  نوعية المغتربين فى الدول الأوروبية عن تلك النوعية المثقفة التى يمثلها الحكيم، تلك التى تهب نفسها للثقافة بأنواعها المختلفة تنهل منها ما يجود به الزمان  والمكان والظروف،الى  نوعية أخرى أدعى أننى رأيتها بعينى حينما  اقتربت من فئة المغتربين بأوروبا بصفة عامة وفرنسا بصفة خاصة وهى والحق يقال  فئة  تكافح من أجل لقمة العيش بمعنى الكلمة، ومن الظلم أن  ننتظر ممن يكافح من أجل لقمة العيش أن يلتفت الى تلك الأمور التى نتحدث عنها من فن الأوبرا او البالية او المسرح أو الكتب الخ الخ ….؟! يالها من دائرة مفرغة   !  تحول  المشاكل الحياتية الانسان الى مجرد عامل يكافح من اجل العيش فقط ،لا مكان ولا وقت ولا امكانية لشئ آخر هذا هو ما يقف بيننا وبين هؤلاء الفطاحل من كبار الكتاب والمفكريين القدامى ..هل يمكن القول ان هذا هو السبب فى عدم ظهور طه حسين او حكيم معاصر


 اما النقطة الثانية التى استوقفتنى اثناء قراءة هذا الكتاب فهى :
تلك المقولة الشهيرة لرائد المسرح الذهنى ،والتى قالها حينما علم بأجر أحد لاعبى كرة القدم المصرية  فى لحظة احباط “ويبدو ان لحظات الاحباط  كثيرة ومكثفة فى حياة كتابنا بصفة عامة ” قال الحكيم :”انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم ،لقد أخذ هذا اللاعب فى سنة واحدة ما لم يأخذه كل أدباء مصر منذ أيام أخناتون ”  فكأنه وصف العصر الذى أتى بعده بمنتهى الدقة وبعد النظر ….


لقد استدعى هذا الكتاب كل هذة الأفكار مع وجود خلفية كالموسيقى التصويرية فى الأفلام العربية ..هذة الخلفية تتكون من المشهد الآتى: قاعة كبيرة بمعرض كتاب القاهرة لعام 2015 و”طوفان جماهيرى ” بحسب وصف  الصحف ،هذا الطوفان يتصارع للحصول على توقيع مغنى الراب أحمد ثابت الشهير بأحمد زاب ،فى حين يستدين أصحاب الاقلام الحقيقية والأدباء الحقيقيون جنيهات لتذكرة مترو، لا لشئ الا لتصارع دور النشر على نوعيات مثل الزاب الذى يبيع اسمه بلا اسلوب أدبى وبلا أفكار ،فى حين تظل كتب كبار الكتاب على ارفف المكتبات لتباع على أرصفة سور الأزبكية بأبخس الأسعار ،ولا عزاء لزكى نجيب محمود والجابرى  ولا للحكيم  ومالك بن نبى ولا ليوسف ادريس الى آخر قائمة كتابنا العظام …او تظل حال الكتابات الجيدة حبيسة الأدراج لرفض دور النشر نشرها الا بتكاليف باهظة لا يقدر عليها شحاذو العصر “الأدباء الحقيقيون “الذين نسوا أنهم فى عصر القدم لاالقلم ….

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...