الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندى* :الوجه الاخر لهؤلاء : فؤاد زكريا …
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندى* :الوجه الاخر لهؤلاء : فؤاد زكريا …

فؤاد زكريا

==

images

====

 

    أحد مفاتيح شخصية الدكتور فؤاد زكريا هو غضبه الشديد من أستاذه

الدكتور عبد الرحمن بدوي، فقد كان الرجل مرشحا لأحد جوائز الدولة مثل
الدكتور عبد الرحمن بدوي، لكن الأخير أقلقه هذا الأمر فكتب تقريرا سيئا عن
تلميذه فؤاد زكريا.. ودافع الرجل عن نفسه لمن يهمه الأمر، لكن لم يسفر هذا
المسعى عن شئ فكتب فؤاد زكريا رسالة إلى عبد الرحمن بدوي يقول له : يا
كاره الناس.. لكن بدوي لم يتأثر بذلك وحسبه أنه تدخل لتطير الجائزة التي كانت
قاب قوسين أو أدنى من فؤاد زكريا على أية حال هذا ما قاله لي فؤاد زكريا –
عندما زرته في منزله قبل رحيله بعدة أشهر. وأشهد أنه كان مريضاً وتصعب
عليه الحركة أو التجول في شقته التي كانت شبه فارغة عندما استقبلنى فيها وهي
بالقرب من مسجد رابعة العدوية بالقاهرة.
وعلمت منه أنه يمضى وقته بين القاهرة ولندن حيث تعيش هناك ابنته
الوحيدة التي تقطع عليه وحدته.. أما في القاهرة فالأمر في غاية الصعوبة-
وحدثنا عن أنه فوجئ ذات يوم بأحد العاملين في الأهرام يطلب منه أن يكتب
مقالة أسبوعية.. وبعد أن اهتم فؤاد زكريا بالأمر وأعد مقالته الأولى.. لم يتصل
به أحد.. وبعد فترة ضاع الحلم، وكان يود من كل قلبه أن يتواصل عبر الأهرام
مع القراء..
وروى لي أنه عندما كان في الكويت، فوجئ بأن أستاذه بدوي هناك
وكذلك الدكتور زكي نجيب محمود.. وقال إن بدوى كان إذ رمقه فى الكولوار
يدخل مباشرة أى حجرة حتى لا يجد نفسه مضطراً أن يجيب أو يحيى زميله
زكى نجيب محمود..
وكشف عن أن بدوى يكثر من الحديث عن “سلوى” – بطلة كتابه الحور
والنور .. كذلك يروى عن كثيرات التقاهن فى جنيف عندما كان مستشاراً ثقافياً

هناك.. وهو هنا يذكرنا باعترافات جان جاك روسو الذى كان يعترف بصداقته
للساقطات. مؤكداً أن معظم أبناءه يسكنون إصلاحية الأحداث الباريسية. واعترف
فؤاد زكريا أن جان جاك روسو ربما يقول ذلك لإخفاء حقيقة أخرى وهى إنه لم
يكن ينجب! كذلك عبد الرحمن بدوى كان يكثر من حديثه عن الفاتنات ليخفى
بهذا الحديث شيئاً آخر وهو عدم قدرته على الزواج وضعفه وعدم قدرته أمام
الفتيات.
ويقول فؤاد زكريا أنه مقتنع بذلك.. فبدوي لا يعترف مجانا.. وكل من
يعرفه أو تربطه به صداقة يعلم ذلك عنه!
وفى مذكراته وأحاديثه كان يتكلم باحترام شديد عن أستاذة أحمد أمين
ليس من أجل سواد عيون أحمد أمين طبعاً ولكن من أجل ان يلمز ويغمز في قناة
زكي نجيب محمود الذي كان عبد الرحمن بدوى يمقته من كل قلبه! وفي باريس
عرفت أن البروفيسور الجزائري أركون كان يقول إن مؤلفات بدوي كانت تجعله
يخر ساجداً شاكرا فضل هذا الرجل على الثقافة والحضارة العربية.. لكن هذا لا
يمنع من أن بدوي – شخصيا كان كريها، لا يحب الناس (وأنا منهم).
وقد هاجم بدوي أستاذه طه حسين وقال أنه كان يخاف من زوجته
سوزان وكان لا يتحدث عن المستشرقين الفرنسيين إلا بكل احترام وتقدير خوفا
منها..
وعندما سألته عن عميد المسرح العربي توفيق الحكيم قال: كنت التقي به
في حديقة لوكسمبرج في باريس.. لقد كان من أخلص أصدقائي. لقد نشأت
صداقة بيننا منذ وقت مبكر، فأذكر أننا لم نكن نفترق إلا ساعات النوم. كنت
أمضي معه ربما تسع ساعات يوميا. كان ذلك في القاهرة خصوصا في فترة
الحرب العالمية الثانية. ثم أضاف د. بدوي يقول مبتسماً:
– بالقرب من هذه الحديقة حديقة لوكسمبورج كما تعرف يقع مسرح “الأوديون”
الذي كانت تعمل حبيبة توفيق الحكيم في شباك تذاكره.

2013-08-19_00136 (1)

ثم استطرد يقول ضاحكاً:
– عندما وقع توفيق الحكيم في حبها، وأنفق عليها كل ما كان معه من
أموال، فوجئ بها تتركه لتسير مع شخص آخر. فتألم كثيراً. وظل يفكر في كيفية
استردادها.. وهداه تفكيره العجيب وقتئذ، إلى أن يتحدث مع شخص يدعي
“يوسف شهدي” – كان من فتوات شارع عماد الدين في القاهرة، لكنه جاء إلى
باريس بعد أن أُبعد عن مصر، وهو في الأصل تونسي – وطلب منه أن يضرب
الشخص الذي أخذ منه حبيبته علقة ساخنة!
لكن “يوسف شهدي” رفض، بحجة أنه لا يريد أن يضيف إلى مشاكله،
مشاكل أخرى. وحسبه ما نال في القاهرة التي طرد منها.
ثم يذكر د. بدوي أنه التقى بصديقه توفيق الحكيم مرة أخرى في باريس
عام ١٩٤٩ عندما أوفدته جريدة “أخبار اليوم” ليقضي عاماً في باريس، لكن
توفيق لم يمكث سوى ثلاثة أشهر.
وعن صداقته له يقول:
– لقد كان فارق السن بيننا كبيراً نسبياً، لكن جمع بيننا العمر الفكري
والثقافي. فكنت أشعر بانسجام كبير معه. وليس صحيحاً أنه كان بخيلاً، إلا إذا
اعتبرنا أن كل من يرفض أن ينفق على الآخرين لابد أن يوصف بالبخل!”
كنت أعرف – مثل كثيرين- أن الدكتور بدوي لا يرتاح كثيراً للدكتور
فؤاد زكريا، ويروي تلاميذ الرجلين أن الحرب كانت ضروساً بينهما عندما
شاءت الأقدار أن يعملا في قسم واحد بجامعة الكويت.
وأشهد أني التقيت بالدكتور فؤاد زكريا في باريس مرتين على الأقل، ولا
أذكر أنه أساء للدكتور بدوي تلميحاً أو تصريحاً عندما كنا نذكره عرضا في
حديثنا.
ولأنني كنت أعرف أن بين الأستاذين الجليلين ما بينهما من خصام لم
أندهش كثيرا عندما صعدت مع الدكتور بدوي ذات يوم إلى الطابق الثاني في

مكتبه “جوزيف جون” بالحي اللاتيني في باريس.. وإذ به ينتزع من بين الكتب
كتاباً ليضعه أمام عيني وهو يقول في غضب:
“انظر، هذه هي عينات الكتب التي يحرص الغربيون على إبرازها
وترجمتها، فدققت النظر في الكتاب فإذا به عبارة عن مجموعة من المقالات لنفر
من الكُتَّاب العلمانيين أمثال فرج فودة، وسعيد العشماوي، وفؤاد زكريا.. جمعها
وترجمها من العربية إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي جيل كيبيل”.
وأذكر أني سألت الدكتور بدوي قائلا:
ماذا تريد أن تقول؟ أجاب بوجه مكفهر وقال وهو يشير إلى أرفف الكتب
التي تملأ المكان:
– بين هذه الكتب توجد عشرات تقطر سماً على الإسلام والمسلمين.. فأين نحن
منها!.
وفهمت من كلام الدكتور بدوي أن الغرب لا يريد أن يفهم من الإسلام إلا ما
يريد هو أن يفهمه، ولذلك يرحب ويفسح المجال أمام ترجمة مؤلفات الكّتاب
العلمانيين دون غيرها.. ومن بين هؤلاء الدكتور فؤاد زكريا.
انزعج الدكتور فؤاد زكريا كثيراً من كلام الدكتور بدوي، وهرع إلى
القلم والورق، وكتب رغم مرضه في لندن دفاعاً هو أشبه بالتوضيح، ألقى به
الضوء تفصيلاً على سبب انزعاجه ثم عرج على علاقة العرب بالإسلام من
خلال تجربته الشخصية، وانتهى بالدعوة إلى تكريم الدكتور بدوي.
وجاء في هذا الدفاع ما يلي: رأيي أن أستاذنا الكبير عبد الرحمن بدوي
قد جانبه التوفيق أكثر من مرة في هذه العبارة المنسوبة إليه فهو أولاً يتحدث
باستخفاف عن ثلاثة من أقطاب التنوير في مصر المعاصرة، وكذلك يسئ فهم
نوايا المستشرق (يقصد جيل كيبيل) الذي ترجم مقالاتهم وكل المشروع الذي
تمت هذه الترجمة في إطاره.

والأمر الذي يدعو إلى العجب هو أن فيلسوفنا الأكبر (عبد الرحمن
بدوي) قد فهم العلمانية بأنها هجوم على الإسلام وأراد أن يقنع سامعه بأن الغرب
يبدي اهتماماً خاصاً بكتابات العلمانيين لأنها تهاجم الإسلام الذي يخافه الغرب.
هذا الفهم الذي يجعل العلمانية مرادفة للهجوم على الإسلام هو الفهم الذي
يريده غلاة المتطرفين وكثيرون من أشباه الجهلاء في بلادنا.
وأنا أقسم للقارئ أن يدي تتردد في كتابة هذا الكلام، ولكن ما باليد حيلة
كما يقول المثل المعروف، فعبارات أستاذنا الكبير لا تترك أي مجال للتردد لأنها
واضحة كل الوضوح.153771

وليسمح لي أستاذي الجليل (عبد الرحمن بدوي) بأن أزيده علماً في هذا

الموضوع فأقول إنني أتحدى أي إنسان يأتى بصفحة واحدة في كتابات هذه
الأسماء الثلاثة (وهي كثيرة وغزيرة) تتضمن أي شكل من أشكال الهجوم على
الإسلام، والشئ الوحيد الذي يهاجمه هؤلاء الكتاب هو “الإسلام السياسي” وما
أعظم الفارق بين العقيدة الإسلامية وسوء استخدام بعض الجماعات لها من أجل
تحقيق أهداف سياسة أهمها الاستيلاء على الحكم في بلادنا.
وعلى الرغم من أن الدكتور بدوي قد ظل بعيدا عن ساحة الصراع
الفكري والسياسي في مصر وفي هذه المنطقة عشرات السنين، فلابد أنه يعرف
أن هذه المجموعة التي تحدث عنها بكل هذا العداء تخوض معركة بطولية، منذ
سنوات طوال، ضد تنظيمات تملك من المال والرجال ما يجعلها تشكل خطراً
جسيماً على مجتمعاتها، وأن واحدا من هذا “الثلاثي” الذي يتشرف بأن يضيفه
عبد الرحمن بدوي إلى قائمة شتائمه قد دفع حياته لدفاعه عن مجتمعه ضد
أطماع أولئك الذين يغلقون مدارس البنات ويجلدون الفتيات بتهمة ارتداء
البنطلون ولا أظن أن الدكتور بدوي سيكون سعيدا لو عاش في مجتمع تسيطر
عليه هذه الجماعات.

أما المسألة الثانية التي جانب فيها التوفيق أستاذنا الكبير فهي اعتقاده أن
قيام الفرنسيين بنشر كتابات بعض خصوم الإسلام السياسي مترجمة إلى لغتهم،
هو مظهر من مظاهر تحيز الغرب ضد الإسلام، وأرجو مرة أخرى أن يسمح
لي أستاذنا الكبير بأن أصحح له معلوماته في هذا الموضوع بدوره.
فقد شهدت بنفسي بداية أول مشروعات الترجمة هذه عندما قام القسم
الثقافي في السفارة الفرنسية بالقاهرة بترجمة مقتطفات من كتبي أشرف عليها
كبير مترجمي السفارة المستعرب القدير “ريشار جاكمون”.. وعندما ظهر ذلك
الكتاب مترجما إلى الفرنسية أُجريت معي أحاديث كثيرة في إذاعات فرنسا
وصحفها الهامة، وكان من الواضح خلال هذا كله أن الهدف من المشروع ليس
مهاجمة الإسلام، بل العكس تماما. لأن الفكرة كانت إعلام الغرب بوجود تنوع
خصب في الفكر الإسلامي المعاصر وأن العالم الإسلامي لا يفكر فقط بتلك
الطريقة النمطية المتحجرة التي ينسبها إليه خصومه في الغرب.
وأود آخر الأمر أن أدلي بدلوي في موضوع تكريم الفيلسوف الكبير عبد
الرحمن بدوي بعد أن جاوز الثمانين وأبدأ أولاً فأقول إن موضوع الترشح لجائزة
نوبل غير وارد أصلاً وذلك لعدم وجود جائزة مخصصة للفلسفة أو للعلوم
الاجتماعية ضمن جائزة نوبل.
صحيح أن هناك حالتين رشح فيهما فيلسوفان للجائزة، هما جان بول
سارتر (الذي رفضها) وألبير كامي (الذي حصل عليها في سن مبكرة) ولكن
الترشيح تم في كلتا الحالتين بناء على الإنتاج الأدبي، وليس الإنتاج الفلسفي
لهذين الكاتبين الفرنسيين.
أما عن الجائزة التقديرية المصرية فإن قطارها قد فات الدكتور بدوي
منذ زمن طويل، وكان من واجب المسئولين عنها في أول عهدها أن يرشحوه
لها، أما لو فعلوا ذلك الآن لأصبح الأمر مدعاة للسخرية وسيكون من حق الجميع
أن يتساءل: أين كنتم منذ أربعين سنة؟!.

لذلك فإن المخرج المشرف من هذا المأزق هو أن يرشح لجائزة جديدة
أكبر قيمة من الناحيتين المادية والمعنوية مثل (جائزة مبارك المخلوع لاحقا)،
وسيكون من أكبر مظاهر التكريم في تاريخها، كذلك فإنني أقترح أن تقوم جهة
من الجهات التي تملك حق الترشيح لجوائز الملك فيصل العالمية، بترشيح
الدكتور بدوي لجائزة “الدفاع عن الإسلام” التي هي من الجوائز الثابتة لهذه
المنظمة ومبررات الترشيح لا تقتصر على كتابات الدكتور بدوي في الدراسات
الإسلامية التي تجاوزت المائة كتاب. وإنما المبرر الأهم فهو الكتب الثلاثة التي
نشرها باللغة الفرنسية في السنوات الأخيرة وخاض فيها معارك ضد المستشرقين
في موقفهم من العقيدة الإسلامية ومن شخصية الرسول عليه السلام ومن القرآن
الكريم.
هذه جائزة يستحقها الدكتور بدوي عن جدارة وسيكون حصوله عليها
تكريما عظيما له نظرا لمكانتها العالمية وقيمتها المادية المتميزة.
وأنا على ثقة من أن فرصته في الحصول عليها كبيرة، كما أنني على
ثقة أيضا من أن سعادتي بحصوله عليها ستكون أعظم من “سعادته” بحصولي
على جائزة مصر التقديرية منذ بضع سنوات.

                                                                                                                        *مفكر -مصر

شاهد أيضاً

زها

وسيلة مجاهدتحيى ذكرى زهاحديد

زها حديد، عندما لا تقبل أن تكون مكرّرا زها حديد، عندما لا تقبل أن تكون ...