الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. محمد شوقي الزين* يكتب :حول اغتمام الكاتب وشعوره بالإقصاء…

د. محمد شوقي الزين* يكتب :حول اغتمام الكاتب وشعوره بالإقصاء…

 

 

تساءلتُ دوماً لماذا في فرنسا، كبار مفكريها وفلاسفتها، ليس لهم صيت في الدولة الرسمية؟ إذا عُرف السبب بطل العجب، والسبب تاريخي محض، انتُقلت عدواه إلى الجزائر، بحكم 132 سنة من الاحتلال. فرنسا في مختلف تلويناتها الحرباوية (من “الحرباء”) في التنظيم السياسي: ملكية، ثم جمهورية، ثم امبراطورية، ثم مرة أخرى ملكية، ثم أخيراً جمهورية لم تكن تعرف على أيّ قدم ترقص. عندما انهارت الملكية بظهور الجمهورية من جرّاء الثورة (1789 و1792)، كانت هنالك فكرة شقت طريقها، ولا تزال مفاعيلها إلى اليوم، أي بقاء الرسم رغم اختفاء الاسم. تكمن هذه الفكرة في كون الدولة هي دولة مركزية أو متمركزة لا تعترف بالهوامش أو الاختلافات. فكان أن سُميت بالدولة اليعقوبية أو الجاكوبية (Etat jacobin) نسبةً إلى مجموعة الجاكوبين في باريس الذين كانوا يؤمنون بدولة قوية ومركزية على أنقاض الملكية الآفلة. منذ تلك الفترة، فإن سياسة الدولة الجاكوبية هي المركزية والبيروقراطية والتكنوقراطية، لا تعترف بالاختلاف، لا تجازي الكفاءات والمهارات (كالدولة الفيدرالية: مثلا ألمانيا أو الولايات المتحدة)، لكن تكافئ الزبائن والولاءات، بالمقارنة مع مجموع الصراعات التي شكّلت الهيكل العظمي لهذه الدولة الناشئة إبان الثورة الفرنسية وخلال الإرهاب الثوري (la Terreur). يقال في التحليل النفسي أن القرائن تختفي، لكن تبقى المفاعيل سارية. اختفى الإسم “جاكوبي” منذ قيام الإمبراطورية مع نابوليون بونابارت، لكن لا تزال مفاعيله قائمة بشكل تحتي أو دهليزي، أحياناً لاشعوري. كل ما لا يدخل في سياج الدولة “الجاكوبية” (المختفية اسماً والفاعلة رسماً)، فهو بالضرورة منبوذ. كبار المفكرين الفرنسيين ممن هم اليوم العقل المدبّر للثقافة الأمريكية تحت طائلة ما سمي بـ”النظرية الفرنسية” (French Theory) أمثال دريدا وفوكو وبودريار، كانوا من المطرودين من هياكل الدولة “الجاكوبية” مثل السوربون؛ كبار المفكرين والنُقاد ليس لهم مكان في وسائل الإعلام؛ العديد منهم عباقرة ليست لهم جوائز. الدولة “الجاكوبية” فصامية في طبعها: تنبذ الكاتب، لكن إذا بلغ صيته أطراف الكوكب، فإنها تستغلّ اسمه لأغراض كامنة في طبع هذه الدولة؛ تنبذ الكاتب، وإذا توفي تصدر بياناً بالتأسف على رحيله وذكر مناقبه على شاكلة “اشتاق تمرة ومين مات علقولو عرجون”. إن الجزائر، وبحكم التاريخ الاستعماري، تنكّرت هي الأخرى في زيّ الدولة “الجاكوبية”، لاشعورياً على الأقل. يشعر الكاتب بالنبذ المسلَّط عليه، وما هو سوى منطق “الدولة الجاكوبية” الذي يشتغل في جسد المؤسسات والهيئات، منطق قائم على الاحتكار والمركزية، يكافئ الولاءات ولا يجازي المهارات؛ يستغل “الأسماء” ولا ينتبه “للأفراد”. لا يمكنني أن أتنكّر في زيّ الطبيب الرازي لأكتب “رسالة في دفع الغم والهم” عندما يشعر الكاتب بأنه منبوذ ومنسي رغم الروائع الأدبية التي يخلّدها أو البدائع الفكرية التي ينتجها. لا يوجد وصفة طبية لهذه المعضلة سوى إذا تغيّر منطق الدولة من الزبونية والولاء إلى المهارة والذكاء؛ ويُرى إلى الأفراد كمواطنين هم في جميعهم سفراء الذكاء الذي ينتجونه لوطنهم، وليسوا مجرّد “وسائل أو أدوات” في إدامة المنطق “الجاكوبي” للدولة المبني على الانتقاء والإقصاء، والذي تطال تفاصيله إلى أدق الحياة الاجتماعية، بما في ذلك على المستوى الإداري وبما في ذلك بين مجموعات متنافسة من الصنف الوظيفي نفسه (رجال أعمال فيما بينهم، مثقفون فيما بينهم، كُتاب، فقهاء، إلخ). عندما يعرف الكاتب في أي منطق من التنظيم السياسي يحيا، فإنه يعرف، على الأقل، كيف يتصرَّف مع هذا المنطق ولا ينتظر منه شيئاً، لأن الانتظار سيكون، في هذه الحالة، عنوان العذاب النفسي والألم الذاتي. إن المنطق “الجاكوبي” على الاختلاف التام من المنطق “البراغماتي”، ويكفي أن نقارن بين دولة مركزية مثل فرنسا ودولة فدرالية مثل أمريكا، لندرك حجم الاختلاف في التمثُّلات والممارسات، أي الاختلاف بين من يكافئ الولاء ومن يكافئ الذكاء، بين من يدور على الرحى ولا يتقدّم، وبين من يقطع، بفضل مهارات مواطنيه، أشواطاً هامة من الإنتاج والاختراع؛ بين من يجعل “المحافظة” سياسة (conservatisme)، ومن يجعل التنوُّع والإبداع ثقافة وفلسفة. بشكل مرآوي: إذا فكرنا في عدم اتساع البيت الفرنسي لدريدا وفوكو ورنيه جيرار وميشال دو سارتو، ووجود هذا الوُسع في أمريكا؛ يمكن، بالقياس، أن نفكر أيضاً في ضيق البيت الجزائري بالنسبة للعديد من الكُتاب والمفكرين أمثال مالك بن نبي، محمد أركون…

*مفكر -الجزائر

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...

تعليق واحد

  1. تحليل فلسفي رائع لمشاهد اقصاء المثقف ليس على مستوى الثقافة الفرنسية فقط أو التاريخ الجزائرى ولكن اعتقد أنه ينسحب على مشاهد متلازمة في البلادان العربية التي تبنت الفكر الولائي على حساب الفكر الكفائي، أو على حد قولكم منطق قائم على الاحتكار والمركزية، يكافئ الولاءات ولا يجازي المهارات وأذكر نفسي معكم بأن أمريكا كدولة فيدرالية تدعم المفكر لصالح ماينتج لأمريكا، تدعم المثقف حتي يصبح مفكراً، وتحارب الفكر حتي يرتمى في ثقافتها.