الرئيسية / غير مصنف / د.منى النمورى *تخوض تجربة ابداعيه جديدة: فقط أنا وأنت !(4)
د.منى النمورى

د.منى النمورى *تخوض تجربة ابداعيه جديدة: فقط أنا وأنت !(4)

 

فقط انا وأنت”… سلسلة نصوص تجرب فيها د. منى النمورى أساليب سرد غير معتادة . فهى تكسر قاعدة الإيهام فى النص و تقحم القاريء داخله عن طريق مواجهته وسؤاله، بل وتشركه فى مسئولية قرارت الشخصيات من خلال تخييره بين مصائر الشخصيات المتاحة. بقدر ما قد يبدو هذا عدوانياً على نفس القاريء، بقدر مايدفعه إلى التفكير. قد يلاحق النص القاريء حتى وهو يشرب القهوة.
لحظات حياتية تحبس الشخصيات فى لحظة تبدو كإختيار وإن كانت مقدرة سلفاً.

هيا بنا نخوض معها التجربة ونرجو من القارئ العزيز ان يجربهاعلى وعد بأنهم لن يندموا .

المحرر

 

 

ام أدهم

=====

كان الوقت فى ذروة الظهيرة ،وسط الاسبوع ، فى محطة مترو أنفاق التحرير.وصلت أم أدهم لاهثة و نزلت السلالم المتحركة دون وعى يُذكر وهى تنظر لصديقتها أم عماد و تستمع لقصتها بشغف.لم يكونا فى عجلة من أمرهما فقد أدركا أن القاطرة قد مرت للتو و بقيت بضعة دقائق لإنهاء الكلام قبل وصول القاطرة الأخرى. كان بيدها إبنها ادهم دون السابعة يلاعب عماد إبن صديقتها. سألها أدهم ادهم من قبل عن سر عماد فهو ليس بالضبط طفلاً طبيعياً بعينيه الضيقتين المسحوبتين نحو أذنيه وشعره الناعم على جبينه لكن كان يبدو لأدهم أحيانا ان عماد يفهم كل شئ بسرعة عادية وأحيانا يتعطل شيء ما لكنه لم يكن ليهتم حين يراه. المهم هو ان عماد يجاريه فى اللعب. جلست السيدتان على الكراسى البلاستيكية المثبتة الى الحائط وإنخرطتا فى الحديث مرة اخرى بينما عماد يجرى بعض الخطوات بعيداً عن كرسى امه ليلحق بأدهم ثم يعود فى حذر ومن حين لآخر كانت ام ادهم تلقى عليه بنظرة إطمئنان سريعة تمتد بعدها عيناها لبقية ساحة المحطة الآخذة فى الإزدحام بشكل متزايد..لم تجد داع للقلق فالطفلان يبعدان خطوات معدودة ثم يعودان.أخذتها الحكاية بعض الشئ ثم إنتبهت على إهتزاز أرضية المحطة معلناً عن مقدم القطار من بعيد.مدت السيدة يدها اليسرى لشنطتها واليمنى فى الهواء لتشتبك مع يد ادهم كالعادة..لا شئ! ..نظرت حولها لتجد عماد وحده ممسكاً بفستان امه مذعوراً من الزحام. نظرت الى صديقتها فى رعب ونطقتا فى لحظة واحدة: ” ادهم!” اددددههههاااااام ! كانت أم ادهم تصرخ و تنادى دون حركة قدماها مشلولتان وام عماد تهرول هنا وهناك وهى تجرجر عماد فى رعب والقطار فى المحطة والناس تجرى لتقفز للداخل قبل غلق الأبواب أوتوماتيكياً!

رحل القطار وقطارات عديدة بعده..ينطلق صوت الإذاعة الداخلية :” طفل فى السادسة..إسمه ادهم أشرف..يرتدى جينز أزرق و تيشيرت أبيض..طفل فى السادسة…” شهور كثيرة وام أدهم تجوب محطات المترو كلها.تجلس فى كل محطة قليلاً تنظر للناس. تنادى على أدهم وتظل تمشى حتى تتعب ويأخذها أحد امناء الشرطة و يضعها فى القطار الصحيح لبيتها.أصبحوا يعرفونها جيداً.أما زوجها فكان يجوب المحطات نفسها بحثاً عنها.يضمها لصدره ويسمع إلتياعها على ادهم وإتهامها لنفسها و له بأنه أنساها نفسها وإبنها بأفعاله .كان يقاوم حزنه الشخصى حتى لا تنهار بقية الأسرة وتفقد ام ادهم عقلها تماماً.أخذها للاطباء.أعطاها الأدوية.ربت عليها.إعتذر لها وعنها ثم إنهار!أخذته للأطباء. أعطته الدواء.نامت تحت فراشه.إستمعت لكوابيسه العاليةً وهو يتحدث عن حزنه.غضبه منها.فقدانه لأغلى ما يملك. طمأنته.رَقَته أضحكته.أفاق هو لتنهارهى ثانيةً. واجهها يوماً بقراره.هددها بطلاق بائن إن ذكرت إسم أدهم ثانيةً! أو نظرت لصوره اوإحتضنت ملابسه أو جابت الشوارع بحثاً عنه. قال لها أن تحتسبه عند الله وان تستغفر الله على فعلتها المريرة بإهمالها له.قال لها انه يفعل ذلك ليساعدها ألا تخسر نفسها وأسرتها قال لها انه يسعى أن يعتمرا ليغتسلا بماء زمزم وترتاح روحيهما قال لها انه سيضيع دونها قال لها ان الحياة اقصر من ان تذهب فى الغضب أو الحزن او الذنب قال لها أن رحمة الله واسعة. اوسع من كل شئ، حتى حكاية أدهم! نظرت الى عينيه السوداويين الواسعتين ،إكتشفت أن الحزن اصبح يملأهما حتى صار الننى عميقا عميقا لا نهاية له.إكتشفت الترهلات فى وجنتيه، لابد انه فقد كثيراً من الوزن دون أن تدرى.السواد تحت عينيه..ياااااه! هى من سببت كل هذا الحزن.تاهت فى الوجه طويلاً، تراءى لها فيه وجه ادهم، وكأن الأب يأخذ عن الإبن و ليس العكس.ضمته لصدرها وبكت. قررت ان تذرف كل الدموع فى ليلة واحدة فلا يتبقى شئ بعد ذلك..كانت تدفع الدموع وكأنها تدفع جنين من رحمها بكل عزمها.وعندما إنتهت والعرق يغطى جبينها ويختلط بدموعها، سمعت صوت شخير زوجها يعلن عن نومه العميق لأول مرة منذ شهور. هدأت أم ادهم اخيراً. كان ابو ادهم ينظر لها احياناً بعطف، شفقة، حزن، غضب، شك. كان يحذرها من وقوع اليمين وكانت تنفى أى سبب لوقوعه. كانت صادقة فهى لم تعد ترى الصور او الملابس أوالكتب او أى شئ يخص أدهم.خلا البيت من كل ذلك و لكن كيف تتخلص من نفسها؟ من صورته المطبوعة فى ذاكرتها؟ من حنين صدرها لرضيعها؟ من إحساس اللبن الدافئ ينساب منها داخل فمه الصغير؟ من ضحكه و بكائه فى اذنيها؟ من رائحة شعره ممزوجاً بالعرق فى انفها؟ من ثقل رأسه وهو يدفنها فى إبطها عند النوم؟ لكننا، فقط انا وأنت، نعلم أن الحزن كان يمزق صدرها فى بعض الأحيان دون اى سبب فينطلق قلبها من قفص الصدر ويطير بعيداً يجوب الشوارع يبحث عن أدهم واحياناً يحلق فوق الصحارى والبحار و أماكن لم يرتدها قط أو يدخل من نوافذ البيوت يتوه فى الغرف، يتفرس فى وجوه الأطفال ثم الكبار، لابد انه كبر الآن، اليوم يوم ميلاده التاسع..العاشر..الثانى عشر..”عيدك سعيد يا أدهم” لم تعد ام أدهم تقول شيئاً.فقط عند النوم وبعد أن تتلو أذكار المساء كانت تهمس دون حزن أو دمع و كأنها ترسل رسالة عبر الرياح: ” تصبح على خير يا أدهم!” فقط أنا وأنت!

*استاذ الأدب الانجليزى -مصر

 

شاهد أيضاً

10 Strategy Ways to Effectively Industry Your Non-Profit

A few pointers to get marketing your non-profit. Recently a method employed for guaranteeing very ...