الرئيسية / أخبار ثقافيه / هوامش تواصل نشر كتاب د.سعيد اللاوندى: الوجه الاخر لهؤلاء: رينيه خوام
د.سعيد اللاوندي

هوامش تواصل نشر كتاب د.سعيد اللاوندى: الوجه الاخر لهؤلاء: رينيه خوام

رينيه خو ام وترجمة القرآن الكريم 

=================

image

يجيز بعض الباحثين ترجمة القرآن الكريم بهدف بلوغ عدة مقاصد منها رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغةالعربية من المسلمين الأعاجم، وتيسير فهم القرآن عليهم بهذا النوع من الترجمة.
ودفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذبا وافتراء، ثم ضللوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحسنون اللسان العربي من خلالشروحات مزعومة للقرآن. أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب. ثم تنوير غير
المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه، وإزالة الحواجز والعقبات التي أقامها الخبثاء الماكرون بين الإسلام وبين عشاق الحق من الأمم الأخرى.

كما يرى باحثون آخرون أن الدافع الأول للترجمة هو إبلاغ القرآن إلىسائر الأمم باعتبار أن الرسول الكريم قد جاء للناس كافة، فتقول الآية ٢٨ منسورة سبأ.” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِیرًا وَنَذِیرًا ” والآية ٧٩ من سورة النساء
“.. وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّھِ شَھِیداً “وقد انقسمت الآراء حول شكل الترجمة وهل ستكون حرفية أم معنوية أمتفسيرية…
والمقصود بالترجمة الحرفية إجمالا هو نقل ألفاظ من لغة إلى نظائرها من اللغة الأخرى بحيث يكون النظم موافقا للنظم، والترتيب موافقا للترتيب، وقدثبتت صعوبة هذا الشكل من الترجمة لأن خواص اللغة العربية تختلف عن خواص اللغات الأخرى خصوصا في ترتيب أجزاء الجملة. فالجملة الفعلية في اللغة العربية تبدأ بالفعل فالفاعل.. والمضاف مقدم على المضاف إليه، والموصوف مقدم على الصفة، إلا إذا أريد الإضافة علىوجه التشبيه مثل: “كلجين الماء” أو كان الكلام من إضافة الصفة إلى معمولها
مثل: كعظيم الأمل وليس الشأن كذلك في سائر اللغات.ولأن التعبير العربي يحمل في طياته من أسرار اللغة ما لا يمكن أن ويحل محله تعبير آخر بلغة أخرى، فالألفاظ في الترجمة لا تكون متساوية المعنى من كل وجه فضلا عن التراكيب… وهنا تكمن استحالة الترجمة الحرفية للقرآنالكريم الذي هو أرفع النصوص العربية فصاحة وبلاغة.
بكلمة أخرى يمكن أن نقول إنه ليس بمقدور أي مترجم مهما كانت درايته باللغات وأساليبها أن ينقل حرفيا النص القرآني إلى لغة أخرى. ناهيك عنأن أية محاولة تزعم لنفسها هذه القدرة فهي تخرج بالقرآن عن أن يكون قرآنا.
أما الترجمة المعنوية فهي تنطلق من تقسيم أي نص بليغ إلى معان أصلية وأخرى ثانوية. والمراد بالمعاني الأصلية هو المعاني التي يستوي فيفهمها كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة، وعرف وجوه تراكيبها معرفة إجمالية.
أما المعاني الثانوية فيراد بها خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام وبها كان القرآن معجزا وهو ما عناه الزمخشري في كشافه بقوله: “إن في كلامالعرب –خصوصا القرآن- من لطائف المعاني ما يستقل بأدائه لسان” وبينما ذهب البعض إلى إمكانية ترجمة المعاني الأصلية مثل الشاطبيالذي قال في الموافقات: “إن ترجمة القرآن على الوجه الأول يعني النظر إلى معانيه الأصلية – ممكن. ومن جهة يصبح تفسير القرآن وبيان معانيه للعامة، ومن ليس لهم فهم يقوي على تحصيل معانيه…” ذهب البعض الآخر إلى استحالةترجمة المعاني الثانوية للقرآن وحجتهم في ذلك أنه لا توجد لغة توافق اللغة العربية في دلالة ألفاظها على هذه المعاني المسماة عند علماء البيان خواصالتراكيب.. فوجوه البلاغة القرآنية في اللفظ أو التركيب تنكيرا وتعريفا أو تقديما  وتأخيرا، أو ذكرا وحذفا إلى غير ذلك مما تسامت به لغة القرآن، وكان له وقعهفي النقوس.
هذه الوجوه في بلاغة القرآن لا يفي بحقها في أداء معناها لغة أخرى لأن أي لغة لا تحمل كل تلك الخواص.
لكن حتى فكرة ترجمة المعاني الأصلية لم تسلم من نقد أو اعتراض فهي من وجهة نظر البعض لا تخلو من فساد، لأن اللفظ الواحد في القرآن قد يكون لهمعنيان أو معان تحتملها الآية فيضم المترجم لفظا يدل على معنى واحد حيث لا يجد لفظا يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة، وقد يحدث أن يستعمل القرآن اللفظ في معنى واحد مجازي فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظالعربي في معناه الحقيقي ومن ثم تقع الأخطاء.
وقد أسهب تفسير المنار للشيخ رشيد رضا في هذه النقطة تحديداً، وفصلالقول في استحالة ترجمة المفردات فذكر أنه لا يمكن أن تتفق لغتان من لغاتالعالم في جميع مفرداتها… وأورد مثالا على ذلك بالأسماء الموضوعة ليوم القيامة، وهي كثيرة، فكل لفظ منها، له معنى تدل عليه مادته العربية. وذكر منمفردات الأفعال دلالة صيغها من حيث التكلف والتكثير والمشاركة والمطاوعة
ومن مفردات حروف المعاني والأدوات الفرق في العطف بين الواو والفاء. وثم،وبين الحصر بإنما، والحصر بحرفي النفي والإثبات وغير ذلك كثير.أما في الجمل فقد أشار رشيد رضا إلى الجملة المفيدة بالحال، والفرق فيها بين الحال المفردة وجملة الحال، وما يترتب على ذلك من آثار شرعية، كماأشار إلى الكتابة واستحالة نقلها. وانتقل إلى أسلوب القرآن، وأوضح أنه أظهر وجوه الإعجاز اللفظية، وعرض لنموذج من ترجمة تركية. فنقده بما يدل علىأن ترجمة القرآن ضرب من المستحيل.أما الترجمة التفسيرية فالمقصود بها شرح الكلام وبيان معناه بلغةأخرى، والمفسر في هذه الحالة يتكلم بلهجة المبين لمعنى الكلام على حسب فهمه، وكأنه يقول للناس “هذا مفهوم من الآية”.بعبارة أخرى الترجمة التفسيرية هي ترجمة لفهم شخص. ولا تتضمن وجهة التأويل المحتملة لمعاني القرآن.وإنما تتضمن ما أدركه المفسر منها ولذلك فهي ترجمة للعقيدة الإسلامية ومبادئ
الشريعة كما تفهم عن القرآن.وفي ضوء صعوبة الترجمة الحرفية أو الترجمة المعنوية أصبحت الترجمة التفسيرية ضرورة واجبة لأن المسلمين إذا أهملوها، أصبحوا في كثيرمن بقاع الأرض قوما لا سند لهم، ولا مرجع يجدون بأيديهم مصحفا يتبركون
بورقه. ويلثمون غلافه. ويضعونه على الرأس والعين، احتراما له، لكنهم لايفهمون ما فيه!
والنتيجة الطبيعية لذلك هي أن معاني القرآن ستظل والحال هذهمستغلقة على كثير من الأمم وهو ما يعتبر إسرافا في الجور لا يتفق معسماحة الدين الإسلامي… ورغم ذلك هناك العديد من الترجمات الفرنسية للقرآن الكريم منها ترجمة الباحث الفرنسي من أصل لبناني رينيه خوام الذي التقيته مرة في مطعم صغير بالقرب من المكتبة الوطنية الفرنسية وهالني أن الرجل كان يمسك سندويتشا بيمناه، ويترجم بيسراه بعد أن بسط نسخة من القرآن الكريم أمامه. وكان يجلس وسط زحام المطعم وقت الظهيرة.. وبصعوبة بالغة علمتمنه أنه مضطر أن يفعل ذلك لأنه حصل على ثمن الترجمة سلفا من دار النشر..
وأنفق الثمن في أشياء عديدة… ولأنه مرتبط بعقد موقع عليه منه فلابد منتسليم الترجمة في أقل من شهر! والغريب أن ترجمة رينيه خوام هي الأكثرانتشارا.. لأنها موجودة في سور الأزبكية بجوار نهر السين.. فضلا عن أنها رخيصة الثمن وفي متناول الجميع.وكنت أعلم قبلاً أن أكثر من شخص قام بالترجمة.. منهم شيخ المستشرقين الفرنسيين جاك بيرك الذي كان يقول أن ترجمته ليست إلا ترجمةمعاني لأن كلمات القرآن لا تترجم.. وعندما وضع تفسيرا لهذه الترجمة لم يشأ–يرحمه الله – أن يضعه في المقدمة لأن كلام الله حسبما يقول يجب ألا يكون مسبوقا بكلام بشر.. وفضل أن يوضع تفسيره في ذيل الترجمة..!
وعلمت أن عمدة القدس وهو يهودي إسرائيل يدعي اندريه شواركي قام بترجمة معاني القرآن الكريم.. وزج باسم أحد الأزهريين في مقدمته وقد تبرأمنها الأخير عندما دعوه لبرنامج ثقافي شهر في التليفزيون الفرنسي! كان يناقش الترجمات وخصوصا ترجم شواركى..image

الغريب أن العرب والمسلمين قد تركوا كل هذه الترجمات ولم يتهموا إلاصاحب الترجمة الأقرب إلى الصواب وهي ترجمة جاك بيرك.
أستندت الاتهامات التي وجهت إلى جاك بيرك إلى مجموعة من القرائن والأدلة، والحيثيات المستمدة من مصدرين.
الأول: هو الحوار الذي كان قد أدلى به إلى صحيفة عربية وبدأه بحديث مطول عن ترجمته لمعاني القرآن الكريم عن العلمانية والإسلام ثم تطرق إلىمستقبل الصراع العربي – الإسرائيلي والتغيرات التي يشهدها العالم العربي في الفترة الأخيرة.
أما المصدر الثاني للاتهام فهو الأفكار التي ساقها في الدراسة التي ذيل بها ترجمته لمعاني القرآن الكريم، وتناقش عددا من القضايا التي طرحها الفقهاءالكلاسيكيون وتتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وأحكامه.
المصدر الأول: حوار صحيفة القبس
يذكر جاك بيرك أنه شرع في ترجمة معاني القرآن الكريم عندما بلغ عمره الستين عاما، لثلاثة أسباب.
الأول: هو الخوف، فقد كان يخشى أن يقدم ترجمة غير جيدة، وليست على المستوى المطلوب. فيصغر في نظر المثقفين والمختصين في الدراساتالقرآنية، ولذلك انتظر حتى يزداد نضجا بحيث يكون مؤهلا لتقديم ترجمة جيدةوأمينة.
الثاني: هو الحشمة، فقد كان يخجل من نص عظيم مثل النص القرآني ولم يتجرأ على الإقدام على ترجمته دون أن يكون عوامل المعرفة به، وبالإسلامقد تعمقت من خلال دراساته المتواصلة والمستمرة، بحيث يكون في مستوى ترجمة النص، ولكي لا يحدث أي تقصير في النص الفرنسي الذي يتوخى تقديمالقرآن الكريم بكل أبعاده اللغوية والروحية إلى لغة أخرى.
الثالث: هو سبب شخصي محض فيقول: نحن عندما نتقدم في السن، نبدأ بالتفكير بطريقة أخرى.. نبدأ في طرح الكثير من الأسئلة الميتافيزيقية علىأنفسنا، أسئلة تتعلق بالموت وجدوى الحياة. وقد وجدت في القرآن كثيرا من
الاطمئنان الروحي الذي أسعى إليه.
فالحياة لم تكن تثير أية مشكلة بالنسبة لي عندما كنت شابا. والموت لم يكن يطرح نفسه أمامي كمشكلة واقعية لأنه بعيد عني.كنت منغمسا في الحياةوفي همومها، أما الآن فإن كل تفكيري ينصب فيما بعد الحياة وفي التساؤل الميتافيزيقي وقد وجدت في القرآن الكريم سلوى لي، وفي ترجمته شيئا من هذه الاستجابة إلى عالم ما بعد الحياة ويرى جاك بيرك أن الترجمات الفرنسية التيقدمت معاني القرآن الكريم قبل ترجمته. قام بها مترجمون لا يحسنون اللغة الفرنسية أكثر من اللغة العربية (والعكس صحيح أيضا) ولذلك شاب ترجماتهمبعض الخلل أو النقص. ويقول إنه قد تعلم اللغة العربية وإنه يتقنها بشكل جيد لأنه درسها لسنوات طويلة، وعاش في البلاد العربية فترة من الزمن. ولذلك فهو يتقنها أكثر من المستشرقين الفرنسيين الآخرين الذين ترجموا القرآن.
ويقول إن معرفته باللغة الفرنسية واللغة العربية هي معرفة متوازينة ولذلك تمكن من تقديم ترجمة جديدة تتلافي نواقص الترجمات الأخرى، وينفيبيرك أنه سيصل بترجمته هذه إلى درجة الكمال فالكمال لله سبحانه، ولكنه يعتقد أن عمله سيكون مفيدا للمسلمين الذي لا يحسنون اللغة العربية، ويحسنون اللغةالفرنسية، لأن قراءة القرآن الكريم ستكون سهلة بالنسبة لهم.
ويرى بيرك أن أفضل ترجمتين فرنسيتين للقرآن الكريم هما ترجمة بلاشير وإن كان ينقصها البعد الروحاني، لأن بلاشير كان ألمانيا، ومن ثم لم يكنقادرا على تذوق المضمون الروحي والأبعاد الصوفية للقرآن.. وترجمة أبو بكر حمزة وإن كانت تفتقر إلى النزاهة العلمية.ويقول أن هناك شروطاً أخرى إلى جانب الروحانية يجب أن يتحلى بها المترجم وهي البساطة والجمال. فالنص الفرنسي (المترجم) يجب أن يكونبسيطا في ظاهره، لكننا إذا تأملنا هذه “البساطة” اكتشفنا وراءها أغوارا عميقة.

كما يجب أن يكون جميلا، لأن القرآن عالج في مواضع عديدة وصف الطبيعية أو وصف الظواهر الكونية والنفسية والإنسانية بأسلوب دقيق في المعنى وجميلومتين في اليناء اللغوي. فإذا كانت اللغة العربية في العصر الجاهلي هي الأكثر جمالا. وبناء فما بالكم بالقرآن الذي تجاوزها. وكانت لغته أجمل وأمتن منها.ويرى بيرك أن النص القرآني يجمع بين كل هذه الصفات في بناء لغوي
وأسلوب فريد من نوعه ومتكامل. إنه يجمع كل هذه الجوانب في بناء لغوي كلي حي وهذا هو ما يسمونه بالإعجاز فالقرآن علاوة على ذلك نص قديم وحديث فيوقت واحد، أي أنه حديث بالنسبة لكل زمان. فهو يمتلك دينامية أزلية.. وهذا هو الإعجاز.
ويؤكد بيرك أن القرآن هو كلام مباشر لله بينما الإنجيل هو بمثابة الحديث الشريف في العقيدة الإسلامية، لأن الإنجيل هو ما يقال عن المسيح وماينقل عنه، وعلى الرغم من اقتناعه بأن أية لغة لا يمكن أن تحل محل أخرى. إلا أنه يعتقد بأن اللغة الفرنسية قادرة على تقديم الأجواء الروحانية للسور القرآنيةوإن بقي ذلك مرهونا بشيئين، أولهما جودة الترجمة وقدرة المترجم على توصيل
حضور “الوحي” في النص القرآني إلى اللغة الفرنسية وثانيهما أن التقديم لا يمكنأن يضاهي اللغة الأم بل قد يقترب منها.
ويقول بيرك إن القرآن يتميز بمزيج من البساطة والعمق. فالقرآن هو –بشكل عام- كلام بسيط يفهمه الجميع إذا قرئ عليهم أو على الأقل يفهمه غالبيةالناس لأنه ليس بكلام معقد، بل سلس وبسيط.. لكن في كل ومضة قرآنية أوجملة، هنالك طبقات كثيرة من المعاني، ولكي تصل إلى فهم المعنى الكلي للقرآن يجب علينا عدم الاقتصار على فهم الطبقة السفلى، وإنما التوغل لفهم الطبقاتالعليا في ما ورائية النص.ويعترف بيرك بأن هذه الطبقات من المعاني تمثل صعوبة عند نقل النص القرآني إلى اللغة الفرنسية، ناهيك عن أن اللغة الفرنسية ليست غنية بالمفرداتمثل اللغة العربية، وإن كانت غنية بالتراكيب اللغوية.
ويقول إنه استعان بنتائج البحوث اللغوية الجديدة في فهم ترجمات بعضالكلمات ذات الدلالات الواسعة والصعبة في القرآن.
يذكر بيرك أن كثيرا من الناس والمفكرين ينبذون الصورة المادية للحياة المعاصرة، ويرفضون مجتمع الاستهلاك ويفضلون مدنية الإسلام الروحية علىالمدينة المادية المعاصرة، وينادون بالعودة إليها. ويقول إن القراءة المتعمقة للنص القرآني وللشريعة الإنسانية التييطرحها، تكشف لنا أن هنالك قدرا كبيراً من المرونة الملائمة لكل زمان ومكان.. وهذا الجانب هو الذي يخلق شمولية القرآن ومطلقيته، وزمانيته الأزلية.ويؤكد أخيرا أن الترجمة الفرنسية الجيدة للقرآن الكريم يمكن أن تساعد القارئ الفرنسي على الدخول إلى المناخات الروحية للقرآن واكتشاف علميةالإسلام وقيمه، وشموليته…

المصدر الثاني: مقدمة الترجمة
تقع هذه المقدمة – الدراسة في ٨٣ صفحة من القطع الكبير، وتشتمل على أربعة فصول، تعالج الثلاثة الأولى منها مجموعة القضايا المعروفة والتيسبق أن طرحها الفقهاء الكلاسيكيون ويتعلق بترتيب الآيات القرآنية إما طبقا للفترة الزمنية التي نزل الوحي فيها أو طبقا للأسباب التي دعت إلى نزولها. كمااستخدمت الدراسة منهجا علميا شديد الوضوح في ترتيب الآيات من حيثالموضوعات التي تتناولها… اشتملت على فهرس خاص بالأعلام وقائمة بالسورمرتبة طبقا للترتيب الأبجدي للكلمات.
ويقول بيرك إنه استند في كل ما طرحه من قضايا إلى شروحات وتفاسير كبار الفقهاء القدامى مثل الطبري والزمخشري والرازي، كما اعتمدعلى المفسرين المحدثين مثل الشيخ طه بن عاشور والشيخ القاسمي تلميذ جمال الدين الأفغاني.
ويجزم بيرك بأنه لم يخرج في شروحاته عن أفكار هؤلاء الفقهاء، حتى أن عمله يكاد يكون عبدا تابعا لكل المعطيات التي طرحها الفقهاء السابقون.ويشير في دراسته إلى التماسك والترابط بين أجزاء القرآن المختلفة. ويؤكد أن القرآن الكريم يدعو إلى عبادة الله عن طريق البصيرة والحكمة التيتتفق مع العقل والمنطق ويذكر أن كلمة “عقل” قد ذكرت في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة، بينما لم تذكر كلمة “مقدس” إلا سبع مرات فقط، وهو ما يدل على أن الإسلام هو دين الاستنارة بلا منازع.
ويعتمد بيرك في تحليلاته على النظريات الحديثة في علوم اللغة والمنطق ليؤكد بها صحة الأحكام القرآنية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان. فيعقد مقارنة فيهذا الخصوص بين السور المدنية، ومثيلاتها المكية، كما اختبر موقف الناس عندما جهر الرسول الكريم بدعوته. وأخذ يدعو لها بين القبائل.ويرى بيرك أن الناس قد اتخذوا – حسبما ذكر القرآن الكريم – أربعة مواقف:
الأول: موقف الرافض. أي الذي لم ينشرح قلبه للدعوة.
والثاني: موقف الجاهل. أي الذي لا يريد أن يعرف شيئا عن الدعوة (مثل: أبوطالب عم الرسول).
والثالث: موقف الكافر، وهو الشخص الذي يستمع للدعوة. لكن ينكرها (مثل أبولهب).
والرابع: موقف المنافق: أي الذي يتظاهر بالتصديق، بينما هو في الحقيقة من أشد الرافضين.
وقد وجد بيرك تفسيرا صحيحا وأكيدا لهذا التقسيم القرآني من خلال مايعرف في علم السيميوتيقا بالمربع السيميوتيقي.
وانطلاقا من هذا المنظور العلمي اعتمدت الدراسة أيضا في موضوعات قرآنية أخرى، على النظرية البنيوية، وميزت بين ما أسمته بالأساس. والآني،دون أن تخرج عما قاله الكلاسيكيون القدامى.ويؤكد جاك بيرك أن فلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا وابن رشد
والفارابي . كان بمقدورهم أن يقوموا بهذه المهمة وهي تفسير القرآن وشرحه اعتمادا على فهمهم العميق لعلوم العقل والمنطق مثلما فعل بعضهم مع فكرأرسطو، لكنهم لم يفعلوا خوفا من ثورة أصحاب اللحى والجامدين عليهم.
ويستطرد بيرك معلقا فيقول:لقد غاب عن بال منتقدي أنني في كل تحليلاتي، لم أتعرض للأصول والثوابت، وأصبحت جريمتي في نظرهم، أنني اعتمدت على أقوال أصحابالعلوم العصرية إلى جانب أقوال الفقهاء المسلمين. كما غاب عن بالهم أنني استخدمت هذا المنهج العلمي لتأكيد الرسالة المحمدية لا لدحضها. ولإثبات أن أصول الأحكام القرآنية صالحة لكل زمان ومكان وإن اختلفت التطبيقات، لكن ماحبلتي مع قوم عجزوا عن أن يتعرفوا على السلعة بمجرد أن تبدلت ثيابها. ويعترف بيرك أن الفصل الرابع في الدراسة التي ذيل بها ترجمتهللقرآن، هو أكثر الفصول جرأة، لكن حتى في هذه الجرأة لم يخرج عن حدود المنطق العقلي الذي رسمه القرآن. فأوصى الفقهاء، المسلمين بتغيير ما بأنفسهم بمعنى استحداث أساليب جديدة لتكييف رواؤهم مع ظروف العالم المتغير، كما طالبهم باعتماد القياس كأداة مستمرة للتجديد. مذكرا إياهم بالحديث الشريف الذي يقول: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” رواهأبو داود في السنن. ويؤكد بيرك أخيرا أن أفكاره التي ساقها في هذه الدراسة لم تسئ لاللقرآن الذي يرى أنه كلام الله وقد نزل وحيا على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. ولا للإسلام الذي يحترمه كدين يخاطب العقل ويحث علىالتفكير. ويقول بيرك إنه لو كان مسلما لكن بوسعه أن يتكلم بجرأة أكثر. لكنه كظم نفسه، ولم يشأ أن يتجاوز حدود علاقته كضيف على الإسلام. لأنه يعرف جيدا القيم الإسلامية، ولا يريد أن يخونها كما لا يريد أن يثير فتنة بين أصدقائه من العرب والمسلمين.

مفكر -مصر

==========================================

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...