الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. أحمد يوسف سعد *يكتب: لمن تدق الأجراس ؟
د.أحمد يوسف سعد

د. أحمد يوسف سعد *يكتب: لمن تدق الأجراس ؟

العنوان مقتبس من رواية الأديب الأمريكي إرنست همنجواى، والأجراس هنا هى أجراس مدارسنا التى تدق مناديةً من هجروها، وتركوا فصولها وأفنيتها خاوية، والتى كادت أن تصبح أطلالاً لنظام تعليمي مات إكلينيكياً وينتظر رصاصة القتل الرحيم، والذى تشبه محاولات استرداد طلابه بالوعد والوعيد ورنين الأجراس بمحاولات اعطاء مريض دواءً منتهي الصلاحية، ولنا أن نطرح السؤال الذى تحمله رواية هيمنجواي أكثر من مرة.
لمن تدق أجراس مدارس صارت مقرراتها الهزيلة أكثر هزالاً بعدما تضاءلت لتصبح حفنة معلومات يتم تعاطيها فى أى مكان بينما تتدفق المعارف والنظريات والأفكار المتجددة مع الثورة المعلوماتية والتكنولوجية العاتية، مدارس صارت كتبها الحكومية والخارجية مفردات متحفية أمام (فلاشا 4 جيجا) يمكنها احتواء آلاف الكتب والدوريات والمراجع، ويعلقها الطلاب فى سلاسل مفاتيحهم، وباتت فصولها بجدرانها ونوافذها الحديدية أشبه بزنازين تخنق عقول وأرواح وأجساد الصغار، بينما تتوالى مبتكرات ما بعد الحداثة وهى تروج لأنماط تعليمية افتراضية تحررت من أسر الزمان والمكان.
لمن تدق أجراس مدارس بلا معامل، ولا مكتبات، ولا ملاعب، ولا حجرات موسيقى، ولا مراسم، وهى تتعامل مع عقول الطلاب تعامل ربة المنزل مع ثمار الكوسة أو الباذنجان وهى تصنع وجبات (المحشي) تنزع مكوناتها الفطرية من مواهب وقدرات وأنماط ذكاء، لتخلى مكاناً للحشو المعرفى الهزيل والردئ (والتشبيه للدكتور صلاح قنصوة فى ندوة جمعتنا عن التعليم منذ سنوات) ومع تمدد التيار السلفى – المنتمي ذهنياً لقرون مضت – داخل ساحة التعليم المصرى من خلال قطاع من المعلمين، صار الحشو أكثر بشاعة وهو يعبأ الجماجم بالحقد والبارود، وأكثر ضحالة على يد قطاع آخر حول التعليم إلى سلعة رديئة تباع خارج المبنى وأحياناً خارج النص، وتخلت المدراس عن رسالتها إزاء حاجات المجتمع، وتجاه حاجات الإنسان، ولم تستطع تطوير أدوراها بما يواكب التحديات المركبة والصعبة لعصر المعلوماتية.
لمن تدق أجراس مدارس حولت طلابها بالتالي إلى أوراق امتحانية تنتقل ما بين المراقب والمصحح وجامع الدرجات، وصنعت منهم مخرجات يزج بها لساحة الحياة زج لاعبين لم يؤهلوا سوى للجلوس بمقاعد المتفرجين، فأغلبهم لا يجيدون التعبير عن أنفسهم رغم أنهم درسوا اللغات، ويعجزوا عن تنظيم أفكارهم رغم دراستهم للرياضيات، ويسلكون بعشوائية رغم كثرة وتكدس ما تعرضوا له من أوامر ونواهى، ويتكيفون مع القبح والقمامة رغم ما عرفوه من أن النظافة من الإيمان، ويعجزون عن تذوق الفنون بسبب تراجع الاهتمام بتربية وصقل الوجدان، ولا يفكرون علمياً ويميلون للخرافات والتعصب وبعضهم قد ينخرط فى ممارسة الإرهاب رغم دراستهم للكيمياء والفيزياء والأحياء، ولا يملكون معايير أخلاقية واضحة رغم كثرة ما حفظوا من الإنجيل أو القرآن، ولا يعرفون روح الفريق رغم تعامل المعلمين معهم داخل الفصول ككتلة بشرية بلا تضاريس أو ملامح.
لمن تدق أجراس مدارس أضفى تعليمها قداسة على النص المحفوظ دون إهتمام بالتدريب، وحرص على ترفُع مضامينه المعرفية عن الواقع المعاش، بالتالي لم يدرب تلاميذه على الاشتباك الخلاق مع هذا الواقع بالنقد والسعي للتطوير، بل قدمه لهم مرةً فى صورة راكدة وخاملة عبر نصوص مغلقة تحركها أهداف ساكنة، ومرةً فى صور ملونة وزاهية وبرّاقة ليبدو واقعاً معاشاً فوق كروت بوستال داخل قاعات تشع قبحاً.
لمن تدق أجراس مدارس تعالى تعليمها على التلاميذ فلم يدعوههم للمشاركة بسؤال أو تعليق أو نقد، وتعامل مع عقولهم كسرب من عصافير ملونة محبوسة داخل الأقفاص يقدم لها الطعام والرعاية وفق شروطه، دون أن يدربهم على التحليق لعنان السماء.
لن يعود المتمردون على واقعهم التعليمي، وسيظل اكتفائهم بفتات المعرفة التى يحصلون عليها من تجار التعليم بالمنازل أو المراكز، أو حتى فى أبيار السلالم، بعيداً عن أبنية تضخ قهراً وقبحاً وجهلاً يحاول بلا فائدة لأن يبدو تعليماً، لن يعود المتمردون إلا بعودة التعليم المصري إلى وعيه فكراً وممارسةً.
*****************

*استاذ  جامعى  -مصر

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :هل هناك ربيع اوروبي قادم ؟

تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا .. هل هناك ربيع اوروبي قادم ؟   ” لا يمكن القيام بدراسة ...

2 تعليقان

  1. يبدو أن كاتب هذا المقال غير ملم ـ بدرجة كافية ـ بواقع التعليم فى مصر