الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار*يكتب :وداعا د.ابراهيم بدران ..المعرفة قوة والمحبة أيضا…

د.سامى نصار*يكتب :وداعا د.ابراهيم بدران ..المعرفة قوة والمحبة أيضا…

images

 

إذا كان فرانسيس بيكون هو القائل ” إن المعرفة قوة “مؤسسا لسلطة العلم على البشر وعلى العالم،  فإن الراحل العظيم الدكتور إبراهيم بدران عاش كل لحظة في حياته مؤسسا لمبدأ ” المعرفة قوة والمحبة أيضا قوة ”  فإلى جانب كونا عالما وطبيبا وجراحا أخذ الطب رسالة لا مهنة، جاعلا رسالته تخفيف آلآم البشر كأنه من أطباء الأزمان الخالية ، قضى حياته  ناشرا الحب والوداعة والتواضع والتسامح والعفو أينما ذهب، غارسا الخير في كل في كل زاوية تمتد إليها يداه. كانت ” المحبة”  سلاحه الأول وخط دفاعه الأخير.

كنت كلما التقيته أو جلست معه أو مر وجهه بخاطري أتذكر آيات من موعظة سيدنا المسيح على الجبل:

” – طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض

 – طوبى لصانعي السلام

– ما جئت لأنقص بل لأكمل

– أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم

– أحسنوا إلى مبغضكم وصلوا الذين يسيئون إليكم ويطردونكم “

التقيت الدكتور إبراهيم بدران لأول مرة في السبعينيات أثناء الحركة الطلابية التي عمت الجامعات المصرية، وكان يشغل منصب نائب رئيس جامعة القاهرة، وقد حول مكتبه في مبنى إدارة الجامعة إلى نقطة إسعاف يعالج فيه الجرحى من الطلاب، وكان يتحرك من داخل مكتبه إلى الممر بسرعة تعكس مدى جزعه على الطلاب الذين جاءوا إليه بجراحهم وبمطالبهم. وكنت قد أصبت بجرح في جبهتي أمام كلية الهندسة، فأخذني زملائي إليه، حيث قام بتطهير الجرح وتضميده وهو يرتب على ظهري قائلا بحنو بالغ : ” مش تخللي بالك من نفسك؟ كفاية كده عليك …روح القصر العيني علشان يخيطوا الجرح ” أسرتني لهجته الحانية وصوته المتهدج بالانفعال، ومحبته الصادقة التي كان يفيض بها على جميع الطلاب، فلم يكن الدكتور إبراهيم بدران مثل بعض القيادات الجامعية الذين رفعوا أيديهم عن الطلاب ووضعوها في يد نظام السادات، وتركوا طلابهم يواجهون بصدورهم عساكر الأمن المركزي، وعسف أمن الدولة ومخبريه من داخل الجامعة وخارجها.

وبعد هذا اللقاء بنحو أربعين عاما يتجدد لقائي بالدكتور إبراهيم بدران عندما حدثت أزمة جامعة النيل التي كان هو صاحب فكرة إنشائها لتكون أول جامعة بحثية في مصر، وجاء من الغرب من لا يسر القلب، ليستولي على جامعة النيل الحلم والمبنى، مستغلا حالة السيولة التي تعيشها مصر بعد ثورة 25 يناير، وحالة الفساد الضاربة في أروقة البيروقراطية المصرية وأذرعها الباطشة الممتدة في كل اتجاه.

لقد تجمعنا خلف الراحل العظيم دفاعا عن المبنى والمعنى، وعن المشروع والحلم الذي أرادت أن تعصف به أدوات الرأسمالية المتوحشة المتواطئة مع العدو الصهيوني. وقف الدكتور إبراهيم بدران شاهرا سلاح المحبة في وجه عدو متكبر وشرس، لا يتورع عن استخدام كافة الأساليب . وخاض الرجل المعركة في أروقة الحكومة المصرية متسلحا بحب مصر وترابها وبرغبته في تأسيس نهضة علمية حقيقية على أرضها، وبالحق والقانون. وقفنا خلفه في أطول وأنبل اعتصام شهدته الجامعات المصرية في تاريخها ، وكان يأتي في الليل يطمئن على الطلاب المعتصمين في خيامهم على أبواب جامعة النيل، ليبث فيهم الأمل وروح المقاومة مما زادهم تمسكا بجامعتهم وبموقفهم، وزادهم محبة في إبراهيم بدران.

وكان عندما يخرج على شاشات التلفزيون ليدافع عن جامعة النيل كانت الوداعة والسماحة اللتان تشعان من عينيه وينطق بهما لسانه ، وكان تواضعه الجم – وهو الأستاذ الجليل الذي تجاوز الثمانين واحتل أرفع المناصب – يخصم من رصيد المعتدي المتجبر الكثير، وكان النصر حليفه وعادت جامعة النيل إلى أصحابها، وتعلمنا منه أن المحبة قوة.

وكانت آخر مرة رأيته فيها عندما فقد حفيده، والذي كان عزاؤه أشبه باستفتاء على محبة جميع المصريين للرجل، فقد كانت طوابير المعزين من جميع فئات الشعب المصري تمتد في ساحات مسجد الشرطة بمدينة السادس من اكتوبر لمئات الأمتار، ويقف الجميع بالساعات منتظرين أن يردوا على الرجل بعضا من محبته، وهوعلى باب القاعة يقف راضيا، وصابرا، ومحتسبا، ومحبا ووادعا.

واليوم يغادرنا إبراهيم بدران الذي قدم في سيرته ومسيرته، عالما وطبيبا رئيس جامعة ووزيرا ورئيسا للمجمع العلمي، مثلا يصعب تكراره في زماننا هذا. إبراهيم بدران الذي امتلك قوة المعرفة وقوة المحبة فامتلك العقول والقلوب، حاضرا وغائبا فطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض.

**************************************************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية -جامعة القاهرة 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...