الرئيسية / د.سامى نصار / د.سامى نصار *يكتب حول: هجرة الآلهة والمدائن المجنونة

د.سامى نصار *يكتب حول: هجرة الآلهة والمدائن المجنونة

image

هجرة الآلهة والمدائن المجنونة: جدلية العدالة والقدر

======================================

 

لست ناقدا أدبيا ولن أكون، ولكن عندما تجد عملا أدبيا يضع هويتك الذابلة أمام المرآة،كاشفا عن عوامل تدهورها وتلاشيها بفعل عوامل أصيلة فيها، فلابد أن تصرخ مع بطل الرواية عسى أن تجد كونا يتسع لصراخكما معا. ولما كان أي نص مفتوحا على قراءات متعددة، ولما كان النص الجيد هوماينتج نصوصا موازية تتفاعل مع أفكاره كشفا واختلافا، فإنني أحاول هنا، كقارئ، أن أطرح قراءتي لنص أعتبره علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر، لأنه في ظاهره يتابع ميدانيا أحداث نعيشها ونكتوي بنارها الان ليلا ونهارا، وفي جوهره يطرح قضية وجودنا و أزمته و هويتنا وتلاشيها..إنه رواية  ” هجرة الآلهة والمدائن المجنونة ” للصديقة الأديبة الفيلسوفة الدكتورة ناتالي الخوري غريب الأستاذة في الجامعة اللبنانية والمتخصصة في الأدب الصوفي.

 

د.ناتالى الخورى
د.ناتالى الخورى

 وهذه الرواية تكثف ماسي الأمة العربية، وتستقطرها، وتسير بنا في كل فيافي النزق الدموي البشري من حمص وحلب في سوريا، إلى الحدود اللبنانية السورية في عرسال والبقاع، إلى الموصل ونينوى وسنجار وإربيل في العراق، بل وإلى سيراليون وليبيريا في غرب أفريقيا حيث تحاصر الأوبئة عرب المهجر، فداعش في الوطن الأم والإبيولا في بلد المهجر …وليس ثم من مفر، ” فالجنون سيد الموقف..سيد العالم الجديد، أوبئة، أمراض، حروب بهائمية، تعطيل لقوى العقل، والأكثر إخافة هو الإشهار بفظائع المرتكبات وكأنها أضاح يطلبها الله “

وهنا تختلط الماسي بالأقدار، وتصبح مآسينا أقدارا، وأقدارنا مآس، ويطاردنا الموت في كل الأمكنة والأكمنة، وتصبح ” أقصى أمانينا … كسرة خبز وكف ماء وبعض أمان، وصارت هذه العناوين أهداف الأمة ” !!!  وصار الموت، والجوع، والذل والخيبة، والكرامة المهدورة، والوطن الجريح عناوين الحياة في مدننا المجنونة. كما أصبح  التشرد على  بوابات الحدود، هو مخرج الطوارئ الوحيد ،  وستلاحقنا أقدارنا أنى توجهت ركائبنا طالما ظل التطرف هوسيد الموقف، فهو أكثر قمعا من الأوبئة، فوباء التزمت الديني والمذهبي هو الأكثر خطورة على البشرية جمعاء. فأي هاوية سقطنا إليها؟

وتطرح الرواية قضيتها الجوهرية من خلال أبطالها في مختلف أدوارهم الاجتماعية ، وفي مختلف المواقف .. في قوتهم وضعفهم، في انتصارهم وانكسارهم، في كبريائهم وهوانهم، في وحدتهم وتشظيهم

وفي لحظاتهم الحميمية المجنونة.  وقضية العدالة والقدر هي المحور الرئيس الذي دارت حوله الرواية، ففي مفتتحها نجد بطل الرواية ورجل الدين سامح، الذي قضى عمره يصالح الناس مع الله يصرخ، بعد أن فقد زوجته في قصف مجنون ” هل هجر الله شعبه؟ كيف تسمح بذلك يا ألله؟ كيف تسمح بحرب عبثية؟ كيف تسمح بأن تتقاتل شعوب بإسمك؟ أي قضية سامية تحتم هذا النزف البشري لأرواح لا ذنب لها سوى أنها صودف انتماؤها إلى هذا الوطن؟ ” فهل هذه عدالة السماء؟ وهل هذا هو قدرنا الذي رسمته لنا ولا مهرب منه إلا إليه؟ وهل نسير إلى مصير محتوم؟ ومختوم أن يموت الإنسان في الإنسان وتصبح ” ذاكرتنا ضغائن محبوسة، وموروثاتنا اساطير، وأوطاننا ملل، وأطفالنا قنابل موقوتة، متى شاءوا فجروها وفجرونا بشعاراتهم. لطالما هكذا كنا، كتبنا التاريخ بدم الغدر شعرا، ونحن نعيده استظهارا “

إنها ليست صرخة أب مكلوم في زوجته وأبنائه، إن بطل الرواية يطرح أسئلة وجودية، فمن يعملون فينا أسيافهم يعملونها باسم الرب، فمن نكون نحن إذن؟ إننا مجرد قرابين نساق إلى الموت على مذبح الرب، أو قطعان من الخراف الخائفة التي تتدافع في مسارب الجبال التماسا للنجاة من المدائن المجنونة. وهنا أتذكر مقولة الأديب اللبناني الكبير أمين معلوف في روايته  صخرة طانيوس ” الرب نفسه نصح بذبح الخراف في الأعياد لا الذئاب “

وفي الرواية هناك مثلث دائم الحضور : “الناس والقدر والله. والناس في قلق وجودي دائم ناتج عن عدم الاستقرار، والخوف من المستقبل الاتي، ولا يتبقى أمام الإنسان إلا خياران لا ثالث لهما غير الموت-الحي المنتظر: أولهما الصبربما يحتمه من تسليم، ثانيهما الانتظار بما يلازمه من قلق”. والمشكلة ليست مع الآلهة، ” ولا في تفسير نصوصها، مشكلتنا في هوس السلطة المزروع في جيناتنا. مشكلتنا في هوس السلطة الذي يجعلنا نريد تنصيب أنفسنا آلهة. مشكلتنا أننا قرأنا التاريخ ونريد إعادة الجزء الذي يناسب مطامعنا “

والحل …

” سفر تكوين جديد..وكتابة عهود أخر.

.جيل ليس فيه من نتن جيناتنا أثر،

 وكون ليس فيه لنا ظل أو خبر…

 كون تكون فيه المحبة وحدها هي الإله والهوية والانتماء والجذور

” ربي ؟!! هل ما أبحث عنه كثير؟!”..

 

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق-مصر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...