الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندى *يكتب :ذكريات باريسية (2)
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندى *يكتب :ذكريات باريسية (2)

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم

 

فى ميدان «أوديون» الذى يقع فيه الكوميدى فرانسيز وذابت فى أجوائه ذكريات ساخنة لكاتبنا الراحل توفيق الحكيم، لما روى ذلك بنفسه فى كتابه «عصفور من الشرق»، وجدتنى ذات يوم أبحث عن عنوان الكاتب الفرنسى الكبير ريجيس ديبريه

ريجيس ديبريه
ريجيس ديبريه

الذى كان حدد لى موعداً لزيارته بعد وساطة من صديقه الكاتب المصرى الذى يعيش فى باريس منذ نحو نصف قرن «بهجت النادى»، فى الساعة والدقيقة المحددة طرقت الباب، ففتحت لى سيدة فى الأربعين من عمرها، رسم الزمن تجاعيد عميقة على وجهها، وكانت تربط على خصرها رقعة القماش الخاصة بالعاملين فى المطبخ أو الشغالات.. ودون أن تبتسم أو تسألنى من أنت، تقدمتنى بخطوتين وكان على أن أتبعها فى حالة من السكون والرهبة.. خلتنى للحظة أجوس داخل إحدى كنائس حى سان جرمان العتيقة. انحرفت وراءها يميناً ثم يساراً، وكانت الجدران – كل الجدران – منذ باب الشقة وطوال سيرى تحتضن الكتب من كل لون وصنف فى ترتيب ونظافة لم أجد مثيلاً لهما فى بيوتات ومكتبات كثيرة، وفجأة وجدتنى أمام حجرة كبيرة يجلس فى وسطها الكاتب الفرنسى الكبير ريجيس ديبريه، مرتديا قميصاً أحمر والمكتب أمامه فارغ تماماً من كل شىء فلا توجد عليه ورقة واحدة أو كتاب أو حتى قلم، وأمام المكتب الذى يميل إلى اللون البنى الفاتح مثل لون الباركيه الذى يغطى الأرض، ورفوف المكتبات التى تبطن الجدران، وجدت كرسيين طويلين متقابلين، اختار «ريجيس دبيريه» أن يجلس على أحدهما – بعد أن حيانى بحرارة، وترك لى الآخر وبدأ حديثه بالثناء على صديقه الكاتب المصرى بهجت النادى الذى ربطته به – كما قال – سنوات نضال قديم. المعروف أن ديبريه كان صديقا لجيفارا، ولذلك كانت تربطه بالحركة التقدمية والشيوعية صلات ودوائر فى الأزمان الغابرة، وكذلك كان لبهجت النادى صولات وجولات فى الحركة الشيوعية والماركسية المصرية. الحوار كان ممتعا ودار حول ملامح العالم الجديد بعد سقوط المعسكر الشرقى، لكنه تركز فى النهاية على الكتاب الذى وصفه ديبريه قبل فترة وهو بعنوان: »خيانة المثقفين« والذى طالب فيه بأن يحفر كل مثقف قبره بيديه، واتهم فيه المثقفين بأنهم طبقة من المرتزقة والأفاقين الذين يزورون التاريخ فى خدمة أغراضهم أو أسيادهم، واختاروا أن يلعبوا دور «الندماء» بعد أن تنكروا لمهمتهم الأساسية، وهى حمل شعلة التنوير والتثقيف، وأشهد بالحق أننى بعد أن تركت ديبريه فى منزله الجميل الهادئ أخذت أقارن بين طبقة المثقفين الفرنسيين التى خصها بنقده، وبين المثقفين فى مصر الذين باعوا القضية، وأصبح كل همهم هو التقوقع فى المناصب العليا لكسب الأموال والاستمتاع بالنفوذ والصولجان، وحدثتنى نفسى -وهى ليست أمارة بالسوء دائما- بأهمية تجديد دعوة ديبريه للمثقفين وتعميمها على أن نصوغها كما يلى: على كل مثقف أن يحفر قبره بيديه.

***********************************

كاتب ومفكر مصرى

شاهد أيضاً

معرض القاهرة الدولي للكتاب يناقش كتاب “تهافت المثقفين” للمفكر د.سعيد اللاوندي

      من المنتظر مناقشة كتاب “تهافت المثقفين “للمفكر المصري د.سعيد اللاوندي بقاعة المقهى ...