الرئيسية / هوامش فنيه / محمود عبد الوهاب *يكتب:قدرات غير عادية
الروائى محمود عبد الوهاب

محمود عبد الوهاب *يكتب:قدرات غير عادية

​يعاود داود عبد السيد لعبته الفكرية الرفيعة فى “قدرات غير عادية” ويعزف لحنا آخر شديد البراعة والمكر فى هذا الفيلم، أتصور أن هذا المخرج هاجسه الأساسى علاقة الفنان بالسلطة، وعلاقة الانسان بمحيطه، وهذا العالم المعقد، المدمر لقدراته.
​أما من يتصور أن فيلم قدرات غير عادية يحكى قصة بنسيون فى “أبو قير” فهو مخطىء، ومن يتصور أنه يحكى عن القدرات غير العادية للبشر فهو مخطىء أيضا. فلا يوجد فى الفيلم ما يراه المشاهد بعينيه، الفيلم شىء آخر تستنبطه بعقلك وتراه به وكل ما تفعله المشاهد المتتابعة هى تحريك “بكرة” الفيلم الدائرة فى عقلك، أو التى يتمنى داود عبد السيد لها أن تدور.
​يبدأ الفيلم بعرض للبنسيون الجميل الكائن فرضيا فى أبو قير، وبعرض آخر للشخصيات المختلفة الساكنة فيه، إنها الحياة، انه المجتمع كله بالداخل، من محمود الجندى الذى يغنى الأغانى العربية ولا يفقه شيئا فى الأوبرا والغناء الأوبرالى ويسخر منه كلما سمعه من حسن كامى، إلى السيدة صاحبة البنسيون نجلاء بدر، وابنتها الطفلة صاحبة القدرات غير العادية، وآخرين.
​يرصد الفيلم العلاقة ما بين سلطة البحث العلمى والمثقف أو الفنان ثم قبضة الأمن، حيث يسيطر الضابط شديد الذكاء والطموح على أستاذ الجامعة ويجعله يوجه الباحث الشاب إلى أخذ إجازة من عمله، يذهب الباحث خالد أبو النجا إلى البنسيون، حيث يلتقى بصاحبته وتنشأن بينهما علاقة، هنا فى الفيلم المرأى علاقة جنسية، وفى المحسوس علاقة فكرية، ثم يهاجم الأمن المكان، ويلغى السيرك الموجود فى المنطقة، والسيرك كان به أسد محجوز فى قفص، كما يوجد حمار -طليق بالطبع- لدى السيرك، ويعلق أحد أفراد السيرك على خوف الحمار من الأسد بقوله “هو الحمار خايف ليه من الأسد، مع ان الأسد هو اللى مربوط”؟
​يقطع الأمن الصلة بين المثقفين بدق “اسفين” بينهم، فعندما حاصر البوليس صاحبة البنسيون وأخذ يتعقبها، اضطرت الى الاستسلام وذهبت إليهم طائعة لتسألهم “انتوا عايزين منى ايه”؟ يجيبها الضابط بأنه لا يريد منها شيئا إلا التعاون معهم والموافقة على استخدام ابنتها صاحبة القدرات غير العادية فى العمل الأمنى، مع وعد باهر بالحصول على منح كبيرة لاكمال دراستها ورعايتها، وعندما طلبت المرأة صاحبة البنسيون (أو صاحبة الأرض أو صاحبة الحق) سمها ما شئت، عندما طلبت من الضابط التحدث فى التليفون وأعطته الرقم، قال لها بأن هذا الرقم يخص الباحث (خالد أبو النجا) فقالت له ان هذاالأمر صحيح لأنها لا تعرف غيره من الممكن أن يساعدها، فأجابها الضابط بأنه الباحث هو من أخبره أن ابنتها صاحبة قدرات غير عادية (وكان هذا غير صحيحا) فتراجعت صاحبة البنسيون عن الاتصال بالباحث، وتزوجها رجل الأمن المصمم على استخدام ابنتها فى خدمة طموحه، الأمر الذى أدى إلى احتراق مسكنه عدة مرات بلا سبب ظاهر، عندئذ شك فى أن ابنتها هى السبب، فطلق المرأة.
​المعادل الموضوعى هنا أن الأمن لن يستطيع أن يسيطر على الفنانين، مرة أخرى: على الفنانين، وليس على أصحاب القدرات غير العادية، لأنه لا يوجد بالمعنى الحرفى أصحاب قدرات غير عادية فى الفيلم، وكل ما ظهر من نذر يسير فى هذا الأمر، انما هو فقط لكى تكتمل الحكاية البصرية والحدوتة التى يمكن أن تشغل بعض الجمهور.
​بعد شهور يدخل الباحث إلى مكان للسهر، فيفاجأ بالضابط يجلس إلى البار يشرب الكحول، ويدور بينهما حوار أشبه بمكاشفة من الضابط المحبط لما حدث، بينما يستمع إليه المواطن الباحث، وتفصل بين جمل الضابط وبعضها فواصل موسيقية على البيانو، من موسيقى راجح داود، تتغير منطقتها حسب الجزء الذى يرويه الضابط، حتى تدخل المنطقة الحادة الصوت (فى الأوكتاف العالى) متزامنة مع ذروة اعتراف الضابط بالفشل.
​لا يفوت المؤلف المخرج أن يضع للضابط “كحكاية” فى تسريحة شعره، للايهام بأنه “مش ضابط ولا حاجة” وهو ما ظهر بالفعل فى احدى جمل الحوار على لسان أحد الأبطال.
​ولا يفوتنى أن أذكر أن الباحث كان يبحث عن المرأة فذهب إلى المولد، وقال له الشيخ أنها غير موجودة، وبأن الأمن يبحث عنه، وأنه من سيبلغ الأمن لأنهم لا يريدون أى خلاف مع السلطة، انه نفس الدين الذى أوعز متعصبوه الأولاد لكى يضربوا السيرك بالحجارة، ثم يتحرك الأمن فيأمر بالغاء السيرك وانتقاله من ذلك المكان.
​ثم خذ مشهد النهاية، الباحث يعود إلى الفندق، والجميع هناك، والغفير يشتم أحدا خارج الباب ويطرده من محيط البنسيون، ولا تتحرك الكاميرا لكى يرى المشاهد أى شخص يشتمه الغفير، الذى كان يقول له “واقف هنا ليه يا بارد، انت مالك ومالنا” “مكانك مش هنا”
​كتب داود عبد السيد وأخرج نصف فيلم فقط، وترك النصف الآخر لتكتبه أنت بعقلك ولتنسج خيوطه ومشاعره بنفسك فى قلبك، ولا يمكننى القول بأنه امتداد لفيلم “مواطن ومخبر وحرامى” لأنه تنويعة أكثر ثراء بكثير، على الرغم من عبقرية الأول.

شاهد أيضاً

الشاعر سعيد الصاوى *سيمفونية النور

سيمفونية النور       1 بين النور الساطع و الظلمة  تكمن منطقة وسطى تصلح ...