الرئيسية / فصه قصيره / محمود عبد الوهاب *يكتب :المرأه البلدى
الروائى محمود عبد الوهاب

محمود عبد الوهاب *يكتب :المرأه البلدى

​​​​
​تعرضت البلاد لخطر شديد، فقد قيل إن هناك عملية ارهابية بالغة الضخامة ووشيكة، ولما كان عملى فى وسط البلد، البقعة التى تناولتها الأخبار باعتبارها مسرح الجريمة المرتقبة، فقد ذهبت الى عملى متوجسا، وهناك وجدت الشوارع شبه خالية من المارة، ولم أستطع أن أجد أحدا أثق فيه لسؤاله هل تمت العملية أم لا؟
​ركنت سيارتى فى سوق ضيق تجنبا لأن يطالها الانفجار، وظللت أمشى من شارع إلى شارع، ومن ممر بين العمارات إلى شارع صغير مسدود، وقلبى يحدثنى بأن الانفجار وقع، فهاهى الملابس مهترئة على الشرفات، وهاهى البيوت العتيقة وقد كساها اللون الرمادى، أما القطط والكلاب، فما هو موجود منها ملقى فى مداخل العمارات، ممزقا أو محترقا.
​واذ ذاك حانت منى نظرة إلى قدمى، لأكتشف ان بنطلونى قد احترق أو تمزق بفعل الانفجار، وانه قد أصبح أثرا بعد عين، ولولا قميصى المسدل على ساقى بالغا منتصف المسافة بين مفصل الفخذ والركبة ما أمكننى السير.
​على أن الأمر لم يكن يخلو من شعورى بالعار، فقد أخذت أتفادى نظرات الناس القلائل الذين رأيتهم فى طريقى عائدا إلى السيارة، ولذلك غضضت بصرى وأنا أمر أمام القهوة كى لا أرى عيونهم، على الرغم من أنى كنت أحسها.
​ثم قابلت المرأة ذات الجلباب البلدى الأسود، كانت تعبر الشارع فوقفت على الرصيف الذى فى المنتصف بينما كنت فى المكان نفسه أعبر الشارع إلى الناحية الأخرى، كان قميصى مدلى إلى منتصف ساقى، مرتديا حذائى، وربما لم تكن لتعلق المرأة، لولا أن رأت “الكرافت” الحمراء وهى مربوطة بعناية إلى القميص الأبيض، وعندئد أفلت منها صوت وهى ترمقنى باحتقار وتنظر إلى من أعلى إلى أسفل، كانت تمصمص شفتيها بقرف، الأمر الذى حطم معنوياتى فأسرعت بالهرب، وكان أكثر ما آلمنى هو أننى لم أستطع أن أشرح لها الأمر على حقيقته، بأن كل هذا بسبب الانفجار.
​ما ان وصلت إلى سيارتى حتى أحسست بالراحة، وعلى الرغم من أن رجلا بجلباب بلدى ظل ينظر إلى باسترابة وهى جالس إلى القهوة، فإنى لم أعره كبير اهتمام، وقدت سيارتى عبر الحوارى التى ضاقت عما كانت عليه فى الصباح، حتى وصلت إلى الشارع الرئيسى، وصورة المرأة لا تبرح خيالى، ثم إنى بدأت أشك أنا نفسى فى الانفجار، فإذا كان قد وقع، فكيف لهذه المرأة أن تصفر بفمها وتتمايل فى مشيتها بغنج، وهى تحمل أصناف الفاكهة والخضارغير مبالية؟

*********************

روائى مصرى

شاهد أيضاً

نادر رنتيسي *يكتب :جورج وسّوف.. حكاية من “الكفرون”

طفل وصفه الجالسون وراء طاولات الطعام في الملاهي الليلية بـ”المعجزة”. قبل ذلك وُلِدَ في أوائل ...