الرئيسية / قضايا واراء / م.محمدبهاء السكرى *يكتب :ذكريات فى القرية المصرية
م.محمد بهاء الدين السكرى

م.محمدبهاء السكرى *يكتب :ذكريات فى القرية المصرية

استدعاء الماضي 1
================
في بداية خمسينات القرن الماضي.. كنت أعيش في قرية على بعد 10 كيلومترات من شربين (مدينة صغيرة تتبع محافظة الدقهلية ) تبدأ حياتنا العلمية في سن الخامسة بالذهاب الى ما يسمى ”الكتاب“.. حيث به شيخا.. صارم الوجه.. لا يبتسم أبدا.. لنتعلم على يديه قراءة القرآن و مباديء الحساب.. و يخصص هذا الشيخ الجليل.. يوما في الاسبوع.. لنتعلم فيه فنون الرسم!! كل هذا مقابل خمسة قروش شهريا.. أو ما يوازيها من الأرز و اللبن.. و كان العقاب الشديد للتلاميذ اللذين لا يلتزمون بتعليمات الشيخ.. و نذهب و كلا منا في رقبته (اللوح).. هذا اللوح عبارة عن سابوره صغيرة كنا نكتب عليها بالطباشير.. و في وقت وجبة الغذاء للشيخ.. تضع له زوجته الطعام على ما يسمى (الطبليه) و يجلس ليأكل بنهم شديد.. بينما زوجته و أولاده واقفين حتى يفرغ من طعامه.. فتقوم الزوجه و الأولاد.. بتناول ما تبقى من الطعام.. ثم يتثائب الشيخ أمامنا.. و يخلد الى النوم و هو جالس.. و كنا نسعد بنومه.. حتى لا نتعرض الى الضرب المبرح منه اذا استيقظ.. و أثناء نومه.. نكمل الواجبات التي أعطاها لنا على (اللوح)
الخلاصة لما تعلمناه من الشيخ الجليل.. الضبط و الربط و التعليم..
و كان بقريتنا عمده.. تم استدعائه لتولي العموديه.. و هو طالب بالسنه النهائيه (البكالوريوس) بكلية الزراعه.. و ذالك بعدما توفي والده العمده السابق.. و كان يحكم بين الناس بالعدل.. و يزوره مأمور المركز كل خمسة عشر يوما.. ليتناول الغذاء معه.. و كان رجال العمده من الغفراء.. في حالة ضبط و ربط في آداء أعمالهم.. و الحفاظ على الأمن بالقريه.. و كان زيهم في هذا الزمان.. الجلباب و الباطو الطربوش.. و سلاحهم الميري في كتفهم.. و في كل عائله في القريه.. رجل كبير.. يلجأ له العمده ليحل مشكلة ما بين عائلة هذا الرجل و عائله أخرى.. بهدوء و تراضي و حب.. و في المناسابات و الأعياد.. ترى أبواب منازل القريه.. مفتوحه على بعضها البعض.. لاستقبال الجيران و الاحتفاء بهم..
و عندما قامت ثورة يوليو 1952.. أنشأت الثورة في قريتنا.. ما يسمى بالوحده المجمعه.. و بها المدرسه و المستشفى و المكتبه الكبيرة.. و سكن خاص للمدرسين… و على رأس المدرسه ناظر له هيبه و قوة.. و عقابه شديد على من يخالف التعليمات من التلاميذ أو المدرسين.. و كانت المدرسه ذات طابق واحد أرضي.. تحتضن ملعب كبير للطابور الصباحي و النشاط الرياضي.. و كل فصل من فصول المدرسه.. لا يتعدى عدد التلاميذ به.. عن 15 تلميذا.. و كل ولي أمر يتخلف ابنه عن الدراسة لمدة اسبوع.. يتم استدعائه عن طريق العمده للذهاب الى مركز شربين.. لتوقيع الغرامه الماليه عليه بسبب تخلف ابنه عن الدراسه..كانت هذه المدرسه درة المدارس في محافظة الدقهليه.. و قد ذهبت مؤخرا.. لرؤيتها.. و بكيت في داخلي لأنها أصبحت أطلال..
و كان بقريتنا حلاق.. متعدد المواهب.. نذهب له للحلاقه.. مقابل خمسة مليمات.. للقادرين.. أو بيضه.. لغير القادرين.. و الحلاقه لا تستغرق خمس دقائق.. حيث يسن موس الحلاقة على جلده.. و من ثم يحلق شعورنا (زيرو).. و هو في نفس الوقت يقوم بعملية الطهور للذكور.. بطريقه بدائية و دون مخدر.. كذالك تجبيس من كسرت ذراعه أو قدمه.. أما من كانت ظروفه الماديه ميسره فيذهب الى قريه بجوار شربين.. لما يسمى المجبراتي!!
أما بالنسبه للمستشفى.. فكان بها طبيب.. شاب.. له من الهيبه و العلم و الضمير.. و يؤدي واجبه على أكمل وجه.. و له فيلا خاصة يقيم بها بصحبة عائلته..
أما بخصوص المكتبه.. فكانت النواة التي تعلمنا فيها.. حب القراءة و الثقافة.. و ساهمت في بناء عقولنا..
و كان معظم بنات قريتنا.. ينتهي تعليمهم بالمرحلة الابتدائيه.. و من ثم الاستعداد للزواج و تكوين أسرة..
و نكمل في المرة القادمه – ان شاء الله- استدعائي للماضي للقريه المصريه التي تغير حالها في القرن الواحد و العشرين..
===================================================================
*مهندس-مصر



شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام*/صاحب الخطوة

قبة مكسوة بوشاح أخضر ومحاطة بسور من المعدن المزخرف هي كل ما يعلمه الناس من ...