الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان يكتب :الدفاع عن “فاكهة الفنون “!
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام أصلان يكتب :الدفاع عن “فاكهة الفنون “!

مرة، قال أحدهم مداعباً، إن الذين يتصورون كتابة القصة القصيرة خطوة في طريق كتابة الرواية، مثلهم مثل الذين يتصورون أن طبيب الأطفال سيكبر ذات يوم ليصير طبيباً للكبار.ضحكنا للتعليق الذي، على طرافته، يحمل بُعداً كلاسيكياً، وفكرة كرسّ لها جيل الستينيات من الكتّاب المصريين، الذي ازدهرت معه القصة كجنس أدبي، له كتّابه الكبار ونقّاده الذين مرروا إسقاطات الكاتب الروسي انطوان تشيخوف المباشرة، بوصفها عبقرية ملائمة للزمن الذي كتبت فيه، متناسين أحاديثهم عن أبدية الفن وعدم ارتباطه بزمن.

أتذكر التعليق في الطريق إلى المنزل بعد جلسة مع الأصدقاء، والدردشة حول الإنتاج الأدبي المصري مع انتهاء العام 2014، والتي تشير إلى صدور عدد معقول من المجموعات القصصية.. كان بعضهم يرى، في الأمر أنه، ربما، عودة لمكانة القصة القصيرة بعد انحسارها أمام الاتجاه الكبير إلى فن الرواية، قراءةً وكتابةً. هذا يرى أنها بداية جديدة علينا دعمها بجلسات ومؤتمرات للمساهمة في صحوة القصة “فاكهة الفنون”، كما يسميها، وذاك يرى أنه مؤشر سلبي يليق بزمن الاستعجال في عصر كتابة “فايسبوك”.

الجدلية، التي يبدو أنها ستمتد، بدأت مع ظهور مصطلح “زمن الرواية”، مروراً بمقاومته من قِبل القصاصين والشعراء، ثم الاعتراف الجمعي، معلَناً أو غير معلن، بسيادة الرواية كجنس أدبي يحتمل احتواء العالم، قبل أن يترسخ هذا الاعتراف مع ظهور جوائز مالية، لا قِبل للكتّاب العرب بها، خُصّصت لفن الرواية، ليزداد ترسخاً بانسحاب كثير من الكتّاب لشروط هذه الجوائز بدءاً من المعايير الفنية والأخلاقية، وصولاً إلى معيار الحجم، لتظهر روايات “الكعب” العريض بكثرة على غير العادة المصرية وربما العربية.

ولكن مهلًا…
أنت تستشعر، طوال الوقت، أن حالة الاستسلام هذه، لاجتياح الرواية، تأتي بشيء من الاضطرار ومصمصة الشفاة حسرةً على زمن لمعت فيه القصة القصيرة، في إشارات دائمة إلى الواجب الذي عليك في الدفاع عن اندثارها، مثلها مثل إحباط أهل المسرح “التقليدي” الجالسين في المقاهي في عطلة باتت دائمة، وهم يعلقون الفشل في التجديد والجذب على شمّاعة “الظروف”. وأنا أندهش كثيراً من هذه المشاعر، وأتساءل عن هذا الهمّ الذي يحمله المدافعون عن الفنون المتراجعة.

ما الذي يمكن أن يحدث للعالم إذا اختفت منه القصة القصيرة؟

إذا كان هذا الجنس الأدبي والفني أو ذاك، لم يعد مشبعاً أو جذاباً للجمهور، فلا عليك. البشر لن يتأثروا بحالة التراجع هذه. هُم فقط سيستبدلونه بآخر أكثر ملائمة لهم في هذا الزمن، خصوصا في ظل عدم إدراك الفنان لضرورة تطوير نفسه بتطوّر المتلقي. الخطر الحقيقي لن يأتي من تسييد الرواية، لكنه يأتي من تسييد الروايات المشروطة بحبكة الجوائز، أو بتعبير الشاعر عبده وازن: “لم يبق مهمّاً أن يكون زمننا (زمن الرواية)، المهم هو زمن أي رواية، هذا الزمن؟”.

أنت من حقك، بالطبع، أن تدافع عن وسيطك الفني، الذي هو وسيلتك القريبة للتعبير عن احتقاناتك وأسئلتك الإنسانية، غير أنني أتصوّر عدم وجود اضطرارية لهذا الدفاع، حينما يتوافر الاحتقان والسؤال الإنساني الحقيقي، والأدوات الفنية اللائقة بمتلقي الألفية الجديدة.
لماذا إذن بدأت مشوارك الأدبي بمجموعة قصصية وليس رواية؟ يسألك أحدهم مستنكراً ما يتصوره عدمياً في رؤية المسألة.

لا ضرورة على الإطلاق للمغالاة في معركة الكتابة، بل إن هناك خطورة كبيرة في هذا. لا بد من عمل حساب كبير لقارئ ذكي، سيصله، بكل تأكيد، ليُّك للأمور لو أنك، فقط، أردت مجاراة الجو العام، ووضع كلمة “رواية” على كتابك الأول. السبب الأكثر منطقية في قرار اختيارك لهذا الجنس الأدبي أو ذاك هو، في تصوري، ما اختاره نصك لنفسه.

المؤكد أن هناك مَن كان مهموماً، ذات يوم، بالدفاع عن اندثار راوي الربابة الذي ملأ المقاهي الشعبية والقصور الفارهة بحكايات أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة وغيرهم. هؤلاء المهمومون، لم يدركوا وقتها أن العالم سيستبدل راوي الربابة، براوٍ آخر أكثر ملاءمة. غير أن الأول، لو كان يمتلك أدوات الصمود، لكان الاستمرار حليفه.

**********************************

*كاتب مصرى

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...