الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان *يكتب : رضوى عاشور كانت بينهم كزهرة
الروائى المصرى هشام أصلان

هشام أصلان *يكتب : رضوى عاشور كانت بينهم كزهرة

د.رضوى عاشور
د.رضوى عاشور

1
كان يوم 30 نوفمبر 2014 حارًا.
أجلس في استراحة إحدى محطات الوقود على “الطريق الدائري” للقاهرة في إحدى مناطقه البعيدة التي لا أعرفها، أشرب القهوة وأدخن منتظرًا عربة الوقود الكبيرة حتى تفرغ شحنتها في خزان المحطة تحت الأرض. لم يكن هناك اختيارات. وقود سيارتي ينتهي ولا أعرف متى سأقابل محطة أخرى. كانت فرصة لبعض الراحة بين ما كنت فيه وما أنا مقبل عليه. كنت آتيا من جنازة رضوى عاشور، وذاهبًا إلى الجريدة للمشاركة في ملف صحفيّ يتناول الأمر الذي بحجم صاحبته. وسرحت في كيف أن الواحد، حين يختار نمط حياته، يكون في اللحظة نفسها قد وضع يده على شكل الرحيل الذي يليق به. ورضوى عاشور اختارت بعناية من ودعوها، بل ربما تكون اختارت الذين حملوا نعشها.

كانت عربة الوقود قد انتهت من تفريغ شحنتها، وأفقتُ على إشارات العامل كي أذهب لملء خزان سيارتي، وكان بائع الاستراحة قد نصب عليّ وباعني علبة عطور غير جيدة، بعدما أقنعني أنه أفضل من الذي أستعمله.

مرّ العام سريعًا لتحل الذكرى الأولى لرضوى عاشور، وسط رحيل كبير لأبناء جيلها، الذين كان بعضهم بالنسبة لنا يقف في المنطقة بين الآباء والأصدقاء، بتشبيه صديقي حسن عبد الموجود. كانت بينهم كزهرة.

2
لطالما تساءل الواحد عن ممارسة المواطن الفلسطيني للحياة بشكلها الطبيعي، مع كل ما يعيشه من ارتباك وآلام وشهداء ومعارك لا تنتهي.
بعد سنوات ستأتي الثورات العربية، لنعايش في بعض مناطقها مشاهد شبيهة. تتحول فيها الجنازات إلى تظاهرات كبرى، قبل أن يأتي الصباح التالي على الشارع وهو يمارس حياته بعادية، وقبل أن تزول آثار الدم.

التساؤل أجابته رضوى ذات مرة وهي تحكي تجربتها مع رواية “الطنطورية”، روايتها الوحيدة عن القضية الفلسطينية رغم علاقتها التاريخية والأسرية بفلسطين. تقول:
“اكتشفت أن الحكايات الحزينة والنكبات لا تمنع الناس من الفرح والحب والزواج، هكذا البشر والحياة، وشكل من أشكال المقاومة”.

3
كانت بشائر الصباح موشكة على المجيء، عندما حالت بينها وبين أرض قرية “الطنطورة” عتمة، صنعتها تفجيرات الصهاينة. الغارة كانت عنيفة جدًا على هذه القرية الفلسطينية القريبة من حيفا، مجزرة راح ضحيتها أكثر من مئتي فلسطيني، واعتقل الناجيين من الرجال سنة ونصف. الأحد 23 مايو 1948. لم يمر على مذبحة دير ياسين إلا شهر وثلاثة أيام، و نفس عدد الضحايا، تقريبًا. وفي هذه القرية المنكوبة تدور أحداث “الطنطورية”، دار “الشروق”.
رغم أن المكان والتاريخ وبعض أحداث الرواية حقيقية إلا أن كل الشخوص متخيلة، فيما عدا بعض الشخصيات التاريخية. غير أنه، ورغم انشغال الكاتبة بالقضية الفلسطينية منذ طفولتها، لم تستطع عبر كل هذه السنوات كتابة رواية تتناولها قبل “الطنطورية”. تقول يوم الاحتفال بصدورها: “لا أدري لماذا، وكأن الروايات كالعفاريت، أو أنها لا تستجيب لمجرد الرغبة أو القرار”.

جاءها المشهد الأول، في 2009 تقريبا، وتوالت المشاهد سريعًا، وأصبحت أليفة وقريبة ومخيفة، “ليست مخيفة بمعنى أنني أخشاها، ولكن بمعنى خشيتي عليها”.

وعلى معرفتها بالتاريخ الفلسطيني، راحت تقترب أكثر من اللاجئين وأجواء النكبة، دققت في الخرائط، وحسبت المسافات بين قرية وأخرى، ودرست كم يأخذ من الوقت السير بينهما “لدرجة أنني علقت خريطة كبيرة لفلسطين تضم أصغر القرى وخطوط السكة الحديدية لكي أعرف المكان بشكل معقول”.

عدة أعوام مرت على الاحتفال بصدور الرواية، لكنني أتذكر جيدًا أن الحضور كان كبيرًا ولافتًا. هي من هؤلاء الكُتاب القليلين الذين جمعوا بين القيمة الأدبية والجماهيرية. البعض يُرجع هذه الجماهيرية، في بلد لا يقرأ كثيرًا، إلى لمعان الموقف السياسي، والأمومة المخلوطة بزعامة كاريزمية لعدد كبير من الأبناء والمحبين والتلاميذ. لم ينجح الهدوء البادي على الجسد الضئيل والوجه الصبوح، في إخفاء ما يحتويه من صلابة ساهمت في نضال حاد ضد القمع، وضد الموت نفسه.. نعم، لم تستسلم للرحيل ببساطة.

4
ـ هل المعرفة الجيدة بجغرافيا المكان وتاريخه، يحل للمبدع مشاكله مع الكتابة؟ يسأل أحدهم.
ـ تجيب: “بالطبع لا، فهناك المشاكل المعتادة للكتابة الروائية، هروب القارئ سهل، يغلق الكتاب ببساطة إن لم يجذبه”.

5
خلف كاميرات التلفزيون، وقف الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يبتسم لزوجته من بعيد، ويتأمل كتبها المرصوصة على الأرفف بسعادة، ويقول لصديقه: “كل دي كتب رضوى”.
بعد سنوات، وخلف كاميرات أخرى، سيقف مريد بين مودعيها ينظر، لكنه لم يستطع الابتسام، لأنها لم تكن هنا.

 

***********

روائي مصرى

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...