الرئيسية / أخبار ثقافيه / احدث روايات محمود عبد الوهاب :كل الذى حدث(١)
الكاتب محمود عبد الوهاب

احدث روايات محمود عبد الوهاب :كل الذى حدث(١)

فصل من رواية بعنوان
كل الذى حدث
تصدر هذا العام

————-

عند اصابه أبى فى عينيه للمرة الأولى مكث فى المنزل بلا شكوى لمدة ثلاثة أيام، اتصل بعدها بزوج خالتى بالتليفون يخبره بالحالة، قال له إنه لا يستطيع أن يقرأ وأنه يمشى فى البيت وغمامة أمام عينيه، وطلب منه على استحياء أن يصحبه إلى طبيب عيون، انتفض زوج خالتى من مكانه فذهب إليه، واصطحبه إلى طبيب عيون فى “فكتوريا”.
كان التشخيص أن أبى تأخر ثلاثة أيام وأن الحالة كان يمكن اصلاحها لو جاء فور حدوث الأعراض، أعطاه أدوية وقطرة لكن أخبره أن بصره لن يرجع “زى الأول” أبدا وكل ذلك لأنه تأخر.
فى الست سنوات التالية خاض أبى أصعب تجربة يمكن أن يمر بها انسان وهى فقدانه التدريجى لبصره، وما بين اليأس والرجاء، طاف به أزواج خالاتى على الأطباء، فاصطحبه أنكل أحمد سعد إلى أخيه طبيب العيون الشهير بالقاهرة، وثمة عمليات بالليزر أجريت له، لكن ما من فائدة، فالضباب الأبيض أخذ يتكثف أمام عينيه، حتى أصبح أكثر ما يتسطيع تمييزه هو ما إذا كان الوقت ليلا أم نهارا.
أدى مرض عينيه إلى عدة أمراض جانبية، فقد بدأ تصلب الشرايين جراء عدم الحركة، وكانت أمى تصحبه فى تمشية عبر شارع الاقبال الطويل، ربما مرتين فى الأسبوع، فقط ليحرك أطرافه كما قال الأطباء.
وكنت أزورهم زيارة شبه أسبوعية، أتغدى مع أسرتى التى تركتها وأقمت بزيزينيا. وقت الغداء نحن صامتون، أصطحب أبى من غرفة القعاد إلى غرفة السفرة وأجلسه على كرسيه المفضل، ثم تضع له أمى الطعام فى الطبق فيبدأ الأكل، وأنا أنظر له وأتصنع بعض المرح لكن قلبى يريد المغادرة، احساس بالذنب وبالأسى وبالضعف فى آن.
لم يمكن لأمى ولا للأطباء ايقاف عجلة الزمن ولا التداعيات شبه المحتومة للحالة، فقد أخذ عقله فى الانسحاب من المشهد والنسيان التدريجى، فكنت عندما أزوره كل أسبوع أسلم عليه فيقول لى:
– أهلا يا حماده
ثم بعد فترة أخرى من الزمن أصبح عندما يسمع صوتى يسألنى من أكون، وعندما أقول أنى حمادة يقول لى “أهلا حمادة” إلى أن دارت أيام أخرى وجئت يوما أزوره فسألنى من أكون، فقلت له انى حمادة، فسألنى:
– حماده مين؟
قلت له:
– حماده ابنك
قال لى:
– أهلا
أهلا فقط هى كل ما قاله، لكن قبل أن يفقد ذاكرته وعائلته والعالم من حوله أخذته ذات يوم فى تمشية فى شارع الاقبال كما تعودنا، وعند عودتنا إلى غرفة نومه ساعدته فى تغيير ملابسه، وكان أول ما بدأت به حذاؤه فخلعته من قدمه، ثم خلعت الشراب، فانحنى بقدر ما أمكنه وأخذ يقول لى :
– لا مؤاخذة
لم أكن معتادا على الكلام العاطفى مع أبى، فهو الذى لم يعلمنا ذلك، ومع ذلك كان الموقف ضاغطا للغاية فخرجت منى بعض الكلمات العفوية أخبره فيها أنى ابنه، وأن هذا واجبى وأكثر من ذلك، رفعنى أبى إليه واحتضننى، وكأنه يستغرب من أين أتى الحنان منى وهو لم يلقننى إياه.
ظل وجه أبى جامدا طوال الست سنوات التى مرض فيها، وكنت أظن انه قوى للغاية، كما كان طوال سنين حياته، ولكنى علمت مؤخرا جدا، وأنا فى الخمسين ربما، أن أحد أقربائنا كان يزوره صباحا فى البيت، وأنه كان يرجع إلى زوجته متألما من حال أبى، الذى كان يبكى فى حضرته، فقط.
——————————————–

وعندما أنهيت الخدمة العسكرية فى القوات البحرية ذهبت إلى أبى، كانت الآراء فى العائلة أن فرص العمل فى القاهرة أكثر، ذهبت إلى أبى يومها، وجلست بجانبه على الكنبة المحببة لديه، قال لى إنه سيكلم أحد اقربائنا فى القاهرة، وكان يعمل مديرا ماليا للشركة المالكة لأحد الفنادق الكبرى فى وسط القاهرة، وهو زوج ابنه خاله فى الوقت نفسه. قال لى أبى وأنا أجلس بجانبه:
– هات دفتر التليفون وهاتلى عمك وضاح على التليفون.
أدرت القرص وعندما سمعت الجرس أعطيت السماعة لأبى، الذى كلم أنكل وضاح، الذى أخبره بأن أمره مجاب فورا، وطلب منه أن يعطينى السماعة ليخبرنى عن الأوراق المطلوبة لتعيينى فى الفندق، وأمسكت السماعة وأخذت أكتب فى ورقة ما يمليه على أنكل وضاح، وعندما انتهيت سألنى متى سأحضر، فأخبرته بعد عشرة أيام تقريبا عندما أستلم شهادة أداء الخدمة العسكرية، فقال لى إنه فى انتظارى وأعطانى عنوان بيته فى ميدان المساحة.
———————————————————

وفى أولى سنوات عملى فى الفندق أحسست بفرق شاسع بين الحياة التى أحياها فى الاسكندرية مدللا، والحياة التى بات على أن أحياها فى القاهرة، لم يكن العيب فى الفندق، ففى أولى سنوات العمل تكون الوظيفة بسيطة بالطبع، لكنى بحسب مقتضيات الوظيفة قد انتقلت للعمل فى الوردية الليلية التى تبدأ من الساعة الحادية عشر ليلا حتى السابعة من صباح اليوم التالى، كنت مقيما وقتها فى بيت خالتى بالدقى، وكنت أركب الميكروباص إلى ميدان التحرير، الذى كان مليئا بالغبار وبأكوام الرمال على الجانبين جراء تنفيذ أعمال مترو الأنفاق. كنت أقارن بين معيشتى فى الاسكندرية حيث الحديقة فى زيزينيا، وما أعيشه الآن، وكان المستقبل مبهما وأنا أخطو أولى خطواتى فى الحياة العملية.
نشأت لدى الرغبة فى الهجرة النهائية من مصر، وعشنا لسنوات فى حلم جماعى، أنا وزملائى بالفندق، كان حلمنا الأول أمريكا بلد الفرص والدولارات، وظللنا ننتقل من محاولة لأخرى، ووصل هذا الحديث إلى أبى وكان لم يزل محتفظا بذاكرته.
كنت أزور الاسكندرية كل أسبوع، وكل مشاعرى متعلقة بهذه المدينة التى أمضيت فيها الست وعشرين عاما الأولى من حياتى، أنزل عند طنط بطة فى زيزينيا، ثم أزور أبى للغداء، وأرجع فى اليوم التالى مباشرة حيث الإجازة الأسبوعية يوم واحد فقط.
وفى احدى المرات سألنى أبى سؤالا بطريقة بدت من صوته إنها عادية:
–       انت صحيح حتسافر أمريكا؟
قلت له:
–       أيوة
وعند ذلك جز أبى على أسنانه، وتقلصت ملامحه، ونزلت دموعه أمامى، ذرفها هو، ورأيتها أنا.

***********

*روائي مصرى

 

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...