الرئيسية / أخبار ثقافيه / د‏.‏ نادية جمال الدين*تكتب : المدرسة…حديث ذو شجون
د.نادية جمال الدين

د‏.‏ نادية جمال الدين*تكتب : المدرسة…حديث ذو شجون

 
 
 

أقول بداية إننا لا نزال في حاجة ملحة إلى كشف الأيديولوجية الخفية للذين يتناولون قضايا التعليم من زوايا لا تخدمالمتعلمين أنفسهم. إن الضجيج حول مجانية التعليم وبعض مشكلاته الاخرى مثل المبنى المدرسي والتسرب وتدريب المعلمين وغير هذا من قضايا لا توضح حقيقة رؤية المتحدثين عن المدرسة ومضمونها الإنساني والأخلاقي قبل ان يكون لها مضمونها التعليمي.

حقا إن الساحة مليئة بالشكوى المستمرة والنقد الكسيح الذى لا يزيد على كونه نقدا لما يراه البعض من انشطة وانظمة تعليمية لا تقدم ما نرجوه منها وتقف الشكوى عند الأرقام والمؤشرات دون الغوص في البحث عن دلالاتها. إن الوعى التربوي ومنذ زمان لا يزال متوقفا امام ظواهر الأمور مكتفيا بالصوت المرتفع الذى لا يزيد على اتهام التعليم بانه فاشل، والمناهج بانها سيئة ومتخلفة، واوصاف لفظية للممارسات التعليمية دون التوغل في أعماق ما وراء الظاهرة أو حقيقه الواقع التعليمي المعاصر ولماذا وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه.

إن ما لا يراه كثير من هؤلاء هو كيف أن المدرسة تحولت الى ساحه للاصطفاء الاجتماعي المرتبط بالرأسمالية الجديدة؟ او كيف تحولت المدرسة الى ساحة للإكراه على دراسة لا يريدها التلميذ مثل التعليم الثانوي الفني وما يؤهل له من بطالة أوشبه تعليم يؤدى بالمدرسة والتلميذ الى الاغتراب والانسحاب من الأدوار الإنسانية والأخلاقية التي ينبغي للمدرسة ان تنشغل بها.

المدرسة بصورتها المعاصرة في العالم، ومصر من بين دوله ، تبنت في صمت قيما تفرضها العولمة الزاحفة في سرعة ورأسمالية متوحشة متجددة ترتدى اقنعة جديدة لتمارس عملية التقسيم الطبقي والاصطفاء الاجتماعي والاستبعاد للفئات المهمشة والفقراء… ألم يقرأ أحد منا ما يدور في المدارس الدولية ذات الشهادات الأجنبية متعددة الجنسيات من ممارسات لا تؤدى بالضرورة الى الحفاظ على الهوية بإهمالها اللغة العربية والدراسات الاجتماعية وعمادها التاريخ، إن الصمت القاتل المتخفي وراء ستار الشكوى من ارتفاع مصروفات هذه المدارس وغيرها من مدراس لغات ومدارس خاصة متعددة النوعيات ومتفاوتة المصروفات يوضح ان هؤلاء الذين ينقدون فقط انما يبحثون عن مصالحهم والدفاع عنها.

إن قضية التعليم برمتها، وليس فقط المدرسة، تواجه في مصر ومنذ فترة هجمة شرسة من التقليل من شأن إتاحة الفرص امام الجميع لتعليم جيد يسهم مع مجموعة أخرى من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لإعادة الوجه الأخلاقي والإنساني للمدرسة.

إن التأكيد فقط على التعليم الفني وأهميته للمتعلمين من بسطاء هذه الأمة أكذوبة كبرى تخفى خلفها التحيز الطبقي والتردي الإنساني والأخلاقي. إن التعليم الفني مهم جدا وكأن لسان حالهم يقول: »لأبناء الآخرين وليس لأبنائي»!!.

إن المدرسة التي عرفها الآباء وعرفناها نحن لم تعد كما كانت بل طالتها تحولات عميقة وجوهرية أدت الى التغير في محتواها وما تهيئه لتلاميذها من وعود بالمستقبل، ووظيفتها قد استجابت بشكل او بآخر للعولمة وتطورات النظام الرأسمالي الذى لم نسهم فيه بقدر ما تأثرنا به.

المدرسة في بلادي كما أراها تتحول للابتعاد عما كانت تقدمه وماضية في طريقها لان تصبح اكثر ارتباطا وخدمة للنظام الرأسمالي، ولا يغرنا كثيرا الحديث عن حق الانسان في التعليم، نعم التعليم حق ولكن أي تعليم؟ وأي مدرسة؟ ولأى أهداف؟ واذا تأملنا حقا فالمدرسة، وباقي المؤسسات التعليمية، ماضية في الاتجاه نحو ان تكون مؤسسة مهيأة للعمل ولتقول بأعلى نبرة إن القيم المادية هي جوهر مسئوليات المدرسة وانشطتها فما كان من تربية موسيقية ، ورياضية ، وفنية وغير هذا يتوارى في مدارسنا لتحل محله فصول مكتظة ومعلم مرهق ناقم يسعى لزيادة دخله على حساب تلاميذه لا يراعى قدراتهم المادية، اذ ان البقاء في المدرسة الآن والاستمرار في الحصول على التعليم هو للأكثر قدرة مالية. حقا ترمز المدرسة الى معانى التقدم والرغبة الجادة من الدولة في خدمة المجتمع وابنائه، ولكن هذا يعنى ان المدرسة قادرة على التخفي وتقديم صورة مغايرة للحقيقة التي تتصدى لها، وهى ان تمهد المستقبل للصفوة من أبناء الوطن وتستبعد وتحاصر من لا يستطيع ان يتعامل معها ماديا.

إن التعليم يرتبط بالصحة، وبالغذاء، يرتبط بالمسكن، يرتبط بالأسرة الراضية في معيشتها قبل ان يرتبط بالمبنى المدرسي والمعلم والمنهج والكتب والزى الموحد وغير هذا من ملامح تربوية تضفى على المشكلةالحقيقية للتعليم في مصر طابعا مزيفا مراوغا، حيث انها تجعل الحديث يدور دوما حول الشكل وليس المضمون والمضمون كما آراه هنا هو مضمون إنساني أخلاقي يرتبط بمستقبل الانسان والوطن بل البشرية جمعاء.

الموضوع فيما يخص المدرسة لا يتعلق فقط بالمجانية ولا المناهج ولا المعلم ولا المبنى المدرسي، هذه كلها ظواهر لمشكلات ولأسئلة لم نتوقف للإجابة عليها، فالسؤال لماذا نعلم؟ غير مطروح حتى الآن بصورة جادة تبحث حقا عن مجتمع يطمح للعدالة الاجتماعية والتي يعتبر التعليم أحد أدواتها الرئيسية، وأيضا أحد مؤشراتها الحقيقية، هذا إذا كنا لا نزال نريد ان نتحدث عن العدالة الاجتماعية والتي تتطلب إعادة الطرح من منظور معاصر للتغيرات الحادة في المجتمع المصري وللتغيرات العميقة التي تفرضها الثورة العلمية، والتكنولوجية والرأسمالية العالمية، والعولمة وقضايا الانتماء والمواطنة وغيرها ، ذلك ان الاكتفاء بالاهتمام بتلبية المتطلبات الاقتصادية المرتبطة بالصناعة والعمل يؤدى الى تحويل المدرسة الى أداة توضع في خدمة المنافسة الاقتصادية من جهة وتعميق اللامساواة الاجتماعية في مجال التعليم والوصول الى المعرفة من جهة أخرى، كما رأى البعض في هذا المجال.

 ****************************

*استاذاصول التربية -جامعة القاهرة 

 
 
 

 

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...

تعليق واحد

  1. صدقت يا أستاذة الجيل فالمدار تكون ست طبقات مختلفه ومتصارعه في مصر طبقا لتعليمها فالفقراء في التعليم الحكومي والأزهري والطبق الوسطي بين الخاص ع بي والتجريبي ال سمي لغات والطبقه العليا بين اللغات ناشونال وألدوليه مقبلون علي كارثه فالتعليم كان عنصرالتماسك ف مصر