الرئيسية / د.سامى نصار / د.سامى نصار *يكتب : فقه الازدراء!
D.SAMI NASSAR

د.سامى نصار *يكتب : فقه الازدراء!

لعل قضية ازدراء الدين الإسلامي من أهم القضايا الدائرة في كل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حاليا وخاصة بعد الحكم على إسلام البحيري بحبسه سنة، والقبض عليه وإيداعه أحد السجون. ولست هنا في معرض الدفاع عن إسلام البحيري، ولكني أدافع عن حرية الفكر، وحرية الرأي، وحرية الكلمة التي ينبغى ألا نسل عليها سيف الازدراء لنقمع كل من يحاول أن يفكر أو يقرأ تراثنا أوتاريخنا قراءة جديدة ومختلفة لما تواضعنا عليه قرونا، وسجنا عقولنا بين جدرانه متصورين أنه الحق، فأصبحنا أشبه بأهل كهف أفلاطون نرى الظلال حقيقة.
والازدراء لغة هو النقد أوالتأنيب أوالسخرية من رأي أو فكرة أو شخص، وهو كلمة مطاطة تحمل أوجها كثيرة تتوقف على المعنى، والسياق، والتلقي. وأنا هنا لن أرفض الازدراء لغة أو اصطلاحا بالاستخدام الحالي، بل سأوافق على الكلمة، وسأستخدمها هنا ليس كتهمة يجتهد أصحاب السلطة الدينية في إلصاقها بكل من يخالف لهم رأيا، ولكن كآلية من آليات إنتاج المعرفة. فالازدراء – كتهمة – شائع في كل الأديان، ففي المسيحية نجد الهرطقة والتجديف وغيرهما من المصطلحات التي تشير إلى خروج فرد أومجموعة أفراد على ما اتفقت الكنيسة على تقديسه من آراء أو أفراد. كما أن المسلمين يتهمون بالازدراء أو الزندقة كل من يوجه نقدا، أو يبدي رأيا فيما يعتبرونه من ثوابت الدين حديثا وفقها ومحدثين وأئمة، ففي رأي معظمهم من تمنطق فقد تزندق. ويمتد الأمر عندما يتبادل الجميع ازدراء أديان بعضهم البعض.
بل إننا داخل الدين الواحد نزدري بعضنا بعضا لاختلاف المذاهب، فالسنة يزدرون الشيعة، والشيعة يزدرون السنة، بل إننا نتبادل ازدراء بعضنا بعضا داخل المذهب الواحد، فالسلفيون يزدرون غيرهم من أهل السنة وهكذا الأمر لدى الشيعة. وفي المسيحية تتعدد المذاهب فهناك الكاثوليكية والارثوذوكسية، التي تعني من اسمها أصحاب العقيدة الصحيحة وبالطبع غيرهم على خطأ، والبروتستانتية بدأت كحركة احتجاجية على ممارسات الكنيسة الكاثوليكية واتهم أعضاؤها بالهرطقة، وطردوا من رعوية الكنيسة وعلى رأسهم مارتن لوثر الذي وضع رسالة عرفت باسم لاهوت التحريرمتضمنة مجموعة من النقاط لإصلاح الكنيسة.
وتاريخنا العربي الإسلامي حافل بصنوف التعذيب والتنكيل والقتل على الاختلاف في الرأي أو المذهب، لم ينج من ذلك أئمة مثل ابن حنبل، أو مفكرون مثل ابن المقفع، أو متصوفون مثل الحلاج.

إننا، في كثير من الأحيان، ننسى، وبالأحرى نتناسى، أن تجديد الفكر الديني والحركات الإصلاحية التي شهدتها مختلف الديانات إنما بدأت من حركات الهرطقة والتجديف والازدراء التي كان يمارسها المجددون والإصلاحيون في كل عصر وفي كل دين.
ولعلنا لا نبالغ، فيتهمنا البعض بالهرطقة أو بالازدراء، إذا قلنا أن الرسل والأنبياء، عليهم جميعا السلام، قاموا بازدراء الأديان التي وجدوا عليها آباءهم ، وأوذوا وصلبوا وهجروا من ديارهم بهذه التهمة.
فالازدراء، في جانبه الإيجابي هو وسيلة البشر من أجل التعبير عن رغبتهم في التغيير، وهو سبيلهم للانتقال من وضع إلى وضع أفضل، وهو يعني أيضا النقد، والقراءة المعاكسة لما تواضع الناس على الخضوع له، والتسليم به دون إعمال للعقل أو محاولة إعادة التفكير فيه، وذلك من اجل الاستجابة لشروط حركة التاريخ، والمستجدات التي تطرأ على السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
ومن المعاني الإيجابية للازدراء ما يستخدم في العلم بمعنى التكذيب والتفنيد ، فلولا التفنيد والتكذيب لما تقدم العلم ولما نعمت الإنسانية بثمار تطبيقاته في كل مناحي الحياة، فنحن في العلم نتعلم من أخطائنا وبالتالي تظهر نظريات جديدة على أنقاض نظريات أخرى يثبت الباحثون خطأها، أو عدم كفايتها أو ملاءمتها لما يطرأ على العالم من مستجدات وأحداث، على حسب ما يقول فيلسوف العلوم النمساوي كارل بوبر.
ولكننا عندما نمارس الازدراء باسم الدين، فإننا نمارس معه الإقصاء والإرهاب وخاصة عندما نملك القوة والسلطة في مواجهة الطرف الأضعف، فمن نختلف معه نزدريه ونتهمه بالازدراء، ونقصيه أو نسجنه أونقتله بزعم امتلاكنا للحقيقة المطلقة والصواب الذي لا يأتيه الباطل، ومن ثم تنشأ الصراعات والحروب الدينية والمذهبية التي في حقيقتها دفاع عن مصالح سياسية واقتصادية، وهذا ما عبر عنه أبو العلاء المعري قائلا:

ولا تطيعنّ قوماً، ما ديانتهُم
إلاّ احتيالٌ على أخذ الإتاوات
وإنّما حمّلَ التّوراةَ قارئَها
كسبُ الفوائد، لا حبُّ التلاوات
إنّ الشّرائعَ ألقت بيننا إحَناً،
وأودعتَنا أفانينَ العداوات

وهنا بالتحديد يصبح الازدراء تهمة، عندما يتم ازدراء الدين نفسه من قبل معتنقيه بتوظيفه لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية، وعندما يزدرون أصحاب الديانات الأخرى ويطلقون الفتاوى حول تحريم تهنئتهم بأعيادهم، أو بتمتعهم بحقوق المواطنة على قدم المساواة معهم. إن الازدراء يصبح تهمة عندما يظن البعض أنهم أصحاب العقيدة الصحيحة وغيرهم في كفرهم يعمهون.
إنني ضد الادعاء بامتلاك الحقيقة، ومع حرية الفكر والرأي ، ومع ضرورة إعادة التفكير فيما أسمته جماعات المصالح بثوابت الأمة، وكأن الأمة قد وقفت على قارعة التاريخ في لحظة زمنية لا ينبغي لها أن تغادرها، أسيرة أفكار وآراء لآباء وقسيسين ومفسرين، ومحدثين، وفقهاء اختلفوا هم أيضا فيما بينهم، وازدروا بعضهم بعضا في زمانهم، وأورثونا خلافاتهم المذهبية ، مرسخين في عقولنا مبررات إقصاء الاخرين بدعوى امتلاكنا للدين الصحيح دون أن نعرف ما هو الدين في جوهره، ودون أن نفرق بين النص المؤسس وبين ما ترتب عليه من تفاعلات في السياق الاجتماعي، وما استنبط منه من أحكام تعكس فهم البشر له في كل لحظة تاريخية تمر بها مجتمعاتهم. إننا، في ذروة نشوة الازدراء الذي نمارسه على الاخر، ننسى أن الله واحد وتتعدد طرق الوصول إليه بتعدد أنفاس البشر كما يقول محيي الدين بن عربي.
إن تهمة ازدراء الدين الإسلامي التي حوكم بها إسلام البحيري تهمة لا أساس لها، فكيف نحاكم رجلا بتهمة التفكير؟ وكيف نسجن رجلا كل ما قام به هو إعادة قراءة تراث الاختلاف أو الازدراء، وإعلان نتائج قراءته على الناس ليتبينوا مواقع أقدامهم بعد أن اختلطت عليهم المواقف ؟
إن الغاء ازدراء الأديان – كتهمة – صار ضرورة وهو شرط ونتيجة لأن يعيش المصريون في أكناف دولة مدنية لا يختلط فيها الدين بالسياسة أو بالعلم، دولة لا يمارس فيها حجر على رأي أو فكر من أي سلطة كانت سياسة أم دينية ،دولة حرية الاعتقاد فيها مطلقة، وحرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر…وذلك حسب المادتين الرابعة و الستين والخامسة والستين من … الدستور المصري!!!!!

***********************************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية  الأسبق -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...