الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى *تكتب :تجديد الخطاب الدينى بين أركون و اسلام البحيرى!
الباحثة /فاطمة الحصى

فاطمة الحصى *تكتب :تجديد الخطاب الدينى بين أركون و اسلام البحيرى!

كتبت منذ عدة أشهر حول قضية إسلام البحيرى ، حينما أُوقف برنامجه فى إحدى القنوات الفضائية ،ويبدو أن حديثى قد فُسر وكأننى أتخذ موقفا عدائيا من حرية الفكر ،ففى مقالى السابق حاولت عقد مقارنة ما بين المفكر الجزائرى محمد أركون ،وبين الباحث الاعلامى إسلام البحيرى ( وهى مقارنة ظالمة لمحمد أركون بكل المقاييس )،وعلى الرغم من أن هذه المقارنة لا تصلح بأى شكل من الأشكال حيث لا يصح أن أقارن قامة المفكر الجزائرى محمد أركون بقامة باحث مبتدئ مازال يتحسس الطريق وهو اسلام البحيرى !
ولكن هدفى الاساسي من تلك المقارنة كان إظهار مدى تواضع العالم الحقيقى ،ومدى حرصه على استخدام الألفاظ وانتقاء الكلمات ،واستخدامه لأدواته العلمية كمبضع الطبيب بدقة متناهية وبحرص شديد ، فى توصيف التراث والتحدث عنه ..
وهذا ليس بعيد عن فكر محمد أركون ،فمحمد إركون دخل فى معركة مع الغرب الذى عاش فيه وتعلم المناهج العلمية الأحدث على أيادى اصحابها مباشرة  ،وعلى الرغم من ذلك نجده فى حواره الشهير بجريدة اللوموند الفرنسية يوم ١٥/٣/١٩٨٩يصف كتاب سلمان رشدى الشهير “آيات شيطانية ” بأنه عمل طائش،وهو هنا لا يناقض نفسه ،بل إنه ذلك المفكر الذى يدعو الى نقد العقل الاسلامى ،وفى ذات الوقت هو يدعو الجميع الى احترام مقدسات الشعوب ،لأنه يرى أن المقدس جانب إساسي لكل وجود إنسانى ،وعلى الجميع احترامه !
ولقد هوجم أركون بسبب هذه المقابلة ايما هجوم ،ووُصف بأنه يعمل على تقويض العلمانية ،وأنه ضد حرية التعبير والتفكير ،وإنه أُصولى الهوى ..

نعم هكذا وُصف آركون فى بلاد الغرب فى تلك الفترة! فى الوقت الذى كان الاصوليون والمتشددون يصفونه بأنه عميل الغرب وانه مستشرق يسعى لهدم الإسلام !!
وفى شرحه لترجمة كتاب ” من الاجتهاد الى نقد العقل الإسلامى يقول هاشم صالح :”أركون صاحب مدرسة تتعامل بمنتهى الحرص والحذر مع كل ما يمس الإنسانية ،هو رجل الإنسانية الأول بلا منازع ،دائما  ينادى بعدم جرح مشاعر الملايين من المؤمنين التقليديين عن طريق تعرية قيمهم تاريخيا ثم تركها دون إضافة أى تحليل تركيبى يعوض عن هذه التعريه ،أو تلك الخسارة العاطفية الناتجة عن كل بحث علمى جاد ” .
من هنا تإتى إهمية دعوة محمد أركون للباحث المسلم بأن يكون ملما بالعامل النفسي أو الإيمانى ،واستخدام علم النفس التاريخى والانتربولوجيا الثقافية والإجتماعية ،وذلك بهدف فهم الموقف الإيمانى للمسلم وغير المسلم بشكل متكامل ، ومعرفة المدخل الى عقله ،وهو ما أسماه بالتشكيلة النفسية أى البنية النفسية التى تشكلت منذ بدايات الإسلام ،وهيمنت على وعى المسلمين حتى الآن .فمسألة الاهتمام بالبنى النفسية والخيالية والإسطورية من حياة المجتمعات البشرية حقيقة أغفلها البحيرى فى برنامجه الشهير الذى تناول فيه ناقلى الأحاديث ومفسرى القرآن بهذا الكم من التهكم والاتهامات .
والحقيقة آن أركون كان آذكى من أن يقع فى مثل هذا الفخ ،ففى كتبه العديدة وفى مشروعه الفكرى الأساسي ” نقد العقل الإسلامى “لم يقع الرجل فى فخ الهجوم الشرس على ناقلى الأحاديث ومفسري القرآن على الرغم من انتقاده لهم ،وملاحظاته التى دّونها فى أكثر من موضع حول مدى صحتها ،الا أن الرجل بحنكته وخبرته وذكاءه تعامل مع مثل هذه القضايا بحنكة الطبيب الذى يعرف أين الداء فلا يضغط عليه على الرغم من إحتمالية البتر !
منح لنا إركون المنهجيات الحديثة والاليات السيميائية وأشار علينا بعلم اللسانيات والاركيولوجيا والانتربولوجيا ،أشار الينا قائلا من هنا ستصلون الى الحقيقة ،الى الايمان الحر المتناسب مع روح العصر ،احفروا تاريخيا ،اسلكوا ذلك الطريق تصلون !!
هكذا كان المعلم ينير الطريق ،ويفتح الأبواب المغلقة … فى حين ضغط البحيرى على موضع الداء فصرخ المريض …. هاهو اسلام يُحاكم بتهمة إزدراء الأديان ،إويدفع ثمن عدم إمتلاكه لتلك الآليات التى إشار علينا بها المعلم إركون كشرط من شروط دخول العالم العربى -الإسلامى الى عالم الحداثه وما بعد الحداثة  !!

**************

*   باحثة -مصر

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...