الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدى *يكتب : طروحات فلسفية جديدة فى أسبانيا
د.حواد رشدى

د.جواد رشدى *يكتب : طروحات فلسفية جديدة فى أسبانيا

طُرُوحَاتٌ فَلْسَفِيةٌ جَدِيدَةٌ فِي إِسْبانْيَا

نهاية المذهب المادي (خُورْدِي بِخِيمْ)

El fin del materialismo ( Jordi Pigem )

ترجمة د. جواد رشدي

(النص الأصلي باللغة الإسبانية)

==========

   الفيلسوف الأسبانى         Jordi Pigem,
الفيلسوف الأسبانى
Jordi Pigem,

ـ نبذة مختصرة عن خُورْدِي بِخِيمْ:

ـ خُورْدِي بِخِيمْJordi Pigem دكتور في الفلسفة.

ـ مختص في فلسفة العلم والفكر الإيكولوجي.

ـ آخر كتبه “الواقع الجديد” “La nueva realidad “(Kairós).

ظل مجتمعنا يعتقد منذ قرون أن أساس الواقع هو المادة. لكن تطور العلم والتجربة الشخصية والإجتماعية قادنا اليوم إلى ما وراء المذهب المادي. لقد انبثقت طريقة جديدة في إدراك الواقع والحياة،حيث الذهن والوعي يعدان كمفتاحين.إنها اللحظة التي تسمح لنا بالإنفتاح على الحرية والنور.

لم يعد المذهب المادي يشتغل لا بصفته نظرة إلى العالم(الإعتقاد في كون الواقع مادة)ولا بصفته سلوكا تجاه الحياة(الإعتقاد بكون ارتياحنا نابع أساسا مما نستهلكه ونمتلكه).هذين الإعتقادين هما ما يحيل عليهما معنيي كلمة المذهب المادي في المعاجم. يتعلق الأمر بمجالات مختلفة لكنها مترابطة. لقد خلقنا مجتمعا مبنيا على القيم المادية لأنه في العمق تتحكم فينا نظرة مادية إلى العالم: نعتقد بأن ما نستطيع تلمسه وتحديد كميته(الأشياء المادية) يعد أكثر أهمية من مما نعيشه ونحس به في دواخلنا. ما يثير انتباهنا هو ما يجعلنا نشكل فكرة عن العالم. إذا آمنا بالجمال فإننا سننغمس في الفن. إذا ما آمنا بالمادة فسنتوق إلى مراكمة أشياء مادية. و إذا ما اعتقدنا بأنه يمكننا ضبط كل شئ، فسنتوق إلى اختزال كل ما باستطاعتنا اختزاله في أشياء قابلة للترتيب وتحديد الكمية بشكل موضوعي: النقود. إذا كان الواقع الوحيد هو المادة، فإن أفقنا الوحيد هو: التكديس، الإستهلاك والمنافسة.

نعتقد بأن ما هو واقعي حقيقة، هو ما يمكننا ضبطه و تمثله بشكل موضوعي. لهذا فمنذ قرون حاولنا جاهدين تفسيراللامادي من خلال ما هو مادي، اللاملموس من خلال ما هو ملموس، ما يعكس الوعي من خلال ما هو جامد. حسب النظرة المادية، كل ما نحن عليه وكل ما يحيط بنا هو في العمق توليفات

1

لعناصر مادية(الموجات الكهرومغناطيسية، أجهزة الإرسال العصبية). من خلال وجهة النظر هذه، فإن الحب على سبيل المثال كما قيمنا و أفكارنا النبيلة، لن تكون سوى مجرد أوهام معممة من طرف الكمياء الداخلية للدماغ. لكن ما نحن عليه حقا، لا يمكن أن يُخْتَزَلَ في منتوج لقوى فزيائية وكميائية. إلى حدود وقت قريب، سعى الجزء الأكبر من علم الجهاز العصبي إلى تأمل الدماغ، ليس كشئ حي متجذر بشكل حيوي في الجسد وفي العالم، لكن كحاسوب مُكْتَمِل يُنْتِجُ ما نفعل، ما نحس به وما نقوله. لكن عندما تطور علم الجهاز العصبي، ابتعدنا أكثر عن قدرة تفسير أن توليف المواد الكميائية يمكن أن ينتج عنه تبلور تجربتنا بشكل فوري هنا و الآن. إن دماغا دون جسد ودون عالم لن يكون في مستطاعه تحقيق أي نشاط ذهني. الدماغ هو البنية الملموسة الأكثر تعقدا كما نعرف، لكن الذهن والوعي لا يمكنهما أن يختزلا في نشاط ذهني.

في النظرة المادية ليس هناك مكان لما هو إنساني محض، ودون سند من الواقعية، فإن هذه النظرة تنتهي إلى حادثة كاملة في عالم دون معنى. عند بداية القرن العشرين، وعندما بدا أن العلم بدأَ يؤكد النظرة المادية للعالم، اعترف الفيلسوف برتران روسلBertrand Russell ،بكل ثقله، بأن العالم افتقد كل معنى، وبأن الكائن البشري هو نتاج لقوى لا تعرف أين تتجه، وبأن “أصله، تطوره، آماله ومخاوفه، الأمور التي يحب وكذا اعتقاداته، هي مجرد نتاج لأوضاع عرضية للذرات.”

خلال القرن الماضي، بدأ العلم يكتشف إذن على أن الكون هو أكثر من ميكانيزم معقد مبني على عناصر مادية، لكن ثقافتنا(بما فيها افتراضات الجزء الأكبر للعلم كما يطبق)تُتَابِعُ دحضها للبارديكم المادي. من بين الكتب الحديثة النشر التي تتطرق لهذا المحور، هناك واحد يحمل العنوان التالي « El fin del materialismo » ,”نهاية المذهب المادي” لعالم النفس شارل طارتCharles Tart ، و”سراب العلم” « El espejismo de ciencia » , لعالم البيولوجيا البارز روبيرت شلدراكRupert Sheldrake(كلاهما نشرا في Kairós). أشار شلدراك إلى أن النظرة المادية للعالم يمكن أن يعبر عنها في سلسلة من المعتقدات التي يتقاسمها معظم العلماء اصطلاحا، بالرغم من أن كل واحدة منهما تم دحضها من طرف العلم الطلائعي:

ـ كل شئ ميكانيكي. القط، الكلب، ويمكن إدراج الإنسان، كلهم ليسوا سوى مجرد ميكانيزمات معقدة، “رُبُوات مُتَنقلة”، بتعبير ريشارد دوكينز Richard Dawkins.

* ـ المادة هي شئ دائما لا واعي. العلم البشري لن يعدو أن يكون سوى مجرد وهم نابع من الوظيفة الميكانيكية للدماغ.

* ـ قوانين الطبيعة ثابتة إلى أبد الآبدين.

* ـ الطبيعة تعوزها القدرة على الإقتراح. التطور أعمى ويفتقد إلى المعنى. الجمال والمعنى لكثير من الأشياء التي ندركها في العالم هي في العمق مجرد سراب.

* ـ الوراثة البيولوجية تُخْتَزَلُ بشكل فريد من نوعه في عناصر مادية كالأ دي إين.ADN

* ـ الذهن لن يكون شيئا آخر غير منتوج زائد للدماغ. وما تراه بعينيك لن يكون ماثلا هنا في العالم، لكن في دماغك.

* ـ الظواهر التي لا تفسير مادي لها، كَتَوَارُدْ الخَوَاطِرْ telepatía، قد تكون مجرد أوهام.

* ـ الطب الوحيد الذي له وظيفة قد يكون ذاك الذي يرتكز على الوظيفة الميكانيكية للجسد.

كل هذه الإعتقادات تعد مناقضة لحدوسنا الأكثر عمقا. فهي لا تتداخل مع العالم الذي ندركه في أحسن

3

لحظاتنا. الخبر السار الذي يمكن إضافته، هو أن الواقع الجديد الذي كشفه لنا العلم يكمن في كون كل هذه الإعتقادات أنتجت لنا أشياء تم تركها. عَالَمُ العِلْمِ الجديد ليس ميكانيكيا وغير مشخص، لكنه شمولي وتشاركي. فكما أشار إلى ذلك عاَلِمَيْ الفزياء في القرن العشرين شرودينكرSchrӧdinger ووكنرWigner الحائزين على جائزة نوبل، فإن أساس الواقع ليس هو المادة بل الوعي. لقد أثبتت لنا الفزياء الكوانتية física cuántica بأن العالم ليس مصنوعا من أشياء ولكن من علاقات، علاقاتٌ تضم دائما الذهن البشري. النظريات التي تعتبر الوعي البشري هو شئ وهمي، هي نظريات توجد فقط في الوعي البشري. العديد من الدراسات الحديثة أثبتت أن المجتمعات الموجهة نحو الماديات وثقافة الإستهلاك، هي مجتمعات تنحو نحو تقوية الأنانية، تقويض دعائم التماسك الإجتماعي، وتنمي الفوارق الطبقية. المذهب المادي يقودنا إلى اعتبار أن الإقتصاد هو المفتاح الفريد تقريبا للرفاه الإجتماعي. من جهة أخرى، فإن علم النفس وعلم الإجتماع أثبتا لنا بأن الإستهلاك المادي لا يلبي الضروريات الحقيقية للإنسان. وهذا ما أكده الإقتصادي رتشارد إسترلين،”إن نجاح النمو الإقتصادي، لا يعني نجاح الإنسانية في تلبية حاجياتها المادية؛ بل تفوق للحاجيات المادية على الإنسانية”.

اللهفة من أجل الإستهلاك المادي بشكل متنامي ولا محدود، خلقت انعدام الأمن النفسي، هذا فضلا عن كونها تتعارض مع الإرتياح الشخصي. إن ارتفاع الإستهلاك لشخص في وضعية هشة، يسير دون شك بالموازاة مع نمو الرفاه عنده. لكن بعيدا عن عتبة استهلاك الخيرات المادية، فإن الإشباع الشخصي لا يرتفع، لكن يمكنه في الواقع أن يتراجع، خصوصا و أن ارتفاع الإستهلاك بشكل عام، يسير بالموازاة مع ارتفاع الضعط، تقلص الوقت الثالث، وتراجع إمكانية توطيد الصلة بالعائلة، الأصدقاء والطبيعة. من خلال الإستطلاع الدولي حول القيم، نستشف بأن الإرتياح الحيوي، ينحو نحو الإرتفاع كلما ارتفعت المداخيل الفردية كل سنة حتى تصل إلى15.000دولار(كما هو عادة مستوى دخل الفرد في دول مثل إسبانيا، إرلندا ونيوزيلاندا) لكن ابتداء من هذه العتبة، فإن الترابط يختفي.

مواطنو الولايات المتحدة، بريطانيا العظمى واليابان، ليسوا أكثر سعادة كما كانوا عليه خلال الخمسين سنة الماضية، بالرغم من أن الثروة المادية تضاعفت في النصف الأخير من القرن الماضي. المداخيل الحقيقية لكل فرد تضاعفت ثلاثة مرات في الولايات المتحدة منذ1950، لكن نسبة المواطنين الذين يعتبرون أنفسهم “جد سعداء”حسب الإستطلاع، تراجعت منذ منتصف سنوات الستينات. إن مؤشرالتقدم الحقيقي في الولايات المتحدة، وصل إلى مستواه الأقصى في1975، عندما كان الإنتاج الداخلي الخام للبلد يقارب نصف المستوى الحالي. تم تلمس هذه المفارقة فعليا في كل البلدان التي شهدت نموا كبيرا في اقتصادها وفي معدل الإستهلاك بها خلال النصف الأخير من القرن الماضي.

وكما أشار إلى ذلك الدلاي لاماDalai Lama فإن توالي الإحساس بالقلق، الضغط، الحيرة، عدم القدرة على اتخاذ القرار، والإكتئاب في صفوف أولئك الذين أمنوا حاجياتهم المادية، تثبت على أن احتياجاتنا الحقيقية تنحو منحى بعيدا عن الإستهلاك والماديات.

إنَّ أحد مفاتيح المذهب المادي هي الإعتقاد بأن هناك انفصالا جذريا بين العالم المادي الموضوعي والنفس الإنسانية. الأكثر من ذلك، فإن طريقتنا الوحيدة الفعلية للنفاذ قد تمر عبر البعد المادي للعالم. لكننا نعرف بأن حياتنا مليئة بالتجارب حيث الذهن يتفوق على سلطة المادة(عبر ظواهر توارد التخاطر، البصيرة أو العلاج النفسي، أي التيمات التي حللها شارل طارت في التزامه بتوحيد العلم والروحانيات). كل تطبيقات النمو الشخصي انتهت إلى كون العالم حيث الوعي

4

(الذهن و القلب، الإنتباه والنية) لها دور أكثر أهميةً من الفضاء، الزمن والمادة.

وفي النهاية، فإن المذهب المادي هو بدون شك اللحظة المفتاح في تطور البشرية. فهو يعد بمثابة نهاية الثَّابِتِ النَّفْسِيِّ الذي يمنع تطور الوعي. إنه وقت القفز على ثَابِتِ الحَصْرِ والثِّقْلِ من أجل أن ننفتح على الحرية والنور.

* ـ أساس الواقع ليس هو المادة بل الوعي.

* ـ لسنا متفرجين سلبيين في عالم من الأشياء، لكننا مبدعون مشاركون في كَوْنٍ من العلاقات. لا شئ يوجد دون مشاركتنا.

* ـ العالم ليس كتلة من الأشياء بل شبكات من العلائق اللامنتهية. المستوى العلائقي هو الأكثر واقعية.

* ـ لسنا كائنات مادية لديها تجارب روحية، ولسنا آلات جِينِية بأحاسيس نفسية، لكننا وعي ملفوف في ستائر المادة، الفضاء، الزمن والحصر.

* ـ الدماغ هو المرتكز المادي للذهن. لكن الذهن لا يختزل في الوظيفة الدماغية.

* ـ حياتنا لا تتبدى بشكل كبير عبر الأشياء المادية كما هو الشأن بالنسبة لتصرفاتنا، مقاصدنا، والشئ الذي نركز عليه انتباهنا.

* ـ نواة الواقع لا تتحدث لغة العقل، القوانين، الصيغ والمفاهيم. بل يتم التعبير عنها بلغة القلب، الخيال، الإبداع والحدس.

* ـ نحن بصدد إظهار جزء لا محدود من إمكانياتنا.

* ـ لسنا موجودين بما نملك. في الواقع، ليس لدينا شئ أكثر مما نحن عليه.

ـ المرجع:

-Jordi Pigem, « Mente y ciencia », El fin del materialismo, in, Mente sana, La revista de psicología, Barcelona, editor Jorge Bucay, número100, mes4, 2014, pp. 40-45

***************************************

أكاديمى وشاعر ومترجم مغربى

jrouchdi@gmail.com

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...