الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدى *يكتب فى ذكرى الطيب صالح : ولي صالح دون عمامة
د.جواد رشدى

د.جواد رشدى *يكتب فى ذكرى الطيب صالح : ولي صالح دون عمامة

 

الطيب صالح
الطيب صالح

 

***********

كلما تحدثت عن السودان،إلا وأستحضر حادثة طريفة جدا وقعت لي بمدينة طرابلس العاصمة الليبية سنة2000زمن القذافي. كان اليوم يوم ثلاثاء من أيام الله،كنت على علم مسبقا بأن حلقة الإتجاه المعاكس بقناة الجزيرة القطرية ستخصص لليبيا وحكم القذافي. فكنت أعد الدقائق والثواني كلما اقترب الوقت لمشاهدة البرنامج وعندما اقترب ببضع دقائق توجهت نحو أقرب مقهى في شارع عمر المختار فوجدت أن الجموع تشاهد إحدى القنوات الليبية،وبسرعة خاطفة توجهت نحو مقهى ثان وثالث ورابع إلخ فلم أجد من يفتح جهاز التلفاز على قناة الجزيرة،أحسست أن هناك أمرا غير عادي، لكني مصر على مشاهد برنامج فيصل القاسم،فسألت أحد المهاجرين قرب شارع الرشيد لعله يرشدني نحو مقهي ليس له مشكل مع قناة الجزيرة،فقال لي:”تو تروح لزنقة بالمدينة القديمة فيه مقهى سوداني راح تعرفو لما تكون غادي”وفعلا توجهت نحو المدينة القديمة ومن كثرة السؤال عن المقهى السوداني وجدته بمشقة الأنفس.وعندما دخلت وجدت كل من بداخله من السود وهم يتحدثون اللهجة السودانية ويشاهدون الإتجاه المعاكس ففرحت جدا،لكن ما أن جلست لبضع ثوان حتى شغلوا قناة ليبية، فازداد حنقي واستدرت نحو الشخص الذي يتحكم في التلفاز القابع وراء المنضدة والدهشة بادية علي وقلت له:” دعنا نشاهد البرنامج”،حينها فتح من جديد البرنامج المذكور وانفجر ضحكا وسمعت شخصا إلى جنبه يهمس في أذنه:”ظنناه ليبيا”،حينها علمت أنهم ظنوا أنني من لجان السلطة الشعبية.لكن ما أن شاهدنا البرنامج لبضع دقائق حتى باغتنا عرمرم من رجال الأمن الليبيين وانهالوا علينا بأقذع الألفاظ لا لشئ إلا لأننا نشاهد الإتجاه المعاكس الذي يبث حلقة حول ليبيا يَفْضَحُ فيها النظام الليبي وبالأخص هيمنته على أموال البترول. فلولى توسل الرجل السوداني صاحب المقهى لرجال الأمن وتأكيده لهم أن اختيار القناة جاء عفويا، لكان قد اعتقل وعُذب و ما أدراك ما التعذيب بليبيا زمن القذافي.هذه الذكرى إذن التصقت في مخيلتي عن أهل السودان بليبيا.و هم بالمناسبة طيبون، مضيافون، أهل ثقافة ومحبون للدعابة. ولهم قدرة غريبة على الصبر تكاد تكون استثنائية.والطيب صالح الكاتب ذو الصيت العالمي ـ حسب ما قرأت عنه ـ يشبه بشكل كبير هؤلاء الناس الذين تعرفت على الكثير منهم في مقاهي ونوادي طرابلس وهم من مختلف الطبقات.لكن الجدير بالذكر أن الطيب صالح الكاتب السوداني الكبير عرف كثيرا بالسودان كما عرف سعيد عويطة بالمغرب زمن تحطيمه للأرقام القياسية.وما راقني عندما أتحدث عن هذه الشخصية الفذة هو ما قاله عنه السيد محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي الأسبق:”الطيب صالح ولي صالح حتى دون عمامة”.وفعلا من عرف الطيب صالح عن قرب ـ حسب شهادة الكثيرين ـ يلمس فيه خصالا تحسبها خصال الأولياء،فهو هادئ ،رصين،وقور،لطيف،حكيم،يتحدث بروية واتزان،يتمنى من يستمع إليه لو أنه تحدث أكثر وكأن كلامه مادة للتطهر مما علق بالنفس من شوائب.فالطيب صالح، حسب محمد بن عيسى، يتحدث معك عن كل شئ إلا عن نفسه.وما أعطاه شهرة مذوية هو روايته:”موسم الهجرة إلى الشمال”التي ترجمت إلى العديد من اللغات بالنظر لفرادتها في الموضوع وطريقة الحكي.فالموضوع له صلة بالغرب ورمزية الشخصية الرئيسية مصطفى سعيد تلخص كل الأبعاد في علاقة بريطانيا البلد المحتل بالسودان.أسلوب الرواية شاعري سلس، زاد من بهائه خلطة صوفية رائعة.لكن هذه المكونات لوحدها ما كانت لتجعل الرواية تنتشر كالنار في البيدر لولا تلك التيمة المتعلقة بالجنس كذائقة تكاد تكون عربية بامتياز.هذه الأمور مجتمعة هي ما خلق لدى القارئ تشويقا واندهاشا يجعلانه يلتهم بازدراد سُطور الأوراق بعينيه كمن يزدرد بنهم بعدما تمكن الجوع من معدته.فتوظيف الجنس والسخرية ما هو إلا وسيلة لتبخيس الإستعمار.إذ أن مصطفى سعيد ـ الشخصية الرئيسية ـ الذي انتقل لبريطانيا للدراسة قد تمكن من تحقيق أمنه الجنسي باقتناصه كل مناسبة تجمعه مع فتاة بريطانية ليغرر بها ويراوضها عن نفسها ليجامعها وهكذا دواليك،لكن في الغالب هن من يبادرن إلى مراودته عن نفسه حتى أنه اعتقد بأن تواجده في بريطانيا سيجعل نساء ابريطانيا تنهبن فحولته،فهي ربما طريقة من الطرق لرد الإعتبار للذات المقهورة من طرف المستعمر.من هنا يتحول الكبت المؤلم إلى ألم مكبوت.وبالمناسبة فالطيب صالح كتب راويات كثيرة التي،نذكر من بينها “عرس الزين”،”بندر شاه”…لكن روايته”موسم الهجرة إلى الشمال” كانت أكثر رواياته انتشارا في العالم.وهي التي أعطته شهرة مذوية، لدرجة أنه إذا صادف أن تعرف سوداني على أجنبي وقال له أنه من السودان،كثيرا ما يفاجئه ذلك الشخص بالعبارة التالية:”آآآآ نعم نعم السودان بلد الطيب صالح صاحب رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، لأن هذه الرواية عالجت قضية من أهم القضايا التي عانت منها دول كثيرة ألا وهي قضية الإستعمار بطريقة خارجة عن المألوف، ألا وهي السخرية المرتكزة على الفحولة والجنس لتخرج بذلك عن المعالجة الروتينية التي نجدها في الكثير من الروايات.لكن بغض النظر عن الكتابة و أهميتها في التأثير في الناس،دورها في التقريب بين الثقافات وفي نشر القيم الإنسانية النبيلة،فإن الطيب صالح يعتقد جازما أن أفضل جائزة يتلقاها الإنسان في حياته هي حب الناس له.ولقد ساعده اشتغاله في مجال الثقافة وأسفاره المتعددة عبر العالم في التشبع بقيم التسامح ونبذ كل فكر مطلق ومغلق، فالماء مثلا إذا لم يتحرك أصبح مستنقعا يأوي الحشرات لكنه عندما يتحرك يحافظ على عذوبته.وعذوبة الطيب صالح نابعة قبل كل شئ من طيبوبة أهل النيل بالسودان قبل أن يزيدها السفر عبر الدول وعواصمها بهاءا. باختصار لقد كان هذا الكاتب أمة في كاتب.ولقد كان الطيب صالح واحدا من الفاعلين في الساحة الثقافية والإعلامية عندما تنقل و عمل في قطر وفي منظمة اليونسكو بباريس كما في السودان و مصر وبريطانيا وإرلندا و الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها كثير.فالطيب صالح كان بحق سمكا يسبح في بحر الثقافات وطائرا محلقا في سماوات الألوان والإختلاف واللغات.وحينما تزوج بفتاة إرلندية وغادر السودان ليستقر في بريطانيا لامه بعض معارفه لأنه سوداني محب لبلده السودان وكرس كل فكره وخياله من أجل السودان،فكان جواب الطيب صالح يحمل دلالات عميقة جدا:”لست بحاجة لأن أكون في السودان.فالسودان تعيش داخلي.” رحم الله الطيب صالح،الذي يحيل إسمه على سلوكه،فهو من علمنا بحق كيف نعطي معنى للحياة بالثقافة والتواصل والإنفتاح والدعابة والحكمة والهدوء وفوق هذا وذاك بحب الناس.لقد رحل عنا الطيب صالح ففقد السودان كما عالم الفكر والثقافة شخصية جد متميزة تركت بصماتها في القيم الإنسانية.لقد رحل عنا الطيب صالح وعند الرحيل يقاس عمق المحبة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ ارتكزنا في هذا المقال المقتضب على الكلمات التي قِيلت من طرف الكثير من المثقفين المغاربة والأجانب في حق الكاتب السوداني الكبيرالطيب صالح في ذكرى رحيله سنة2009 والتي تم نشرها في كتاب بعنوان”الطيب صالح الإنسان والمبدع”،منشورات مؤسسة منتدى أصيلة، مطبعة التومي، 2009 ص.149

*****************

*اكاديمى وشاعر ومترجم/المغرب

jrouchdi@gmail.com

 

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...