الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب :رفاعة الطهطاوى وتحرير المرأة

د.سامى نصار *يكتب :رفاعة الطهطاوى وتحرير المرأة

 

===============

منذ عشرة  سنوات تقريبا أصدر الأديب الكبير بهاء طاهر كتابه الرائع أبناء رفاعة ، مدافعا فيه عن التنوير  بما يستلزمه من حرية و ثقافة. و أراني الان مضطرا أن أبدأ كلامي عن تحرير المرأة عند رفاعة الطهطاوي خائضا في سيرة أحفاد رفاعة لنفس السبب أيضا،  أي للدفاع عن التنوير و الحرية و الثقافة و المرأة. فبقدر ما فصل الرجل في أبعاد التنوير و دواعيه، و بقدر ما بذل من جهد لمأسسة أنشطته تأليفا و تعليما و ترجمة و صحافة، و بقدر ما حمل أبناؤه من محمد عبده و قاسم أمين و سعد زغلول و طه حسين و غيرهم من مشاعل التحضر، بقدر ما يقود بعض أحفاده هجوما كاسحا على الرجل و على أفكاره و مبادئه، معملين معاول الهدم في كل ما طرح من رؤى حداثية و تنويرية كانت بمثابة الأسس التي قامت عليها الدولة المدنية الحديثة في مصر من منتصف القرن التاسع عشر وحتى الان. بل إن بعضهم يريد العودة بمصر إلى عهد الخلافة العثمانية التي نبهنا رفاعة إلى ضرورة الانسلاخ عنها وبناء الشخصية الوطنية المصرية ،
والفضل كل الفضل في خروج مصر من هذا الفصل الكارثي من تاريخها يرجع إلي جهود أجيال متتابعة من المثقفين، خرج رعيلهم الأول من عباءة محمد علي ومشروعه الكبير. لقد استطاع هؤلاء المثقفون العظام،  وعلى رأسهم رفاعة رافع الطهطاوي، أن يغيروا بالتدريج كل الأسس الفكرية المتخلفة للخلافة العثمانية، وأن يشيدوا بدلا منها منظومة فكرية تنويرية عصرية ومدنية ظللنا نعيش في نطاقها قرنا ونصف ا من الزمان، وأبرز ملامح هذه المنظومة هي:

  1. إحياء فكرة الوطن (مصر)، التي كانت غائبة تماما في ظل فكرة الخلافة العثمانية
  2. إدخال مبدأ الوحدة الوطنية والمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الحقوق والواجبات
  3. نفي وجود السلطة الدينية، يقول الإمام محمد عبده – تلميذ الطهطاوي – بوضوح : “لا يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس علي عقيدة أحد، وليس يجب علي مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به من أحد، إلا عن كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم.” وبذلك تم نزع أي قداسة أو صفة دينية عن أي حاكم بشري مهما كان لقبه، كما تم نزعها وبالمثل عن أي فرد أو جماعة أومؤسسة تدعي لها سلطة دينية من أي نوع.
  4. تحرير المرأة التي كانت في وضع أسوأ من الرقيق أو الإماء، والمساواة بينها وبين الرجل،
  5. الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية وحق التعليم للجميع.

================

هذه مقدمة أحسبها ضرورية بحكم التاريخ و بحكم الواقع الذي نعيشه، فالمبادئ الخمسة السابقة كانت و لا تزال في مرمى نيران قوى الظلام و أعداء التقدم من تيارات الإسلام السياسي ، و بسقوطها تسقط الدولة المدنية في مصر

ويعد موقف الطهطاوي من قضية تحرير المرأة هو الإطلالة الأولى للعقل العربي الحديث من منظور جديد على هذه القضية التي ظلت أسيرة لفكر العصور الوسطى حتى ظهور الطهطاوي و كتاباته. و قبل أن نعرض لهذه الأفكار، أرى أن أذكر هنا موقفا عمليا يجسد موقف الشيخ من  المرأة و يبن كيف – كمثقف – اتسقت أفعاله مع أفكاره. و يتجلى هذا الموقف في صيغة عقد زواجه من ابنة خاله التي ألزم فيها نفسه أن ” يبقى معها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة اخرى …. فإذا تزوج بزوجة أيا ما كانت، كانت بنت خاله بمجرد العقد طالقة بالثلاثة”

و يقيس الطهطاوي مقدار تقدم الأمم ورقيها والتزامها بالقيم الأخلاقية بمدى احترامها للمرأة فيقول: ” كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم و ظرافتهم، فعدم توفية النساء حقوقهن، فيما ينبغي لهن الحرية فيه، دليل على الطبيعة المتبربرة”

والمساواة بين الرجل و المرأة ، قضية محورية في فكر الطهطاوي. حيث يؤكد على المساواة الكاملة بين الذكور و الإناث في الصفات و الفضائل ” فهذه الفضائل من حيث هي فضائل إنسانية توجد في الرجال و النساء ،  حيث ان هذه الصفات ( مثل : الشجاعة و السخاء و العفة …الخ ) عامة في جميع أمم الدنيا و قبائلها و أحيائها و ذكورها و إناثها” كما يؤكد على أن الله  خلق المرأة للرجل ليبلغ كل منهما من الاخر أمله و يقتسم معه عمله”

وهنا تجابهنا نظرة المجتمع التقليدي المحافظ و نظرة الفكر الديني المعاصر المتسربلة برداء الدين و التي تعتبر أن المرأة قد خلقت فقط ” لملاذ الرجل ” و لعل الفتاوى التي تهبط على رؤوسنا يوميا تؤكد ذلك، و لكن الطهطاوي يرفض هذه النظرة رفضا تاما، لا لأنه يرفض دور المرأة في تحقيق ” الملاذ ” و لكن لأنه اعتبر هذه الناحية من متعلقات ” الأنوثة ” لدى المرأة و “الذكورة” لدى الرجل.

و يحتل تعليم المرأة مكانة محورية في مشروع الطهطاوي للتنوير و التحديث، باعتباره أساسا من أسس بناء الدولة المدنية و الديمقراطية في مصر، و يعكس اهتمام الطهطاوي بتعليم المرأة إيمانه بقضية المساواة بين الرجل و المرأة حتى أنه أفرد فصلا في كتابه” المرشد الأمين للبنات و البنين ”  بعنوان : “في تشريك البنات مع الصبيان في العلم و التعليم و كسب العرفان ”

و تعليم المرأة في نظر الطهطاوي له أهداف متعددة يأتي في مقدمتها بناء شخصية المرأة حتى تصبح من خلال ما تحصله من علم ومعرفة قادرة  على الإسهام بالرأي في شئون أسرتها و مجتمعها، كما يلفت النظر أيضا إلى ضرورة أن يتعلم البنات مع الصبيان في نفس المدرسة فيقول في كتاب المرشدالأمين: ” ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات مع الصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج فتتعلم البنات القراءة و الكتابة و الحساب و نحو ذلك. فإن هذا مما يزيدهن أدبا و عقلا و يجعلهن بالمعارف أهلا و يصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام و الرأي”

و من أهداف تعليم المرأة عند الطهطاوي إعدادها للعمل فيقول: “تمكين المرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال و الأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها و طاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن و هذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة…و إذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء”

و تجدر الإشارة هنا إلى أن الطهطاوي كان مع حق المرأة في الحكم و الملك وألمح إليه بذكر أمثلة لعدد من ” النساء اللاتي تولين الممالك أصالة أو نيابة” عبر التاريخ القديم و الحديث مؤكدا على أن كلهن ” أحرزن حسن التدبير و الإدارة، و أقمن البراهين على لياقة النساء لمنصب السلطنة”

و هكذا نجد أن رفاعة الطهطاوي، قد حمل المرأة المصرية رؤى تجاوزت أفكار و تصورات مفكري التأثيم و التحريم منذ العصور الوسطى إلى يومنا هذا، و سوف تستمر المرأة المصرية حاملة بنفسها لواء حريتها و مدافعة عن حقها في التعليم و العمل و الحياة الاجتماعية الكريمة ولو كره الجاهلون.

============================

*العميد الأسبق لكلية الدراسات العليا للتربية -جامعة القاهرة

 

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب قراءة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش

  بين الفقد والفضح والنبوءة دراسة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش     فى ...

تعليق واحد

  1. رحمة الله عليك يا جدنا ..وشكرا لهذه المقالة د. سامى كما إعتدنا دائمًا