الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب :مأسسة الأخلاق فى أرض النفاق

د.سامى نصار *يكتب :مأسسة الأخلاق فى أرض النفاق

*****

“أرض النفاق” ، رواية، من تأليف الأديب الراحل يوسف السباعي. جسدها المبدع فؤاد المهندس ْ ومعه الممثل الكبير القديرعبد الرحيم الزرقاني في فيلم لا ينسى. وما يهمنا هنا هي تلك الفكرة الخيالية التي يقوم فيها عبد الرحيم الزرقاني بتصنيع الأخلاق والقيم وأنماط السلوك وتحويلها إلى حبوب، تكسب من يتناولها ما يشاء من فضائل أو رزائل حسب حاجاته واختياراته، وأهدافه في الحياة الدنيا، فهناك حبوب للشجاعة، وأخرى للصراحة ، وغيرها للنفاق..الخ.
وهذه الفكرة الخيالية التي مر على كتابتها أكثر من ستين عاما، وجدت من يحييها الآن على أرض مصر منشئا مؤسسة للأخلاق باسم “أخلاقنا”. ولن أخوض – كما خاض غيري – في السير الذاتية لأصحاب هذا المشروع الذي لم تتبين له معالم حتى الان. فكل من تحدث عنه من الداعين له، والعاملين عليه، والمرتزقين منه، لم يأتوا بجديد، وقالوا كلاما مكرورا سبق أن أتخموا مسامعنا به منذ أن تبوءوا مقاعدهم أمام كاميرات التلفزيون.
فهم يتحسرون على أحوال المجتمع المصري وعلى ما به من مشكلات أدت إلى وهنه أخلاقيا في العهود الأخيرة، ومن ثم لا حل ولا بديل إلا عودة القيم الأصيلة واسترجاعها، والتمسك بمبادئ المجتمع المصري ، الذي أصبح في حاجة إلى حبوب لتقوية أخلاقه، وسوف يتولى القائمون على مؤسسة “أخلاقنا” صناعة هذه الحبوب “الافتراضية” على طريقتهم لتعود للمجتمع صحته الأخلاقية، ويسير على الطريق المستقيم الذي يرسمونه لهم .
ونحن حتى الآن لم نعرف المضامين الأخلاقية لهذه المبادرة، بمعنى أنهم حتى الان لم يجيبوا عن السؤال الجوهري التالي: ما هي الصورة التي يريدون أن يروا عليها الشعب المصري؟ كما أنهم لم يصفوا لنا أنواع الحبوب التي سنتجرعها على أيديهم حتى نكون كيفما شاءوا لنا.
لقد سولت لهم أنفسهم وعقولهم أنهم يستطيعون أن يخدعوا الشعب، وأن يصرفوا انتباهه عن الأسباب الحقيقية لما يرونه “أزمة أخلاقية”. إن ما نراه من أشكال السلوك “اللا أخلاقي ” هو مظاهر للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها المجتمع المصري الان. فالظلم الاجتماعي الناتج عن عدم المساواة، والحرمان من الحقوق الأساسية في الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والحياة الكريمة يؤدي بالضرورة إلى حالة من الاضطراب الاجتماعي الناتج عن افتقاد المعايير(الأنومي) التي تنظم عملية التفاعل الاجتماعي، بمعنى أن القيم والمعايير السائدة على المستويين الفردي والاجتماعي تصبح على درجة من الوهن بحيث يسود الاغتراب واللايقين بسبب غياب الهدف والمثل. ويصاحب الظلم الاجتماعي،وجودا وعدما، ظاهرة الفصام الثقافي حيث توجد فجوة بين المثل والقيم الثقافية المعلنة، التي من المفترض أن تنظم عملية التفاعل الاجتماعي، وبين القواعد التي تنظم السلوكيات الواقعية في الحياة اليومية، مثل الإعلان عن الديمقراطية والحرية والطهارة والنزاهة والانتماء وحب الوطن واحترام القانون دون أن نجد لذلك أثرا في الواقع. وينتج عن الظلم الاجتماعي أيضا حالة من (التشظي الاجتماعي) الذي يتشكل في ظل غياب دولة المواطنة، من خلال عمليات الاقصاء والاستبعاد الاجتماعي للأقليات الدينية والطائفية والعرقية والجغرافية التي تشكل حول نفسها–بالتدريج- دوائر من الثقافات الفرعية تعلن عن حقها في الوجود، وتلجأ إلى التعصب بل ونفي الاخر، وقد يتطور بها الأمر فتتحول تدريجيا إلى ثقافة مضادة تحمل السلاح في وجه المجتمع ككل.
والأمثلة على ما ذكرت كثيرة نعيشها ونعايشها ونعانيها يوما بيوم، ويلعب الإعلام الذي سيطرت عليه جماعات رجال الأعمال والرأسمالية المتوحشة دوراخطيرا في تعميقها وإذكاء عوامل الاختلاف فيها، بحيث صارت الشاشات وشبكات التواصل الاجتماعي ساحات للاحتراب الداخلي، حتى بين الجماعات المهنية مثلما حدث بين الأطباء وأمناء الشرطة، و آخرها ما تفوه به شخص نكره مع مذيع مغرض جهول عن المرأة المصرية في صعيد مصر، فمذيع صنع الأزمة وآخر أخذ في تعميقها، ومن هنا تكبر كرة الثلج فتزيد أرباحهم ويخسر المجتمع.
هذا هو بيت الداء وجوهر الأزمة، إنه غياب العدل الاجتماعي وغياب دولة المواطنة، وهذا الغياب ينتج عنه بالضرورة حضور هؤلاء الذين يصنعون الأزمة، وأولئك الذين يمأسسون الأخلاق، والعكس صحيح أيضا. فحضور العدل ودولة المواطنة يعني غيابهم. إنهم حاضرون من أجل عرض مظاهر الأزمة، وتفسير ما يلحقنا من ظلم باعتباره من سوء أخلاقنا، وتسويغ التفاوت الاجتماعي بأنه “ناموس” الحياة. إنهم حاضرون كي يعلموننا كيف نكون مؤدبين ومطيعين، وقانعين، وطيبين ، فهذه هي ” أخلاقنا” التي سوف يصنعونها لنا في شكل حبوب افتراضية للقناعة والطيبة وحسن الأدب في مصانع مؤسسة الأخلاق الحميدة، ناسين أن مصر – بعد يناير- لم تعد أرض النفاق.

******************************************************************

عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

الانتلجنسيا الرثة والأصولية فائض القيمة الرمزي ” استعادة الماضي هي استعادة مخاتلة للحاضر ” – ...