الرئيسية / أخبار ثقافيه / احدث روايات محمود عبد الوهاب :كل الذى حدث(2)
الكاتب محمود عبد الوهاب

احدث روايات محمود عبد الوهاب :كل الذى حدث(2)

 


​فى صباح أحد أيام أكتوبر من عام 1981 نزل على من الفيلا وأغلق الباب وراءه ذاهبا إلى عمله. خرج من باب الفيلا الخارجى إلى الشارع ثم اتجه يمينا إلى حيث الجراج المحتل جزءا من الركن اليمين للحديقة الأمامية. فتح على باب الجراج ثم ركب سيارته الفولكس البيتلز ذات اللون السماوى الميتالك، وعندما أدار المفتاح لتشغيل السيارة وجد المفاجأة فى انتظاره. المحرك لا يدور بسبب أن البطارية “نايمة”.
يحاول على كثيرا بإدارة المفتاح مرة واثنتين وثلاث، مع بعض الضغط على دواسة البنزين، آملا أن تستيقظ البطارية من نومها فلا تفعل. بل تكون النتيجة أن يحدث ما يسميه “الميكانيكية” بأن العربية “شرقت”. وهنا تبدأ أحداث الصباح.
​يرجع على الغريانى إلى الفيلا ثانية ويدخل الممر الواصل بين الشارع والباب الداخلى الخاص بنا، يصعد درجات السلم الست ويقف فى مدخل البيت المواجه للباب مباشرة ثم يبدأ فى المناداة على.
​أكون أنا نائما فى سريرى نصف مستيقظ، مترقبا فى الواقع لمناداته على. فأنا أعلم أن إحتمالات نزولى لمساعدته فى دفع السيارة حتى تدور كبيرة.
فى العادة كنت أرد فورا وأنزل إليه وأظل أدفع السيارة وأنا سعيد بممارسة رياضتى الصباحية تلك. أقفز من السرير وأرتدى فى ثوان بنطلونى الجينز ماركة “إف يو إس” والجاكيت “الووتر بروف” فوق كاجيت البيجاما وأى شىء قى قدمى وأخطف السلالم جريا إليه.
لا يعنى هذا أنى لا أكون ناقما عليه، فلماذا لا يصلح السيارة؟ وماذا لو كنت غير موجود. ماذا كان سيفعل؟ وبسبب هذه النقمة كنت أحيانا أمثل دور “غير الموجود” فعلا. أدعى الاستغراق فى النوم ولا أقوم إلا عندما يعلو صوته إلى ما يشبه الصراخ وهو ينادى على. كنت وقتها أحن إليه وأخجل من نفسى كيف لا أساعده فى هذه المشكلة، وكيف سيذهب إلى عمله إذا لم تدر السيارة؟
​فى كل الأحوال كنت أنزل وأظل أدفع السيارة معه من الخلف بينما يدفعها هو أيضا بيد واحدة ضاغطة على مقود السيارة بينما اليد الأخرى تمسك بالباب المفتوح، استعدادا للقفز داخل السيارة فيما لو أعطت إرهاصا بأنها ستدور. وعندما تفشل المحاولة ونكون قد إنزلقنا بالسيارة إلى المستوى المنخفض من أسفلت الشارع والذى يقع أمام عمارة عم دسوقى يبدأ الجزء الأصعب. فيكون على دفع السيارة إلى الخلف ومن مستوى منخفض إلى مستوى مرتفع حتى نعاود الكرة.
فى معظم الأحيان تدور السيارة، فيقفز على فيها ويغلق الباب وينطلق إلى عمله فى ذلك المبنى المطل على البحر، والواقع بعد فندق سيسل بناصيتين، فيما أصعد أنا إلى الفيلا ثانية وأحاول استكمال النوم خاصة إذا كان الجو باردا، أو أنتظر خالتى إلى أن تستيقظ ربما فى العاشرة وحينئذ يبدأ إفطارنا.

​فى بعض الأحيان الأخرى أكون على موعد فى الكلية، وبدلا من أن أركب الترام البطىء، أو أركب سيارة سرفيس وهى التى يطلق عليها فى الإسكندرية “المشروع” والتى تتسبب بإصابتى فى بعض الأحيان بدوخة واختناق بسبب عدم التهوية، أو أركب تاكسيا وهو ما يزيد العبء على ميزانيتى، فإننى كنت أجهز نفسى للنزول مع أنكل على ليوصلنى أمام تمثال “السلسلة” على الكورنيش وأقوم أنا بالوصول للجامعة.
كانت هواية التصوير فى بداياتها الأولى معى، حينما أهدانى إبن عمتى “محمد دراز” كاميرا خفيفة مكافأة لى على نجاحى فى الثانوية العامة، وكان دراز قد اتصل من أمريكا حيث يعيش، وقال لأبى إنه عائد فى إجازة، وطلب سؤالى عما أريد كهدية من أمريكا، لا أدرى كيف خطرت مسألة الكاميرا فى بالى، ولا أذكر حتى أى موضوع يتعلق بحبى للتصوير قبل فترة الجامعة.
ومن ناحية أخرى فأنا أفكر كيف اتصل محمد من أمريكا فى تلك الفترة؟ هل كان التليفون قد وصل منزلنا؟ ما أعرفه هو أن التليفون كان قد وصل زيزينيا بسنوات طويلة قبل أن يحضروا فى يوم سعيد ويركبوه عندنا، أقصد فى بيت أبى.
وبناء عليه، فإنه من الممكن القول بأن دراز ربما كان قد أرسل خطابا بهذا الشأن ورد عليه أبى. وسواء كان الأمر، فإن الهدية قد وصلت. والهواية قد بدأت.
وفى ذلك اليوم من أيام أكتوبر، وعندما ركبت مع على، فإنى لم أشأ أن أذهب إلى الجامعة، بل ذهبت معه إلى مكتبه، ومعى الكاميرا الأولى التى امتلكتها فى حياتى.
ركن على السيارة فى الشارع المتعامد على البحر، ونزلنا منها، وتنسمنا رطوبة هواء الإسكندرية فى الخريف، ثم صعدنا إلى المكتب المطل مباشرة على الكورنيش.
طلب على لى إفطارا، وجاء به الساعى بسرعة ملفتة، أخذنا نأكل ساندويتشات الفول والطعمية بتلذذ، ثم جاء الشاى لى والقهوة لعلى. وجلست معه قليلا ثم أخذت أتأمل المنظر من الشباك الكبير.
لا أعتقد أن هذا المنظر قد تغير كثيرا فى هذه الأيام عما كان عليه منذ ثلاثين عاما إلا شهورا بسيطة، فأنا أعتقد بأنه إذا نظر أحد من نفس الشباك الآن، فسيجد نفس الكورنيش فى منطقة محطة الرمل أمام الميناء الشرقية، باستثناء تغير موديلات السيارات.
لم تتم توسعة هذا الجزء من الكورنيش لاعتبارات دولية، وهى تتمثل فى وجود الاسكندرية الرومانية تحت هذا البحر. وجود المدن، والبيوت، التى كان لأصحابها فيها ذكريات أخرى غير ذكرياتى هذه. ناس عاشوا هنا من قبل، وامتلكوا الأماكن ذاتها.

وإنى أتساءل أحيانا بشىء من التعجب، عما إذا كان شعورى هذا صادقا، بملكيتى الحقيقية لأى شبر لمسته من الاسكندرية؟ أم أنه من المحتمل أن يكون هناك من بين هؤلاء الناس، من يريد أن ينازعنى عليه، ولكنه لا يستطيع، فقط لأنه ميت.


———————————–

​ذات ليلة من ليالى الربيع عام 1976 كنا فى بيت أبى. الثلاثة إخوة والأم والأب، وكانت هناك مشاجرة بين الأبوين لسبب مجهول وسيظل كذلك. لكن المثير فى الأمر أن أمى ظلت تبكى فى فى حجرة نومها حتى الساعة الثالثة والنصف صباحا. كان بصوتها نواح لا يحتمل. وظللت طول الفترة مستيقظا فاقدا القدرة على النوم. كان صوت أبى يأتى غير مفسر، لكنى كنت أعلم أنه يقول الكلام الذى يؤذى أمى بطبيعة الحال.
بدأت تتبلور فى ذهنى الفكرة. سأسافر إلى القاهرة أطلب العون من جدتى لأمى. كان أبى يحبها حبا جما ويعطيها أقصى درجات الاحترام ولا يستطيع أن يرفض لها طلبا أو يحدثها بطريقة ليس فيها الاحترام الكامل.
​قمت من السرير وأخبرت أخى الأوسط بما انتويت عمله. بدأت أفتح باب الدولاب لأخرج بطاقتى التى كانت بالكاد صدرت فى نفس العام. لم أفلح بأى طريقة فى فتح الدولاب بهدوء. كان صوت المفصلات عاليا وأنا أعلم ذلك. ظللت حوالى ربع الساعة محاولا فتح الضلفتين بهدوء لكنى لم أستطع فعل ذلك أبدا.
​لم يكن هناك بد من أن أخرج بلا بطاقة. وفعلت. الشىء المدهش الاضافى فى هذا الموضوع أنه لم يكن معى نقود لأسافر بها إلى القاهرة. خرجت من باب المطبخ المؤدى إلى سلم الخدم ومنه إلى الشارع. قطعت المسافة من بيتنا إلى محطة سيدى جابر ماشيا بين قضبان الترام. وصلت المحطة فعبرت النفق الصغير إلى محطة السيارات “البيجو” الذاهبة إلى القاهرة. أخبرت أحد السائقين بأنى أريد أن أسافر للقاهرة. سألنى:
– معاك بطاقة؟
– لأ
– فين بطاقتك؟
– لسه ما طلعتهاش
​بان على السائق التردد لكنى لم أكن قد سمعت كلمة الرفض بعد. أخبرته أيضا بأنى لن أدفع الأجرة فى الموقف عندما نصل لأنه ليس معى نقود، بل إنى أطلب توصيلى لمنزل أهلى وحينئذ سأصعد أحضر له الأجرة.
​رفض الرجل رفضا قاطعا وتابعه بقية السائقين الذين سألونى عن سبب تواجدى فى مثل هذه الساعة بمفردى وبلا نقود. اضطررت إلى ذكر الحقيقة وكان أملى أن يؤدى هذا إلى كسب تعاطفهم إلا أن هذا لم يحدث. فى النهاية اضطررت إلى العودة من حيث أتيت. عبرت النفق عائدا إلى محطة سيدى جابر، وبدأت آخذ طريقى عائدا إلى حيث لا أعلم، وهنا انقض على مخبران. واقتادانى إلى قسم سيدى جابر.
فى الطريق كانا قد عرفا كل شىء عن سبب تواجدى فى ذلك الوقت فى ذلك المكان، ولذلك فعندما ذهبنا إلى القسم وفتحوا لى غرفة الحجز التى سأمكث بها حتى الصباح. قالا لشخص ما بالداخل:
– ما تضربوش ده ابن ناس
​فى الصباح تلقيت من الضابط توبيخا شديدا واهانات متوسطة الحجم، وتوعد إن رآنى لمرة ثانية فى القسم بأنها لن تمر مرور الكرام. مشيت وأنا شاكر له فى داخلى.
​لعبت الفيلا فى ذلك اليوم دورا فرعيا لصالحى، وذلك عندما عدت إلى بيت خالتى بدلا من العودة للبيت. وصلت إلى الفيلا. دخلت من الباب الأخضر. وعندما وصلت إلى بابنا نحن. الباب البنى. لم أدخل. ولم أضغط على الجرس. فكرت فى ذلك، ولكنى رغبت فى جعل الأمر بالنسبة لأبى أكثر صعوبة. كنت متأكدا أن أبى سيحضر.
​تحت النافذة التى ستصبح –فيما بعد- نافذتى، يوجد مربع من البلاط كان فى الأصل جزءا من الحديقة التى تخص الدور الأرضى، اقتطعه زوج خالتى وأضافه لمنطقتنا، بهدف الحصول على البدروم واستخدامه مادامت “أوجيت” لن تستفيد به فى كل الأحوال. وافق على الغريانى على زيادة قيمة الايجار والحصول على البدروم.
​يوجد البدروم فى طرف ذلك المربع، وأسفل مبنى الفيلا بالطبع، قبعت فى مدخله الذى يوجد أسفل مدخل الباب البنى حيث وصل أبى، وللدهشة كانت معه أمى. طرقا الجرس وانتظرا إلى انفتح الباب ودخلا.
​الدهشة التى أصابتنى أنا كانت بسبب أنى سمعت أبى وأمى يتحدثان بطريقة عادية جدا، ليس فيها أثر من آثار الأمس. لم أفهم وقتها. ولكنى كنت متأكدا من أنى فعلت فى أبى فعلة كبيرة، فما عساه فاعل هو؟
​لم أكن أعرف ما الذى سوف أفعله فى الخطوة القادمة، انتظرت ربما ساعتين أخريين جالسا على سلالم البدروم، مرتاحا لمجرد أنى متأكد من أن أبى لا يعرف مكانى فى تلك اللحظة، ولابد أنه الآن يشرح لخالتى ولزوجها ما الذى فعله لكى يؤدى بى إلى هذه النتيجة.
فى النهاية قررت الصعود. خرجت من مدخل البدروم وصعدت سلالم البيت وضغطت على الجرس.
كان أبى يجلس على طرف الكنبة الخضراء وعندما رآنى أخذنى فى احتضان يسير وقبلتين على الخدين ثم تركنى. كان معنى هذا السلام من أبى أن الأمر قد انتهى برمته وأنه لن يحدث نقاش فى هذا الأمر ثانية، على الإطلاق.

وبعد خمسة وثلاثين عاما من هذا اليوم أحدث أمى فى الأمر وأسألها ما الذى كان سبب الخناقة الكبيرة بينها وبين أبى. فتجيبنى بأنها لا تعرف. تقصد إنها غير متذكرة للأمر برمته.

————————–

​كان من حظ أخى الأوسط أن أقام فى زيزينيا فى فترة الطفولة، بينما أقمت أنا فى فترة الشباب. كانت حضانة “الراعى الصالح” التى ألحقوه بها تقع فى سان ستيفانو وكانت بهذه الطريقة أقرب جدا لزيزينيا منها إلى بيت أبى فى السراى. ربما كان هذا هو السبب الأول لانتقاله إلى بيت زيزينيا، أما السبب الثانى ولا شك فكان حاجة خالتى وزوجها إلى وجود الأطفال. كونهما لم يرزقا بأولاد.
​كانت المشكلة لدى خالتى، فقد كانت تحمل ثم يسقط الحمل، حصل ذلك حوالى ثلاث مرات. يئست بعدها من تكرار التجربة، أو ربما كانت كبرت فى السن. فانتهى الأمر بأخى وهو بعد فى الحضانة إلى بيت زيزينيا.
​لا أقصد أن ألوم أبى على شىء. فقد فعل الرجل كل مافى وسعه لتربية أولاده حسب امكانياته وثقافته. كما أننى –بالأحرى- لا أستطيع أن ألوم أمى على شىء، فقد كافحت أيضا ولا شك من أجل تربية ثلاثة أولاد. وبمرتب عادى من مرتبات الحكومة، مهما ارتفع المسمى الوظيفى. حيث كانت أمى رئيسة مكتبة فى إحدى كليات الاسكندربة، بينما كان أبى مديرا عاما فى مديرية الاسكان والمرافق بدمنهور، وكان القطار هو وسيلة ذهابه إلى عمله وعودته منه.
​لكن لم يكن هذا هو الاختلاف، بين أبى وزوج خالتى أو بين أمى وخالتى، فإذا بحثنا عن التعليم فسنجد أن أمى قد حصلت على شهادة جامعية لم تحصل خالتى عليها، لكن ما قيمة مثل هذه الشهادة أمام خبرة الحياة؟ وموهبة الخالق؟
​أبى أيضا كان حاصلا على شهادة متوسطة أو أعلى من المتوسطة، ربما كان اسمه المعهد العالى للفنون التطبيقية، وزوج خالتى كذلك كان حاصلا على شهادة ربما من المعهد العالى لهندسة الطيران بامبابة. ذلك لأنه عمل كطيار تجاري فى بداية حياته، قبل أن ينتقل إلى العمل المكتبى فى شركة مصر للأقطان، ربما بسبب النظر أو ما شابه.
​ما أريد أن أقوله هو أن تجربة أخى فى طفولته فى زيزينيا أضفت على شخصيته فى ذلك الحين شيئا أشبه بالنعومة والرقى، فى الوقت الذى لم تتوفر لدينا، أنا وأخى الصغير، نفس هذه الرفاهة فى الامكانبات والأهم: الرهافة فى التعامل والتربية.
​كنا نتزاور بطبيعة الحال، ربما يوم الخميس، يأتون إلينا أو نذهب إليهم. أكثر المرات كانوا يحضرون هم. وفى تلك المرات الكثيرة كان باكوات الشيكولاتة الكورونا تظهر من شنطة طنط بطة على الفور، ثم فيما بعد انضمت إليها مجلة تان تان وتغير ميعاد حضور طنط بطة من الخميس إلى السبت.
​وكان أخى ينضم إلينا على الفور فى غرفتنا نلعب سويا. وفيما بعد، عرفت منه، أنه كان يشفق علينا عند مغادرته لمنزلنا. منزل أبيه. من الجو العام الذى كان يهيمن على المنزل بسبب تربية أبى القاسية.
​أما فى المرات التى كنا نذهب إليهم فكنت أرى أخا جديدا هناك، طفل لديه ألعاب ليست لدينا، ويلبس الروب الصغير البنى و”الكتانلة” عند مقابلته لنا. بينما نلبس نحن شبشب المنزل العادى عند مقابلتنا لهم. ليس لدينا روب ولا “كتانلة” مثله. ينام فى وقت محدد. يتعشى قبل النوم بوقت كاف. يغسل أسنانه ويقبلنا جميعا ويلقى علينا تحية المساء قبل ذهابه للنوم. شعره مصفف بعناية وناعم لونه بنى. بينما كان شعرى أسود اللون أجعدا.
​استمر أخى فى الاقامة فى زيزينيا ربما حتى العام الثانى من المرحلة الابتدائية، ويقول هو إن فاطمة وعلى كانا يوصلانه إلى المدرسة صباحا بجانب بيتنا، ويعودان وقت الظهر لاستلامه منها، وفى بعض الأحيان كان يجىء إلينا فى منزل أبى إلى أن تحضر فاطمة أو على لاستلامه فى المساء.
​وفى يوم من الأيام جاء ميعاد عودة أخر النهائية إلى منزلنا، جمعت له فاطمة ملابسه وأروابه الجميلة وكتبه وجميع أشياءه من زيزينيا، وأتت به إلى السراى. أخذ يسألها عن السبب فى هذا التغيير الجذرى، فأخذت تقول له أشياء محببة عن مزايا سكن الإنسان مع أمه وأبيه وإخوته. ولم يكن هو مقتنعا بأى حال من الأحوال.
​وصلوا إلى منزلنا وعندما انتهت السهرة سلمت علينا طنط بطة وأنكل على، قبلتنى وأخى الأصغر، ثم قبلت أخى الأوسط فتعلق بها، وبعد شد وجذب فصلوه عنها، فغادرت “أودة القعاد” إلى الصالة ومنها إلى الطرقة المؤدية لباب الشقة وهو يبكى ويصرخ وأبى يضربه لتقويمه. أنا لا أتذكر المشهد جيدا، وبالتأكيد لم أر فاطمة وهى فى السيارة مع على عائدين إلى منزلهما، ولكنى أستطيع أن أخمن ما كانت تفعله.

​وهناك فارق كبير يسهل تذوقه بين زيزينيا الطفولة وزيزينيا الشباب. بين ذلك البيت الساحر الذى كنت أدخله صغير مع أبى وأمى، ولا أمكث فيه إلا بضعة ساعات، أو فى أحسن الأحوال بضعة أيام فى الصيف، وبين ذلك البيت الآخر الذى عشت فيه ست سنوات فيما بعد.
بين زيزينيا أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وبين تلك التى عرفتها بوجه أكثر تطورا واتساعا فى أوائل الثمانينيات.

​مات جمال عبد الناصر عام 1970، فجعلوا الواجب المدرسى فى حضانة الراعى الصالح أن يكتب الأطفال العبارة التالية ” عاش بطلا ومات بطلا” فى ثلاث صفحات متتالية. وكتبها أخى ثم وجد صورة ورقية لجمال عبد الناصر فى المنزل على غلاف إحدى المجلات، فأمسكها بيده وظل يمشى فى المنزل بينما يشوطها بقدمه قائلا:
– عاش بطلا ومات بطلا
أما أنا فقد كنت فى الطابور الصباحى فى المدرسة حينما أعلنت الإذاعة المدرسية تعطيل الدراسة لمدة ثلاثة أيام حدادا على وفاة الزعيم. فسمعت كلمة جاءت من خلفى قالها زميل فى الطابور:
– يارب يموت كل يوم.

​تعطلت الحياة كلها فى مصر، وانتقلت أمى وأبى إلى زيزينيا للإقامة فى الأيام التى تلت الوفاة. كانت أمى لا تتوقف عن البكاء، واحتبس صوتها ومرضت فى الأسبوع الذى أقامته مع خالتى. أما أنا فكنت أتنقل ما بين التليفزيون “الباى” الأبيض والأسود، والشرفة، حيث أقف أنظر باعجاب يخالطه شعور بالهيبة، إلى الشجرتين المخروطتين العملاقتين، اللتين تمتدان من أرض الحديقة الأمامية فى جزئيها الأيمن والأيسر، إلى الفضاء العالى، تعلوان الشرفة بكثير، وتشكل فروعها المستقيمة والمنتظمة الطول والعلو، حلقات دائرية مرعبة الجمال.

​ستسقط إحدى هاتين الشجرتين على سور بلكونة فاطمة بعد سنوات أثناء قطعها، ربما بسبب توغلها فى المكان، وبالرغم من الحرص الشديد الذى صاحب عملية قطعها، وربطها بالحبال، ستتسبب الشجرة عند ملامستها لسور بلكونة فاطمة فى شرخ رخام السور، وسيبقى هذا الشرخ إلى النهاية.
بعدها سيقطعون الشجرة الثانية للحفاظ على التوازن الهندسى فى الحديقة، وسيصير مكان الشجرتين جذعان ضخمان، سيبقيان شاهدين على زيزينيا الستينيات حوالى خمسة عشر سنة أخرى، إلى أن أقوم أنا باقتلاع أحدهما بمشقة بالغة، وزرع شجرتى الخاصة بى. شجرة البونسيانا، التى ستبقى شاهدة على حبى لزيزينيا، حتى يقتلعوها بعد عشرين سنة أخرى، وهم يهدمون الفيلا.

***********

روائى مصرى

الجزء الأول http://hwamsh.net/2016/01/احدث-روايات-محمود-عبد-الوهاب-كل-الذى-حدث

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...