الرئيسية / أخبار ثقافيه / المترجم المغربى د.جواد رشدى يقدم نصا جديدا حول :الواقعية الرأسمالية
د.حواد رشدى

المترجم المغربى د.جواد رشدى يقدم نصا جديدا حول :الواقعية الرأسمالية

الواقعية الرأسمالية

إِغناسيو إِتْشِبَرِّيا

Ignacio Echevarría

ترجمة د. جواد رشدي(النص الأصلي باللغة الإسبانية)

====

حدث خطأ عند تدويني لإحدى العبارات الشيء الذي جعل معنى إحدى الجُمَلِ التي استشهدت بها تبدو غامضة في عمودي الأخير. أعدت هذه المرة صياغة الجملة بشكل سليم:” الأشياء تنتهي دائما بشكل جيد. و إذا لم تنته كذلك هذا يعني بأنها لم تنته”. قررت أخذ هذا التصريح المتفائل و البليد بجدية وهكذا سيتأتى لي بأن أخلصه من بعض العواقب. الآن تحديدا يمكننا القول بأننا ورثة تقليد ثقافي لا يسمح بأن نقوم بمثل هذا الشيء: التطلع نحو المستقبل محملين بشرور الحاضر. وماذا بعد إذن؟

لقد مرت عشريات على تعميم فكرة أن التاريخ انتهى ببساطة وبأن النقاش انصب حول مسألة ما إذا كان قد مر بشكل سيء أم جيد. من هنا تبتدأ الجملة التي قصدتها عند البداية، بكل عبقها الذي هو دليلي في الفهم. فتلك الجملة تظل قابلة أن تقرأ سياسيا وهذا ما فعلت في عمودي السابق الذكر بطواعية وبشيء من عدم الإمتثال المضمر للخيال الشعبي حيث بقيت مترددا بأن أقبل بأن الأشياء ستنتهي بشكل سيء.

أحد الأسباب الكامنة وراء نجاح الرأسمالية تكمن في القدرة على إعطاء كل فرد انطباع خاص بكونه لا يمتثل في دواخله لشيء معين وبأن هذا الأمر يعطيه اقتناعا في كونه يتوفر على المؤهلات التي تجعله، قادرا، في كل ما يخصه، على أن يفهم بأن الأشياء ستنتهي بشكل جيد. لقد تَوَغَّلَتْ جُمْلَةُ: “الإنسان يصنع نفسه بنفسه”(self made man) في أعماق وعيه بالمواطنة والتي في غضون ذلك لم تعد تهم المشروع الجماعي للتحرر.

خلال سنوات الثلاثينات، انتشرت شاشات السينما التي تبث كائنات مخيفة مثل كنغ كونغ. هذا الإنتشار جعلها تُؤَوَّلُ من طرف المحللين مثل أدرنوAdorno  باعتبارها:”بث جماعي للحالة المخيفة في وضعها الشمولي”. أمام هذه الأشياء المرعبة لم تجد الجماهير من إمكانية سوى الإستعداد “بالتعود على هذه الوجوه العملاقة”، مؤشرات سينما الخيال العلمي الجديدة تصور ـ كما حدث بشكل مفارق في “الأفاتار” Avatar” ـ لنا مستقبلا حيث تلعب الإنسانية دورا سلبيا بالتأكيد( فهي مسؤولة كما تقدم على أضرار بالكوكب وعلى تصدير القوة التدميرية نحو عوالم أخرى)، والذي يسمح لها بالتكهن بعدم التصديق المعمم بخصوص إمكانيات تدارك الناس لما فعلوه من أجل التكفير عن شرورهم.

كما سبق أن أوصيت به في عمودي السابق، فإن البعد الطوباوي لا يجب الإنتقاص من شأنه، خلال سنوات ما بين الحربين. فهو الذي يكمن وراء دفع القيمين على الصناعة الهوليودية نحو إعادة كتابة القصص ذات النهايات التراجيدية حتى أصبحت ذات نهايات سعيدة. هكذا قد يحدث في الميدان المتعلق بالميلودراما وقبل ذلك بكثير وبشكل أقل في السينما الملحمية.

بالموازاة  مع ذلك  حدث في الفترة  الحديثة  لقيام  الإتحاد السوفياتي  أن تم  تجريب  كتابة  سينمائية وأدبية تطرقتا لمسألة بناء مخيال قادر على الترويج للقناعة التي مفادها أن الأشياء تنتهي بشكل جيد في ظل نظام جماعي. هذه المحاولة كان لها الأثر الأكبر على اليومية الماركسية التي استلهمت الفكرة. هذه اليومية حصلت على جزء مهم من الدعم الذي أفضى إلى علمنة الإعتقاد القديم الذي مفاده أن التاريخ له نهاية سعيدة.

الضجة الكبيرة التي أحدثتها ما يسمى الواقعية الإشتراكية تلتقي عادة مع ما يسمى “اشتراكية الواقع”  لكن ذلك لم يطرح فكرة إلى أي حد سيكون لإحداها أثر أو معنى. أريد أن أقول من جهة إذا حدث أن كان الأمر بديهيا و بأن القليل أو لا شيء أمكنه انتظار جمالية مفروضة رسميا من طرف بيروقراطية الدولة التي عرفت لحسن الحظ جنون الإرتياب، سيكون من الجدير الأخذ بعين الإعتبار مسألة كون الشر والإقتراحات المتعلقة بهذه الجمالية نفسها ـ بناء مخيال جماعي هو المُحَمِّسِ بشدة ـ تسببا في اهتزاز فرضياتها بدءا باستعادة مفهوم الواقعية بتعابير مقيدة بشكل يثير الشفقة.

أتساءل بعد قرن من الزمن، إلى أي حد ستستمر هذه التعابير المتعلقة بهذا المشكل هي نفسها التي تتردد؟ ما هي الشروط التي تنقص الخيال و التمثيل المقنعة إلى حد ما في عالم متميز عن ذلك الذي نعاني منه؟

تُعَدُّ من بينها على الأرجح قدرة إعطاء مصداقية لواقعية تنتقص من منطق الرأسمالية. هذا الأمر يقتضي أن تكون الأورق قد تم الإلقاء بها وبأن كل تجربة التحول الإجتماعي التي تقود حتما نحو جهنم (أو نحو دائر جهنمية أقل من تلك التي نتواجد بها) وبأن مخططا شخصيا يجعلنا نحلم ـ فقط نحلم ـ بنهايات سعيدة. بقي أن نقول بأن التطلع نحو المستقبل يظل بعيدا عن المطالب الإيكولوجية التي تنشدها  فصيلة من فصائل الكائنات الزرقاء شديدة الشبه بالإنسان.

 

————————————————————–

-Realismo capitalista, in El cultural, Madrid, Ed. Prensa Europa S. L.,11-17 de diciembre de 2015, p. 31

=======

لمراسلة المترجم والشاعر والأكاديمى المغربى

jrouchdi@gmail.com

      

 

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...