الرئيسية / هوامش فلسفيه / د.أحمد يوسف سعد يكتب :مسار تفكيك العقل المصري
د.أحمد يوسف سعد

د.أحمد يوسف سعد يكتب :مسار تفكيك العقل المصري

منذ منتصف السبعينيات –  وبغض النظر عن الظروف والعوامل السياسية والاجتماعية المحيطة والتى دارت ولازالت تدور حولها أحاديث كثيرة – بدأ تفكيك العقل المصري (إن صح التعبير) على يد دعاتنا المخربين، وبتواطئ من الدولة بأجهزتها، ليدخل بعدها مجتمعنا حالة اللامعيارية التى تقترب من وصف الانهيار، وقد سار هذ التفكيك وفق هذا التسلسل:

  • احتكار الفضاء العام والشروع فى نقل وعى الناس من اعتبار الدين جزء من الحياة إلى اعتباره كل الحياة، حيث شهد هذا الفضاء تراجعاً تدريجياً فى مساحة اهتمام الناس بالفن والثقافة والعلم، مقابل تنامي عملية تديين كل مظاهر الحياة، وتنوعت منصات انطلاق الدعاة والوعاظ ما بين أشرطة الكاسيت مروراً بالكتيبات وبعص صفحات الصحف، وشاشات الفضائيات، وتكايا الزوايا…الخ  وانهمك الوعى الشعبي فى دوامة من التدين اللاعقلاني، فكان الحديث بين الناس يبدأ حول الكرة أو السياسة أو التعليم أو الطعام أو المال وينتهي بحديث أو آية أو فتوى حول موضوع الحديث، وفى الوقت الذى تم فيه تهميش نماذج القدوة من بين المعاصرين  فى مجالات العلم أو الفن أو الثقافة أو السياسة، حلت محلها نماذج قدوة تراثية عتيقة (فالبطولات والأخلاقيات والمثل مرتبطة بحوادث بسيطة مرت بها هذه النماذج  فى التاريخ القديم) ثم كانت موجة فتاوى تحريم وتكفير الفن والفنانين، والثقافة والمثقفين، والعلم  والعلماء، كل ذلك والدولة بأجهزتها تبدو مستسلمة لا تقاوم أو تصحح أو تقدم بدائل متوازنة، فهاجر الناس إلى دار الإفتاء، وفضائيات الشيوخ، وداخل الزوايا والمساجد، بحثاً عن حلول لمشاكلهم اليومية مهما كانت درجة تفاهتها، وانهمك الناس عن شئون الدنيا بطقوس الاستعداد للآخرة، واختفت معايير الحكم على الناس من منظور ثقافتهم أو تعليمهم أو إنتمائهم الفكرى مثلاً، مقابل هيمنة معيار التدين ودرجته، إلى آخر هذه المظاهر التى تعكس تراجع قيمة العلم والثقافة والفن بالوعي الشعبي – وقطاع من أشباه المتعلمين – والدوران حول كل طقس ديني باعتباره الغاية والوسيلة، وطوق النجاة، والحل لكل المشاكل.
  • اختزال الدين فيما يقدمه الدعاة الجدد المعممين والملتحين ومرتدي الجينز ، وهم دعاة اختلفوا عن دعاة الماضي القريب فى شكل الخطاب ومضمونه، وذلك على النحو التالي:
    • على صعيد الشكل، كان المصريون ينصتون لدعاة الماضي بأحاديثهم الهادئة الوقور التى تنتهى بجملة الختام الجليلة التى تعكس حكمة وتواضع العلماء ” هذا والله أعلم” ليتركوا باب الاجتهاد وإعمال العقل مفتوحاً دائماً، وأصبح المصريون أمام دعاة جدد يتحدثون فيما يشبه اليقين المطلق، ويطلقون حناجرهم فيما يشبه التهديد والوعيد، يحكون الوقائع التراثية كأنهم عاشوها، ويتحدثون عن الله وعن رسوله كأنهم المهتدين المعتمدين لدى الرب، يصدرون الأحكام والفتاوى فى حسم باتر لا يُقاوم، ويقدمون بسطحية أحكاماً عامة كاسحة لا تُناقش ولا تُفسر فى سياقها التاريخي، يطبقونها على وقائع معاصرة أنتجها سياق مغاير، لا يحفزون المتلقى على التأمل والتفكير، بل يأمرونه بالتسليم والطاعة، باختصار استخدموا كافة أدوات تخريب العقل المتأمل المتفكر، ليصنعوا جمهوراً من مسلوبي الإرادة الذين يتلقون الأوامر والنواهي واتهامات البعد عن الدين فى صمت العجزة، أو عجز المقهورين.
    • ومن ناحية المضمون ارتكزت خطابات الدعاة الجدد، وهم يسعون عن قصد، أو بدون قصد لتفكيك العقل المصري وتشتيته، على أربعة محاور، أولها اختزال صورة الذات والهوية فى عنصر الدين، وما ترتب على ذلك من تفكيك لصورة الوطن متعدد الأديان، والهوية متعددة الروافد، وثانيها التأكيد على فكرة العجز الإنساني عن مواجهة المصير أو تقريره، وتضخيم صورة القدر الذى لا فكاك منه، والتأكيد على أسبقية المصير وحتميته على الوجود الإنساني، وما يترتب على ذلك من تفكيك لفكرة إمكانية السيطرة النسبية على الأحداث بالعلم والمنطق والإرادة، وثالثها تحميل الناس الذنب فى تردى الواقع المعاش وتدهور أنماط حياتهم، بسبب بعدهم عن الدين وعدم مراعاتهم للرب، بما يعنى اسقاط التهمة عن الحكم الفاسد المستبد المسئول عن صناعة هذا الواقع، وتفكيك فكرة مقاومته داخل الوعي الشعبي، كذلك اعتبار الكوارث التى تحدث للفرد هى تطهير رباني له من الذنوب، بما يجعله راضياً قانعاً عن واقع بائس، بل واعتبار محاولات تغييره كفراً بواحاً، ورابعها صناعة الخصومة مع الغرب (الصليبي) وما يقدمه لنا من منجزات علمية وتكنولوجية، وترويج فكرة عدائه للإسلام والمسلمين، بما يؤدى إلى صناعة وعي شعبي مناهض للحضارة المعاصرة  والانكفاء على الذات البائسة والواقع  التعس، وأيضاً  إلهاء نفس الوعي عن التفكير فى الأعداء الحقيقيين للوجود الإنساني ممثلين فى الفقر والجهل والظلم الاجتماعي ..الخ
  • كان من نتائج كل ما سبق جملة أعراض تمثل بعضها فيما يلى:
  • التحول من شكل المجتمع إلى شكل التجمعات، أو من حالة العقل الجمعي إلى العقول الفردية، حيث اختفت المعايير الجماعية الحاكمة لما ينبغى وما لا ينبغى، وللأفعال وردود الأفعال، وأصبحنا أمام معايير فردية، وتحول الناس من شكل الكتلة إلى ما يشبه الذرات المتنافرة.
  • بعد أن كان جوهر الأخلاق هو الالتزام بقواعد المجتمع وقوانين الدولة، أصبحنا أمام أخلاق موازية نسجتها الفتاوى السطحية للوعّاظ الجدد، أخلاق فردية لا اتفاق حولها “فنفس السلوك حلال فى فتوى هذا وحرام فى فتوى ذاك، ومكروهاً عند الثالث” فكانت العشوائية والتناقضات هى السمة الغالبة فى تصرفات الأفراد.
  • وجود هياكل بديلة للهياكل المجتمعية المعتادة، والدعوة للهجران إليها، فالطب النبوي بديل لمؤسسات العلاج والمستشفيات، وبؤر الفتاوى الرسمية وغير الرسمية هى البديل لمواد القانون، واللجوء لأحضان التجمعات الدينية الطائفية كانت البديل للتجمعات الأكثر انفتاحاً وتنوعاً كالأحزاب أو النقابات أو الروابط ….الخ
  • تحول معظم المصريين إلى نماذج بشرية خشنة، بعد أن احتكر وجدانهم خطاب دينى فظ وغليظ، وغابت الرومانسية عن رؤاهم للذات وللآخرين وللعالم بعد أن تم تهميش – إن لم يكن تحريم- دور الفن فى حياتهم أو تم ابتذاله، وعرف المصريون جرائم وحشية لم يخبروها فى الماضي.
  • حل معيار (الحرام/الحلال) فى قاموس التعامل اليومي بين المصريين محل معيار (العيب) بمدلولاته الاجتماعية، فكان حرص الفرد على أن يكون مع الله (كما صور له الدعاة) مرهوناُ فى كثير من الحالات بأن يكون ضد المجتمع بثقافته وتقاليده.

هذه محاولة قراءة لمسار تفكيك العقل المصري، الذى بدأ بتدشين السادات لمشروع تفكيك الحقبة السابقة عليه فكرياً وسياسياً اعتماداً على تيار الإسلام السياسي بدعاته ووعّاظه، والتى تؤكد من خلال ما تم رصده من مظاهر وتحولات فى حياة المصريين على ضرورة إعادة تركيب وإعمار هذا العقل وإعادته للسير فى الاتجاه الصحيح المعاكس، وهى مهمة أخطر وأجل وأنبل من مشروعات إعمار الطرق والكباري وشبكات الصرف، مهمة لن تتحقق إلا ببعث وإعادة إعمار مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام وأزهر محمد عبده.

***********************

*استاذ جامعى -مصر

شاهد أيضاً

الدكتورة خديجة زتيلـي * تكتب: الفِقْه المُسَيَّس وتَصْنيع الفَتْوى

الفِقْه المُسَيَّس وتَصْنيع الفَتْوى: النُصوص الدينيّة على”رقْعَة الشطرنج السياسيّة”   1- في إشكاليّة الانْسداد الفقهي ...