الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب فى عيد الأم :عيد الوتد

د.سامى نصار *يكتب فى عيد الأم :عيد الوتد

 

 

الوتد في المعاجم العربية هو” ما ثُبِّتَ في الأرض أو الحائط من خشب ونحوه ، لدعم سور أو تثبيت خيمة أو ربط حيوان أو تعليم نقاط في مسح ، أو كسلاح عندما يُسنَّن طرفه ، وأوتاد الأرض : جبالُها، وأوتاد البلاد : رُؤساؤها ، زعماؤها ، وذوالأوتاد: فرعون.”

لأ أظن أن هذه المعاني كلها كانت غائبة عن أديبنا الراحل خيري شلبي عندما كتب رائعته ” الوتد” التي تحولت إلى مسلسل تليفزيوني شهير لاقى إعجابنا جميعا لسبب بديهي وبسيط، ليس فقط أننا وجدنا أنفسنا فيه، بل لأننا أدركنا أن لا وجود لنا دون الوتد، دون المرأة.

وهذه المرأة الوتد هي أم بالقوة وبالفعل معا، كما يقول الفلاسفة،  فقد تكون أما طبيعية فعلية، أو زوجة في دور الأم،أو أختا في صورة أم، أو جدة أو عمة أو خالة..كلهن أمهات بحكم ثقافة المجتمع المصري وطبيعة العلاقات الاجتماعية فيه. و ليس بالضرورة يكن جميعا مثل “فاطمة تعلبة” في قوتها واقتدارها على أن تكون “وتدا” يثبت العلاقات والروابط بين أفراد الأسرة بالشكل الذي قرأناه عند خيري شلبي أو رأيناه في الفنانة العظيمة هدى سلطان، بل هن أوتاد الأسرة في كل أدوارهن في مختلف مراحل حياتهن مهما كانت بسيطة لا ندركها من فرط ما ألفناها وتوقعناها منهن.

فالفتاة قبل زواجها تتحمل جانبا من مسئولية شئون المنزل إلى جانب ضرورة مواظبتها على التعليم حتى تحصل على شهادة ومن ثم وظيفة، وبالتالي يمكن ان تتحمل مسئولية اقتصادية في تحمل جانب من تكاليف المعيشة في منزل أبيها أو التكاليف كلها حسب الحالة. وعندما تنتقل إلى بيت زوجها فهي الزوجة والأم والمرأة العاملة وأحيانا الطبيب والممرض والمهندس والكهربائي والسباك، إنها الوتد الذي يرتبط به الجميع ويربطهم به، يلتفون حوله في كل أحوال حياتهم. وحتى في حالة الانفصال أو الترمل تظل هي الوتد الذي يحفظ للأسرة استمرارها ويرعى صغارها ويعلمهم، ويرتبط به كبارها حتى في غياب الاب.

وهي الزعيم صاحب الكلمة النافذة التي يؤخذ بها، فعندما يشتد الخلاف ويعزب الرأي السديد عن رجال العائلة، يلجأون إلى الوتد.. إلى الأم الكبيرة إلى ستهم …إلى جدتهم ..إلى تيتا، أيا كان اسم الوتد فهو رمز للقوة والترابط العائلي ، إنه الروح -أو الإيثوس بالمعنى الأورفي للكلمة- التي تسري في أوصال المجتمع وتقوم حولها  شخصيته ويتخلق منها نسق القيم والمبادئ التي تحكم تكوينات المجتمع وعلاقاته  التي تحفظ له تماسكه وتراكم رأس ماله الاجتماعي.

وفي خضم احتفالاتنا بعيد المرأة وبعيد الأم ينبغي على كل منا أن يتذكر الوتد الذي حفظ عائلته من التشظي والتفكك في كل مرحلة من مراحل حياته، الوتد الذي ارتبط فيه وبه ، كما عليه أن يتذكر “فاطمة تعلبة” عائلته، مثال المرأة القوية في أبهى صورها، ونموذج المرأة المصرية الذي تشرب روح الثقافة المصرية وتمكينها المبكر للمرأة منذ عهد الفراعنة وحتى الان، فكان منهن المليكات كالملكة حتشبسوت، التي يعني اسمها نبيلة النبيلات أو مالكة القدرات، وقد شهد لها التاريخ بإصلاحاتها وغزواتها وعلاقاتها التجارية الواسعة.وجميلة الجميلات نفرتيتي، والملكة المثقفة كليوباترا، علينا أن نتذكر كيف شهدت نقوش أجدادنا المصريين القدماء وتماثيلهم بمكانة المرأة وقدرها الذي لا يقل عن قدر الرجال، وكيف كان يتجاور الفتيان والفتيات في مقاعد الدراسة، والرجل والمرأة في الحقل.

ويضيق المجال هنا عن أمثلة ونماذج للمرأة المصرية عبر التاريخ فهي معروفة للكافة، ولكن ما أريدأن أقوله هنا هو إن هذه الروح لن تذهب بها هبة ريح آتية من هجير البادية محملة برمالها، وبرواسب ثقافة ” سقط النصيف ولم ترد إسقاطه”، وذلك لسبب بسيط أنها تتعلق بالوتد الذي حفظ للمجتمع المصري تماسكه عبر التاريخ، وجعل منه مجتمعا متحضرا، منفتحا، يبجل المرأة (الوتد) ويضعها في المقدمة ويجعل منها مليكة ويجعل لها عيدا.

تحية إلى الوتد…تحية إلى كل أم …تحية إلى المرأة المصرية.

——————————————————

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...

2 تعليقان

  1. رائع فى معانيك واتذكرك عندما كنت وتدا فى قسم الاصول والادارة التربوية نهلنا من ارائك وافكارك استاذنا

  2. د. أميرة حسبن

    بارك الله في سعادتك دكتور سامي