الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار * يكتب :يابرادعى :دخول المنهج زى خروجه

د.سامى نصار * يكتب :يابرادعى :دخول المنهج زى خروجه

 

أثارت الضجة التي دارت حول حذف اسم الدكتور محمد البرادعي وصورته من كتاب الصف الخامس الابتدائي الكثير من التساؤلات حول الكيفية التي يتم بها تطوير مناهجنا التعليمية، وحول الأسس والمعايير التي تراعى عند تناول الموضوعات والشخصيات التاريخية القومية في المناهج والكتب الدراسية. وقد كشفت هذه الضجة عن أن الخبراء المصريين في تطوير المناهج وإعداد الكتب الدراسية، إما أنهم لا يعرفون هذه الأسس وتلك المعايير، او انهم يعرفونها ولكنهم لا يطبقونها لأسباب تخرج عن إرادتهم. ولعل أقوى هذه الأسباب وأشدها تأثيرا هي الأسباب السياسية الناجمة عن خضوع النظام التعليمي للنظام السياسي على نحو تزيف معه وقائع التاريخ، وتتغير معه ثوابت الجغرافيا، وتسقط معه قواعد المنطق.

ولسنا هنا في معرض الدفاع عن الدكتور محمد البرادعي أو الهجوم عليه، كما أننا لسنا في معرض بيان مدى استحقاقه لأن تذكره الكتب الدراسية أم لا، وإنما نتناول هنا القضية من منظور أوسع وهو علاقة النظام التعليمي بالنظام السياسي، وتداعيات هذه العلاقة على بناء المناهج وأثرها على تشكيل وعي الطلاب وعلى انتمائهم الوطني.

نعم، التعليم عمل سياسي و السياسة عمل تعليمي، كما قال فريري، ولكن بأي معنى ولأي مدى؟ لقد كان فريري، يرى أيضا، أن ليس هناك تعليما محايدا فالتعليم إما أن يكون أداة للقهر أو أداة للتحرر، فكيف نضمن ذلك؟ إننا لكي نضمن أن يكون التعليم أداة للتحرر ينبغي أن يكون التعليم ذاته حرا، فكما يقول المثل العربي فاقد الشئ لا يعطيه. ولكن مم يتحرر التعليم؟ لا بد أن يتحرر التعليم من سيطرة النظام السياسي، ومن هيمنة علاقات القوة والمصلحة التي تمثل تيارات سياسية ودينية واقتصادية واجتماعية يطمح كل منها في اختطاف التعليم واستغلاله لتحقيق مصالحها.
ولابد هنا للتوضيح أن نفرق بين الدولة ونظام الحكم، فالدولة كيان سياسي وقانوني قائم وباق ومستمر بما يتضمن من مؤسسات وبما ينظم من علاقات تقوم على احترام القانون و المشاركة السياسية و الديموقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة، وبما يوفره للتعليم من دعم باعتباره وسيلته في بناء دولة الموطنة، أما نظام الحكم فهو أحد نظم الدولة وهو متغير بفعل علاقات القوى داخل المجتمع، وبفعل الإرادة الشعبية، وبحكم مبدأ تداول السلطة.
وإذا كنا ننشد بناء دولة مدنية ديمقراطية فلا يجب أن يخضع التعليم لأي نظام للحكم او أي سلطة دينية او تيار سياسي مؤدلج دينيا أوعقديا، فالتعليم نظام قومي لا ينبغي أن تستأثر به جماعة أو طائفة أو حزب أو نظام للحكم. ويكفينا ما حدث في الأعوام الخمسة الماضية من تغييرات في التعليم وبخاصة في مناهجه التي جعلت أبناءنا يفقدون الثقة في التعليم وفي من يعلمونهم.
ولما كان نظامنا التعليمي لا يزال مختطفا من قبل النظام السياسي منذ أكثر من ستين عاما، فإن وزارة التربية و التعليم لم تعلن، في يوم من الأيام، أن لديها رؤية أو فلسفة توضع في ضوئها المناهج والكتب الدراسية وبخاصة تلك التي تشكل ثقافة المواطنة، ، فالوزارة تضبط البوصلة على قبلة النظام الحاكم و توجهاته….
فعندما قامت ثورة يناير تغيرت المناهج وأصبح صاحب الضربة الجوية خائنا …
وعندما جاء الأخوان تأسلمت المناهج و لبست الحجاب و النقاب و أصبحت المحظورة بطلة لحرب فلسطين….
وعندما قامت ثورة 30 يونيو وازيح الإخوان تغيرت المناهج، وتم وضع البرادعي في الكتب الدراسية عندما كان جزءا من النظام السياسي ومرضيا عنه، وتم حذفه عندما تغيرت مواقف الطرفين.
ومع كل تغيير تعدم الملايين من نسخ الكتب الدراسية، وتهدر الملايين من الجنيهات من أقوات الشعب.
إن العبث بالمناهج والكتب الدراسية بهذه الصورة، قد جعل المجتمع يفقد الثقة في المدرسة وفيما تقدمه من تعليم ، فالمناهج صارت، في نظره، حزمة من الأكاذيب المتناقضة والمتبدلة، والنتيجة لم يتعلم أحد، والنتيجة أيضا أن أصبح تغيير المناهج يتم بلا ضوابط ولا معايير، مما دفع البعض إلى أن يطالب بإدراج أسمائهم في الكتب الدراسية لمجرد أنهم هتفوا في مظاهرة، أو تولوا منصبا رسميا، أو عملوا في وظيفة مرموقة داخليا أو خارجيا، دون أن يكونوا قد قدموا لوطنهم شيئا يستأهل الذكر فيستحقون عليه ذكرا.

إن التعليم لا يجب أن يكون كرة تتقاذفها أقدام اللاعبين على المسرح السياسي، بل أن يكون بعيدا عن السياسة وصراعاتها، والتبدل في المواقف والرؤى والتحالفات. ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال مجلس قومي للتعليم مستقل عن السلطة السياسية ووزارة التعليم، يضع استراتيجيات لتطويرالتعليم ومراقبة تنفيذها من خلال آليات لا تخضع لسيطرة أي سلطة أو تيار سياسي أو ديني، أو ابتزاز رجال أعمال، مجلس يتولى وضع منهج قومي يعبر عن ثقافة مصر، ويعبر عن الثوابت القومية، و ينمي الانتماء للوطن لا للحاكم، و يرصد تاريخ الشعب لا تاريخ حكام أو أسر حاكمة، ويضع بذور تكوين المواقف السياسية دون الدخول في الصراعات الحزبية، ويعرض سير الزعامات الوطنية والأبطال القوميين الذين أشعلوا في نفوس أبناء الأمة جذوة المقاومة للاستعمار، والهيمنة الأجنبية والاستبداد والديكتانورية، منهج يرنو إلى المستقبل، ويرسخ العقلانية والعلم و التنوير وقبول الاخر في دولة مدنية تقوم على المواطنة، وساعتها لن يكون “دخول المنهج زي خروجه”

********

  • عميد كلية الدراسات العليا للتربية-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...

تعليق واحد

  1. Avatar

    Great, thanks for sharing this article.