الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندى يكتب:اغتراب مثقف
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندى يكتب:اغتراب مثقف

 

وصلتني من السفير محمود عزت سفير مصر في سيراليون‏(‏ الواقعة في غرب إفريقيا‏)‏ رسالة يطرح فيها قضية صعبة ومؤلمة في آن واحد، تتعلق بحالة اغتراب المثقف ، وذكرني هذا الدبلوماسي المثقف بأيام خوال من حياته، كان يجلس فيها مع نفر من المثقفين المصريين ، يجترون فيها ذكرياتهم مع القراءة‏.‏وأشار إلي الحوارات والمناقشات التي كانوا يقطعون فيها سحابات النهار، حتي وقت متآخر من الليل‏,‏ يعرض كل منهم للأفكار التي قرأها لهذا الكاتب أو ذاك‏,‏ وكانت تطوف شتي ألوان المعرفة، من فلسفة واجتماع وأدب وسياسة وعلم نفس‏,‏ وجمال‏..‏ إلي آخر هذه العلوم التي تعتبر ركنا‏(‏ ركينا‏)‏ في تكوين المثقفين في الجيل الماضي والأجيال السابقة‏.‏ ويقول في حزن‏:‏يبدو لي أنني عندما استدعي هذه الذكريات ، أشعر وكأني من أبناء عصر غابر‏!‏والحق أن هذه المعاناة التي يتحدث عنها السفير محمود عزت يحملها مثقفون كثر في صدورهم وبين حنايا ضلوعهم، بسبب حالة الاغتراب التي تدهمهم، وتجعلهم يشعرون بأنهم من جيل‏(‏ طويت صفحته‏!)‏ علي أقل تقدير، حتي لا نقول ذاب وانتهي وانقرض، وكأنه الديناصور‏!‏فشباب اليوم لا يقرأ‏,‏ وإن قرأ فلا يذهب بعيدا عن سيناريوهات هاري بوتر، التي لا تسمن ولا تغني من جوع‏,‏ ولذلك فمن الصعب أن تجد بين شباب اليوم من يعرف الأعلام والقامات الكبري التي أنشأت الأدب والفكر المصري والعربي الحديث‏..‏ فعباس العقاد الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس في زمانه‏,‏ ليس أكثر في عقول الشباب من اسم شارع في حي مدينة نصر‏,‏ وطه حسين ـ كما قال أحد طلبة جامعة الأزهر ذات مرة ـ هو ـ علي أقصي تقدير ـ مؤلف فيلم دعاء الكروان‏.‏ أما توفيق الحكيم فهو خواجه يعتمر البيريه، ويجلس علي مقاهي المعاشات مع العشرات بل المئات من البشر‏..‏ما يذكره السفير محمود عزت هو حق لا ريب فيه‏,‏ فمثقفو الأمس يعيشون في غربة قاتلة‏,‏ تكاد تزهق الأرواح‏(‏ يأسا وقنوطا‏)..‏ وإذا صادف أحدهم الآخر‏,‏ غمر الفرح قلبيهما ولو لبعض الوقت، لأن هذا معناه كسر واختراق الشعور بالانعزالية الذي فرضه مجتمع اليوم علي شيوخ المثقفين، الذين لم يعد أحد يتحدث لغتهم‏:‏ لغة المتن‏(‏ لا الحواشي‏)‏ والمعاني‏(‏ لا الألفاظ‏)‏ والأصيل‏(‏ لا الوافد‏)..‏ومن المفارقات أن جيل اليوم يعيش‏(‏ امتيازا‏)‏ لا يقدره‏,‏ ويجهل معناه‏,‏ فالكتاب بات يطرق الأبواب عبر مشاريع ضخمة مثل مشروع القراءة للجميع‏,‏ ومعلوم أن الأجيال السابقة كانت تذوق الأمرين بحثا عن الكتاب والمجلة والجريدة‏..‏ ناهيك عن رفاهية أخري‏..‏ رفاهية النت وشبكة المعلومات الدولية التي لا تكلف الشخص أكثر من‏(‏ لمسة حانية‏)‏ علي جهاز الكمبيوتر، فتتدفق سيول من المعارف‏..‏ ورغم ذلك فالأمية المقيتة تتفشي بين جيل الشباب‏.‏ ومن عجب أن السماء المفتوحة‏(‏ في الميديا والثقافة‏)‏ تعمق إحساس الشيوخ بالاغتراب ،وكأنهم ينتمون إلي عصر الحفريات‏,‏ كما تزيد من تسطيح شباب اليوم، الذي تأففوا عن السير في طريق الثقافة الجادة وارتاحوا إلي ثقاقة الطعام السريع‏..‏ فكانت النتيجة المؤلمة، أن خسرنا الشيوخ والشباب معا..

==================

منقول من جريدة الاهرام بتاريخ 21اغسطس 2007

شاهد أيضاً

معرض القاهرة الدولي للكتاب يناقش كتاب “تهافت المثقفين” للمفكر د.سعيد اللاوندي

      من المنتظر مناقشة كتاب “تهافت المثقفين “للمفكر المصري د.سعيد اللاوندي بقاعة المقهى ...