الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة الحصى* تكتب :الوزير المغربى والمفكر الجزائرى محمد أركون !
الباحثة /فاطمة الحصى

فاطمة الحصى* تكتب :الوزير المغربى والمفكر الجزائرى محمد أركون !

المفكر الجزائرى محمد أركون
المفكر الجزائرى محمد أركون

 

 

كنت فى حوار ثرى ومفيد للغاية مع باحثات جزائريات نتحادث فى أمور فلسفية ، مع أحد كبار المفكرين المصريين فى الفكر الفلسفى وأحد  أقطاب الجمعية الفلسفية المصرية،وقد  أصابتنى الدهشة حينما سألته عن مدى اهتمام الجمعية الفلسفية المصرية  بالمفكر الجزائرى محمد أركون  ،وقد ذكر لى الرجل أن مجلة الجمعية الفلسفية قد أصدرت عددا خاصا بعد وفاته لتكريم محمد أركون ،وحينما ذكرت إسم حسن حنفى ،فوجئت بالرجل ينهال على المفكر المصرى حسن حنفى-  مفترض أنه أستاذ- بالاتهامات التى لا تخلو من إجحاف متهما إياه بالغرور ،وبأنه يظن أنه الفيلسوف الوحيد فى العالم !! وأنه لايهتم بتأبين هذا أو ذاك،وأنه لا يرى فى الكون سوى نفسه !!

وعلى الرغم من عدم معرفتى الشخصية بالمفكر المصرى حسن حنفى إلا أننى لم أستطع التزام الصمت امام مثل هذه الاتهامات.. لا لشئ الا لأننى التمس في هذا الرجل الجد والمثابرة فالرجل إجتهد وثابر وأنتج فكرا ، وليس مطلوبا من أحد سوى الاجتهاد والمثابرة على ما يقتنع به ،لذا ومن منطلق  احقاق الحق ،قمت بالرد على المهاجم وذكرت له جازمة أن حسن حنفى قد نعى أركون فى مقال طويل واصفا إياه بأنه”مفكر منصف،محايدا فى نظرته ،صاحب بصمة على أجيال عديدة من الطلاب العرب والمصريين ،أصيل فى منهجه ،قاس فى نتائجه ،يخاطب المستمعين كما يفعل كبار الدعاة بل والأنبياء ،…خاتما حديثه بالتأكيد على أن محمد اركون نموذج لمفكر عربى حمل همه فى عقله واجتهد حتى ولو أغضب دعاة الإجتهاد ”

حسن حنفى :مفكر الحى اللاتينى ،شهاد رفيق ،الجزائر نيوز ،العدد 2040 ـبتاريخ 20-9-2010.

  وانهيت حديثى (حينما رأيت نظرة الإندهاش تملأ وجهه)   بإمكانية أن أرسل إليه المقال إذا أراد ذلك  !

ودار فى نفسي سؤال :لمن يكتب الكاتب أو المفكر إذا ما كان الغالبية العظمى ممن يسمونها النخبة لاتقرأ إلا لنفسها فقط ،فلا أحد يقرأ لغيره ،كل مفكر مكتفى بما يكتب هو!!

أحكى تلك الحكاية وأنا أسفة لحال أساتذتنا ،وفلاسفتنا ،فالجميع يصر على هدم الرواد  من أجل الظهور اوالصعود ،هكذا اقرأ أيضا موقف الوزير المغربى بنسالم حميش وكنت قد إطلعتُ أولا على  رد السيدة المحترمة زوجة المفكر الجزائرى أركون  تدافع عن زوجها بمنتهى الحزن تعليقا على مقال بنسالم بنحميش فى تفنيده لفكر أركون .

والحقيقة أننى لاأحب التحيز لشخص أو فكر ،ولكنى أقاوم الظلم والإجحاف وبخس حقوق البشر  ،وأتمنى من كل إنسان أن يعطى كل ذى حق حقه ليس إلا !!

ولذا توجب عليّ كقارئة وباحثة فى فكر محمد أركون أن أتحدث ولو قليلا ومن خلال قراءاتى وذلك  كرد إعتبار لهذا الرجل.. على الرغم من عدم رغبتى فى الدخول فى أدق التفاصيل ،لأن علينا كباحثين ألا تستهوينا الوقائع الصغيرة والأحداث اليومية ومن المفترض أن نتحلى بنظرة شمولية ،وقد يكون هذا ما آخذه على كاتب المقال ،ويكفى أن أذكر حديثه حول تفسير أركون لبعض سور القرآن كدليل على ذلك ،وليس لي ّ رد سوى أن الرجل إجتهد وأدلى بدلوه فى هذه المنطقة ،وما علينا نحن ممن يأتون  بعده سوى تفنيد آراءه بطريقة عملية ممنهجة ،محاولين تتبع منهجه العلمى للدلالة على صحة ماتوصل إليه أو عدمه ،وذلك بدلا عن الاستخفاف به وإحتقاره ووصمه بالاتهامات..

لمست فى ذلك المقال ما يمكن إعتباره شعور بالضآلة نحو شخص أركون فالوزير المغربى  يتحدث عن غرور أركون  قائلا :”العلم عند أركون هو ما يضطلع به ويمارسه هو ) وتتطابق تلك المقولة مع مقولة ذلك  الفلسفى المصرى عن غرور حسن حنفى ،ولا تفسير لدىّ فى حالتيهما سوى أن كلاهما يشعر  بالضالة ،وأن وجود بل واشعاع  هذا الشخص (وهو فى الحالة المصرية حسن حنفى وفى الحالة الجزائرية أركون )هو الذى أدى إلى عدم ظهورهما إعلاميا وفكريا  ،وكأن نجاحهما مرهون بإختفاء كلا من أركون وحنفى !!

وبتأمل مقولة بنسالم حول أن أركون “ينظر إلى ثلة من خيرة الأسماء العربية في مجال البحث والفكر بنوع من الإزدراء والإستعلاء السافرين، وهم كما يعدهم عبد الله العروي، أنور عبد الملك ، هشام جعيط، إدوارد سعيد (هكذا بالجملة!)، ”

فإذا كانت آراء أركون فى زملائه إزدراءا فماذا نقول عن آرائك فى إستاذ تعلمت على يديه  ياسيد بنسالم؟

أصابنى الإندهاش من هذا الحديث خاصة وأن أركون قد ذكرهم فى أكثر من موضع بكتبه المختلفة ،وما أذكره الان أنه ذكر العروى موسوما بصفة رفيق الدرب مادحا إياه  وبأن بينهما نقاط اتفاق فى بعض التوجهات الأساسي فى النقد ، وهذا لا يتعارض ونقد أركون له بأنه لا يشير من قريب أو بعيد لكتابات زملائه كالجابرى واركون ،كما أن رأى أركون فى كتاب الفتنة لهشام جعيط أنه  لم يكن مسيطرا بشكل كاف على المنهج التاريخى ،أما الجابرى فيرى أركون أنه فضل التحدث عن العقل العربى تحاشيا للموضوعات الخلافية الحاسمة

محمد أركون :قضايا فى نقد العقل الدينى ،ص56

وفى حديثه عن إدوارد سعيد يقول :”ربطتنى به مودة ولذلك لم أكتب أو أنشر رأيي فى أفكاره عن الإستشراق “،”اختلافنا فى الرأى ناتج عن اختلاف تخصصنا العلمى ،فما دفعه إلى الكتابة فى هذا الموضوع البحث فى البواعث السياسية للأستشراق وهو موقف يستحق الإحترام لا ألومه عليه لكن لا يمكن إختزال الإستشراق فى هذا الجانب فقط ”

محمد أركون :التشكيل البشرى للاسلام ،ص ص 59:61

وهذاالنقد   يعد نقدا منهجيا وليس نقدا هجوميا كما اقدم السيد الوزير بنسالم حميش فى نقده لأركون!  أما إنكارأركون لتلمذته على يد كبار المفكرين الغربيين فهو الإفتراء بعينه ،فأركون لم يجد فرصة لذكر تتلمذه على أسماء بعينها إلا وذكرهم ،فها هو يتحدث فى حوار له عن فترة ما قبل ثورة 68 الطلابية والعمالية قائلا :”أنا إبن الغليان الثقافى والإشتعال الابستمولوجى للساحة الباريسية ،تأثرت ببول ريكور ،وبنقد جاك دريدا للتراث الميتافيزيقى ،ووجدتُ نفسي منخرطا مع هذة الكوكبة اللامعة والعديدة من المفكرين ”

محمد أركون :التشكيل البشرى للاسلام ، ص40

بل ان أركون يتحدث فى موضع آخر حول كلا من (محمد طالبى وهشام جعيط ومحمد عابد الجابرى وممحمد قبلى وعبد الله العروى ) بكلمة “نحن” بما يدل على أنه واحد منهم ولا يميز بينه وبينهم ،قائلا:” أننا جميعا مدينون للجامعة الفرنسية بتكويننا العلمى ومواقعنا الإبستمولوجية المختلفة والمتشابهة فى آن معا “.

محمد أركون :قضايا فى نقد العقل الدينى ،ص57

وأعتبر هذا الحديث من أركون أحسن رد فى ذلك الهجوم عليه من قبل بنسالم حميش على هاتين النقطتين بصفة خاصة

أما الحديث عن احتضان الغرب له فهو شئ يُذهب العقل حقا ،اذ كيف لمن هاجم الاستشراق فى عقر داره ،وقدم نقدا للفكر الغربى والاسلامى معا ،أن يحتضنه الغرب ! لقد فرض أركون نفسه على الغرب فى حين كان منبوذا كما وصف هو نفسه حتى من زملائه بالجامعة لا لشئ الا لأنه يناطحهم الفكرة بالفكرة ولا ننسى هنا ذكر واقعة سلمان رشدى وما حدث لأركون من عزل وجفاء وهجوم شديد بعدها من كافة أطياف المجتمع الفرنسى .لكنه عناده واصراره واقتناعه الحقيقى بكل ما كتبه من فكر جعله اكثر صمودا أمام هذه الهوجه المدافعة عن سلمان رشدى ،لقد كشف أركون للمفكرين الأوروبيين مدى الأزدواجية التى يعانون منها فى التعامل مع قضاياهم من ناحية وقضايا الفكر الاسلامى من ناحية أخرى

وفى الحقيقة أن أكثر ما أصابنى بالضحك هو ما كتبه سيادة الوزير حول عدم إتقان أركون للغه العربية ،فى حين أنك اذا ما استمعت إلى أركون متحدثا باللغه العربية سوف تفهمه بسهولة ويسر كبيرين وقد حدث هذا معى شخصيا حين لجأت إلى كتبه المترجمة وكذلك الى الفيديوهات المسجله له هنا وهناك ..حزنت أن أركون لم يكتب الى العرب بالعربية، فالرجل لديه حصيله لغوية لا يمتلكها كثيرون ،ولدىّ رسالة خطية بيده كتب فيها بلغة عربية فصيحة مقالا بعنوان “لماذا أكتب “وتعد قطعة أدبية بديعة ،وإننى أتساءل كيف لمن تتلمذ على يد أركون أن تفوته تلك الهفوة ويتحدث فى تلك النقطة مثله فى ذلك مثل من لم يعرف أركون أو يطّلع على فكره وكتاباته !

لا يهمنى فى تلك القضية أن أرد على كل سطر سطره الوزير بنسالم حميش ،ولكنى أردت التحدث فى إجمالى القضية وهو سؤال ملح :لم يعمل المثقف العربى بصفة خاصة على تحطيم أستاذه ؟ اليس من المجد  إعادة قراءة فكر وكتب هؤلاء المفكرين  للخروج بآليات حقيقية لحل أزمتنا الفكرية ؟!

=================

*باحثة من مصر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...