الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد ناجى المنشاوى يقدم:قراءة نقدية لديوان :الطازجون مهما حدث “
محمد ناجى المنشاوى

محمد ناجى المنشاوى يقدم:قراءة نقدية لديوان :الطازجون مهما حدث “

جدلية البطل بين “المقاومة” و”الاستسلام”

فى ديوان “الطازجون مهما حدث”  

——– ————————————–GetAttachment (1)

مدخل:

تعد إشكالية المنهج النقدى من أهم الإشكاليات التى تواجه الناقد إزاء قصيدة النثر المراوغة والمنفلتة والمستعصية على المناهج النقدية المألوفة والموروثة، فيبقى لكل ديوان سماته ولكل قصيدة بنيتها الخاصة فى أغلب الأحوال، وتظل رحلة البحث عن منهج نقدى متماسك لقصيدة النثر غاية وهدفا بعيد المنال، ولكننا مطالبون فى نهاية المطاف بالسير فى دروب وعرة علنا نظفر بقبس، وفى ديوان “الطازجون مهما حدث” هناك ملامح نقدية لا تخطئها العين واضحة بارزة فى العمل الشعرى الأول للشاعر حاتم الجوهرى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهناك ملامح أخرى باهتة تحاول أن تتشكل لتصل إلى صورتها النهائية ربما فى أعمال قادمة له.  ومن الملامح النقدية الواضحة والبارزة فى الديوان وتجربته الشعرية؛ هى على مستوى المضمون: صورة البطل بين الصمود والهزيمة-  سمة النزعة الصوفية وأثرها. وعلى مستوى الشكل والأسلوب نجد: الخيال الكنائى- التشكيل السينمائى للصورة الشعرية- اللغة التداولية.

وسوف تقتصر هذه الدراسة على الملمح الأول فى خطابه الشعرى الذى يتناول..

 

جدلية البطل بين الصمود والهزيمة:

فنرى أن أهم سمات البطل فى الديوان هى قدرته على التعامل مع الواقع أيا كان، وقدرته على إعادة تعريف ما قد يكون هزيمة ما أو إنكسار ما أو جرح ما؛ ليكون فى عالمه ملمحا للانتصار وفصلا من الصمود! يقدم البطل فى النصوص صورة كلية للأحداث تكون فيها الهزيمة والانكسارات الواقعية مجرد عتبة على درب الانتصار والتحدى..! أو دافعا جدليا يمثل صورة “الآخر” واختياراته العاجزة المنسحبة، التى تحفز “الأنا” على الصمود والثبات والتأكيد على وجودها وجوهرها، ويكسبها اليقين من نتيجة أفعالها واختياراتها.  فهنا قد يحمل البطل السمات الأسطورية فى صموده، لكنه ليس بطلا متعاليا خياليا يدعى لنفسه القدرة على طول الخط، بل هو بطل رغم تمسكه بمشروع خاص به يقوم على مثل إنسانية عليا، إلا أننا نراه يحزن أحيانا وينكسر أحيانا، لكن ذلك يكون مدخل الروح لتعرف طريق النهضة مجددا كطائر العنقاء.. يجعل من مشاهد الهزيمة العابرة حجارة فى بناءه ويوصفها باعتبارها دافعا فى الطريق!  من هنا كانت جدلية الصمود والانكسار أبرز ملامح التجربة الشعرية الإنسانية فى الديوان، ومصدر التدافعات الشعرية وقلبها النابض.

 

أول ما يطالعنا فى الديوان -وفى دلالة- قصيدة “مزين أنا بالرماح” حين يقول حاتم الجوهرى (ص11):

“مزين أنا بالرماح

أجول والحراب تشق صدرى نافذة

كشامة نبوة قلدها سجل التاريخ وحده

لمحارب مجهول

دلت عليه بصمات الدم فى المعركة”

حيث تتبدى لنا هذه الجدلية منذ اللحظة الأولى فى الديوان، فها هوا ذا يتزين بالرماح يجول فى المعركة غير عابئ بتلك الحراب التى تشق صدره، فكل طعنة نافذة فى صدره بمثابة بصمة دالة على البطولة.

ويقول كذلك فى (ص12):

“تصنع حائط صد أمام صيحات الجموع المنحنية

تناديك “للخلف در” كى تصبح مثلهم

طبعه أخرى من الكتاب الممسوخة صفحاته”

فالبطل العنيد الصارم المقاوم بذاته المناوئة، هو حائط الصد إذا ما خارت قوة الجموع المهزومة المنسحبة تغريه بالانسحاب والتقهقر المخزى لكنه أبدا لا يستسلم،  فيستمر فى (ص12) قائلا:

“يرى كل نقطة دم تسقط منه

وانتفاضة الحدائق والمراعى تنبت من ورائه

فيزداد يقينا وثقة

بان النصر

آتٍ ، أتٍ ، آتٍ .”

وهو بطل يؤمن بالمردود الإيجابى للتضحية فكل قطرة دم تتحول إلى حدائق ومراع خضراء وهو مؤمن بقدوم النصر.

وفى قصيدته ” الطازجون مهما حدث ” (ص19) يقول:

“طفل صغير من الطوب اللبن

أوقدوا عليه النار

فاشتد عوده رجلا صلبا

مشدود البنيان كحجارة الجبل

لا تهزه غارات الهزيمة”

فالبطولة تربية وصناعة من [ الطوب اللبن ] إشارة للجذور والأصل خاضت النار كما تخوض المعادن كما يتبين مدى نفاستها فإذا بهذا الجوهر الطينى يتحول إلى حجر جبلى لا تهزه هزيمة .

وفى قصيده “أطفال إقليم التفاح” (ص36) يقدم لنا حاتم الجوهرى صورة للبطل الأنثى ، هذه الفتاة التى تضرب مثلا رائعا للبطولة والصمود والمقاومة إنها “سهى بشارة” المناضلة اللبنانية التى حاولت اغتيال أحد قادة المليشيات اللبنانية الموالية لإسرائيل فتم القبض عليها وحكم عليها بالسجن عشر سنوات ثم أفرج عنها فى أواسط التسعينيات:

“سهى بشارة

زهرة برحيق البارود

تتفتح فى أيام الآحاد من شهر رمضان

طفلة عجوز

تكتب التاريخ بيد وتلتقط بالأخرى

المحاربين الذين فرغت ذخيرتهم

وتنفخ فى أفواههم

باسم السماء “

فهى البطل الذى يجمع بين رقة الزهرة ورائحة البارود التى يمثل لها عطرا وشذى ، ولقد صهرتها سنوات النضال حتى تمرست العمل النضالى ولهذا صارت طفلة عجوزا تكتب تاريخا بيد وتقاوم بيد أخرى وتعطى لغيرها من المناضلين قبلة الحياة اذا نفذت ذخيرتهم.

وفى قصيدة “شعب كلوح من الصاج الخام” (ص28)، يقدم لنا الشاعر صورة لمواطن بسيط تعكس صورة البطل الصامت دون ادعاء، وهى صورة البطل الفرد التى تنسحب على كل أبناء الشعب البسطاء الذين تقدمون البطولات والتضحيات كلون من الفطرة الربانية كما لو كانوا قد خلقوا ليعيشوا للبطولات التى تسير على الأرض دون أن ينتبه لها أحد:

“السماء

ترتدى الملابس السوداء

وتشد على يد رجل بسيط

أصابه تناطح الناس فى بلاده

(بدوار بحر )”

وهذا الرجل البسيط البطل هو أب مكلوم على ابنه الطامح لحياه أفضل فيغامر ككثيرين بالفرار أمام وطأة الجوع والقهر فينزع إلى “هجرة غير شرعية” فيلقى حتفه كغيره من آلاف الشباب .

“يسترجع ضوء القمر

على متن مركب شراعى

ربما لآخر مرة

بعد حصوله على شهادة وفاة

فوق بطاقة تموين الشهر”

والابن أو الشاب المغامر نتيجة اليأس والإحباط صورة للبطل المهزوم هزيمة بها “طعم المرارة ونكهة فقدان الأمل” (ص39)، فى لوحة مأساوية ومشهد شديد الدلالة فى لغة رومانسية حزينة ترتسم صورة لهذا البطل المهزوم فهو يستقل ( مركبا شراعيا ) إشارة للخطر والمغامرة اليائسة وهو ( يسترجع ضوء القمر ) إشارة إلى ذكريات الوطن الحالمة ثم إغلاق المشهد بحصوله على ( شهادة وفاة فوق “بطاقة تموين ” الشهر ، ويقول حاتم الجوهرى :

” بعد حصوله على شهادة وفاة

فوق بطاقة تموين الشهر “

فى عبارة تحمل شحنة عالية من التهكم المر والسخرية الصارخة فكيف للمرء  فى وطنه أن يحصل على ” شهادة وفاة ” لحياته قبل موته الفعلى ، فهو المواطن الحى الميت ويستشعر هذه النهاية الأليمة بتدنى مستوى معيشته مستخدما ” بطاقة تموين الشهر ” وفى مشهد آخر للأب  المكلوم والبطل المهزوم أمام فجائع الوطن وهل هناك فجيعة اشد من ترك الوطن أبناءه فى مهب الريح والضياع والتشتت ، فيرسم لنا حاتم الجوهرى لقطة سريالية لا تخلو من مأساة وكأنك أما مشهد فى مسرحية عبثية حيث (ص38،ص39) :

” ثم يلبس عباءة “تاجر عاديات”

واقفا

أمام كورنيش النيل

لينادى على السائحين

شعرة من رأس طفل ميت

وردة من حديقة احترقت

اقترب

هنا ينتجون هزائم مثلجة

وحديثة الإنتاج”

فهو الطفل الذى يعرى وجه الاستبداد والقمع تعرية فاضحة حيث يبيع للسائحين (شعره من رأس طفل ميت )أو ” وردة من حديقة احترقت “، ثم يصل إلى ذروة المشهد حيث اللقطة الكبيرة التى لا تخفى على العين وهى ” بيع الهزائم المثلجة”.

وفى قصيدة ” أن تحب كونك ما انت عليه” (ص48) نرى صورة البطل المعتد بذاته المناوئه التى تأبى مسايرة الخانعين والمهزومين مهما كانت اغراءاتهم .

“أن تحب كونك ما أنت عليه

هو سر الكون

فى جملة

لا يعنيك فى صراعك

تكسب أو تخسر

يكفيك عندها أن تفعل ما تؤمن به

فمتى تحب كونك ما أنت عليه

سترى العالم يصطبغ صاغرا

بألوانك الخاصة”

وهذه صورة البطل فى المقطوعة السابقة التى تكشف عن بطل لا يتلون بلون الآخرين ولا يتماهى مع أية صورة أخرى ولا ينسحب أمام قوة غاشمة ذلك لأنه يرى أن سر الكون يكمن فى أن تفعل ما تؤمن به فتكون النتيجة المحتومة هى أنك حنيئذ ” سترى العالم يصطبغ صاغرا بألوانك الخاصة “.

وفى قصيدة “من أجل من يا بقايا حملات الغرباء؟” وتلك القصيدة من أطول وأروع قصائد ديوان “الطازجون مهما حدث “، يقول حاتم الجوهرى (ص 68):

“لا …………..

لن تعبرونا كالأشجار هكذا

لن ترتاحوا كالمسافر على ضفتنا

يلوح من أول مركب بالوداع

كان لنا ممرات وجبال وهضاب

لم تخبروها

مع أول خيمة ضربتموها فوق أرضنا

ألقينا عليكم تعويذة

بأنه فى يوم النيليين

وأنتم أمام حقيقتكم الوجه فى الوجه”

يتوعد الشاعر أعداء الوطن بأنهم لن يشعروا بالهناء والاستقرار فى بلادنا فالأعداء ليسوا (كالأشجار) العابرة ولا ( كالمسافر ) الذى يبتغى مجرد الراحة قليلا ثم يمضى إلى حال سبيله ، ويخبرهم صوت الشاعر بحقيقة مخفية عنهم وهى أن للوطن ( ممرات وجبالا وهضابا ) ولكن لا يعرف حقيقتها إلا أبناء الوطن المخلصون، فهم الاشد علما بخريطة وطنهم ويتنبأ الشاعر بضرورة المواجهة بين ” النيلين ” وبين هؤلاء الطغاة وجها لوجه، ثم يعود ليقول (ص68):

” باسم الإله الواحد الأحد

سيد الأرضين من وراء الشمس

تصيرون ترابا وذرات

وتعود روح كل مناضل ذهب

تقتص لنفسها من أحد الغربائيين

جسدا “

ومن ثم تتبدى روح الإصرار على المقاومة والقضاء على ذلك السوس الذى جاء لينخر فى جسد الأمة، وتبدو تعويذة الايمان بأرواح الشهداء محركا أساسيا فى معادلة ، القضاء على العدو.

وفى قصيدة “حدود وأسوار حلمك” وهى أيضا من القصائد الطويلة فى الديوان (ص 72، ص73) يقول:

“عليك أن تختار

تطلق الدفة نحو مدار الشمس

وكلما اقتربت خطوة جديدة

كلما أحرقت بشعاعها واحدا منهم

حتى تقترب من نقطة التقاء

فلا تجد للحياة – عندها – رفيقا

إلا انت والبحارة / الرجال

تحملن بكارة الفجر

يأتى كعادته دائما باعتزاز وفخر

بعد ظلام كل ليلة ” .

إنه البطل الذى يحث الرفاق على الصمود ويضع نفسه فى موضع الاختيار وهذا الاختيار يكون عادة بين بديلين ويحدثنا الشاعر عن الاختيار الأول وهو “الصمود والمواجهة والتقدم” ثم يختم القصيدة دون ذكر الاختيار البديل وهو بالطبع الاختيار غير المكتوب وكأن الشاعر يأنف من سرده ريما ليترك ذلك للقارئ الحصيف وهو النص الصامت المعلوم بدهيا ويتمثل  البديل فى اختيار” الانهزام والانسحاب ” وهو ما لا يرضاه الشاعر فى أعماق ذاته : لأن البطل سار فى وعى نحو الصمود  ومحا كل أثر فى “وعيه” أو “لا وعيه” لفكرة الهزيمة والضعف ويقدم الشاعر لنا قناعات بضرورة الصمود فى النهاية فإذا الحياة الكريمة والنصر الماحق لجبروت العدو ، فإذا كانت النهاية هى تفوق العدو ( بموجة شاهقة تدارى خيوط الشمس ص73 تحول بين الرجال وضى السماء )، فيمضى قائلا ص73 :

“حسبك ذا

يكفيك أنك دافعت عن حدود أسوارك

حفرت الخنادق وشيدت الدفاعات

وصمد حلمك وحيدا “

وتلك المقطوعة تمثل ( شرف المحاولة ) و ( عدم التخاذل ) و ( غياب التقصير ) ولهذا يصل إلى قرار نهائى حال انهزامه ص73 :

” مت واقفا على قدمك

واليد تنسحب – بروعه وهدوء –

من فوق سارى العلم

وما تخليتم.. ما تخليتم أبدا”.

وهو قرار واضح.. وهو الشهادة النبيلة حتى نفذت طاقة الصمود تجرح الروح، ليتحقق الموت بعد أن نجح فى رفع “العلم” دالا بذلك على أن الموت وحده هو الذى غيب صموده .

وفى قصيده قصيرة بعنوان [ إشارات ] تتجلى روح المقاتل الذى يختزن بداخله مخزون الغضب الثورى، وذكريات النضال لا للتفاخر والتباهى والتغنى بماض بعيد؛ ولكنه يتخذ من ذلك المخزون علامات وإشارات لاستعادة روح المقاتل كلما خبت أو بهتت مع مرور الزمن، ولهذا يستحث البطل ذاته بضرورة (ص80):

“تذكر

دائما

آخر نقطه وصلت إليها من قبل

الحدود

الأبراج

الحجارة

النهر / والسدود”

تُرى لماذا يحث البطل ذاته على تذكر تلك العلامات والإشارات التى لونها بدهائه:

“ولا تنس

أن تمسها بعبير دمائك واثقا”

لقد صبغ هذه العلامات ( الحدود – الأبراج – الحجارة – النهر – السدود) بدمائه ليس من الزينة أو التجميل العابر، ليس ذلك ما عناه الشاعر لأنه سرعان ما يقدم لنا أسباب تمسكه بهذه العلامات فيقول (ص80) :

“حتى إذا تعثرت

وأضل الرعد والعواصف جميع القوافل

يكون لديك

دليل للرجوع “

فهو يتخذ من آثار الماضى علامات متجددة لإحياء النضال الحاضر وفى ذلك استمرار لفكرة الصمود التى تأبى إلا الصمود النبيل.

وفى قصيده “إذا ولدت كفرع شجرة ” (ص84) يقول:

” تمد بيدك

لكل عال رفراف

كسرت أجنحته

اسنان مناجلهم “

تمثل هذه المقطوعة الانفلات من اسر تقليم الأظافر وكسر الطموح إلى كل ما هو (عال – رفراف)، رغم أن هذا الغالى الرفراف قد كسرت أجنحته مناجل اليأس والخنوع ولكن رغم ذلك يمتلك الإصرار على أن يهم بالطيران .

وفى قصيده “أنشودة لأواخر الأشياء” نرى الشاعر يتمثل فى صورة البطل الفرد الحامل لرسالة، يقف فى وجهه كل الخلائق ولكن مكلف باتمام رسالته وهو يصارع من أجل ذلك ويرى الصراع قدرا عليه (ص85):

“هو القدر

للحالمين

أن ياتوا فى أزمنة متباعدة بعضها عن بعض

الواحد منهم فى صراعه

كالأنبياء يكون الأخير والأوحد

فى سلالة قدَر

ألا يجتمع منها اثنان قط “

وفى قصيدة ” أفق الاختيار ” نرى الشاعر يضع نفسه بين اختيارين لا ثالث لهما، فقال (ص88):

“أضئيل فى حجم عقله إصبع

سينتهى اختياره

أم رائع فى حجم برج قاهرة المعز

سيصبح مدججا

بالعتاد والأمل”

وفى قصيده “آخر طلق فى روحك” نرى صمود الشاعر أمام غواية الجدل العقيم (ص91):

“قاوم

حتى آخر طلق فى روحك

ولا تسمح لغوايتهم بدخول مدائنك

تملؤها بالفراغات والأحجبة

يأخذونك بالكلام فجأة

تضيع فى الرد والقيل والقال

بل كن أنت نفسك “

وفى قصيده “برد البرارى” يقول (ص116):

” سأكون أنا فى الجانب الآخر من العالم

أحيل برد البرارى عشقا

بإصرارى على حب

قادر على أن يشع

ويطمئن

طيلة أوقات العام “

وفى ذلك إصرار وصمود على المضى قدما فى العشق والحب رغم تعثره، ورغم برودة المشاعر من الطرف الآخر إلا ان الشاعر لا يعرف قلبه الطريق إلى الكراهية أو الياس أو الاستسلام، فهو ماض فى حبه وإصراره على تحويل برارى العواطف ببرودتها، إلى حب شمس يشع دفئا على الدوام مع قلب جديد يشبهه.

وفى قصيده ” مفتتح للحكاية.. وكأنك أنت لست أنت” (ص95)

” تقاوم

وكأنك – جدلا

ستنزع- وجودك بالقوة مما حدث

ليس هكذا تجرى الأمور

فبكاؤك هنا

كغناء الوداع

لانك – جدلا – لن تنزع وجودك

مما حدث

مهما كان مقدار

ما تملك من قوة عظمى

لتغيير العالم”

نجد هنا صوره مختلفة للبطل المقاوم، فنحن أمام ذات تشعر بضعف القدرة على التغيير، فهى ذات منكسرة، تقر بأنها مهما حاولت فلن تستطيع أن تنزع نفسها بالقوة مما يجرى من أحداث وتكون النتيجة هى ( البكاء كغناء الوداع ).

وفى قصيدة ” زهرة زرقاء ” (ص103):

” زهره زرقاء

ها أنا ذا أمامك كل يوم

فقولى لى :

كيف بالله عليك

هذا اليوم

سوف تهربين” .

تلك صورة للبطل المقاوم للانسحاب من التجربة فيحاصر الحبيبة من كل اتجاه:

 ” لن تعلمى من أين نبتت ،

 لن تعلمى من أين أتت “

وفى قصيدة “لن تدخلينى مرة جديدة ” (ص108)

“عندما تجيئين مرة قادمة .

سوف أخبئ فى عينى سهمين

شديدى الحدة والسخونة كنيزك هادر”

ويقول :

“ثم التفت بغتة  

وأرميك بما أنا مخبئ

وأتركك هكذا للأبد

بعينين جارحتين”

وهذه كانت صورة للبطل الثائر المنتقم الذى يتربص فى الميدان بالآخر بعد أن أعد العدة ( أخبئ فى عينى سهمين شديدى الحدة والسخونة كنيزك هادر ) ثم يباغت الحبيبة فيرميها بما قد خبأه لها .

وقى قصيدة “برد البرارى” (ص116)

“ساعتها

سأكون فى الجانب الآخر من العالم

أحيل برد البرارى عشقا

بإصرارى على الحب”

وهو مشهد أخير للمقاومة والاصرار على الحب وتحويل برد البرارى إلى دفء وعشق ، وهو يقرر عدم الاستسلام لتجربة حب عاثرة.

 

خاتمة:

ومن ثم فقد تبين لنا من خلال استقراء صورة البطل، وجدل الصمود والمقاومة فى مواجهة الواقع وفرضياته داخل قصائد الديوان؛ أن  حاتم الجوهرى لم يقف عند صورة واحدة جامدة لهذا البطل، بل تعددت تلك الصور والملامح والسمات المكونة لها فى تفاعلها الدائم مع الواقع وتبدله، وقد استندت بشكل رئيسى على الآتى:

بطل ذو ملامح مستوحاة من الفارس العربى القديم الصامد أمام الرماح التى تتعاوره وهى صورة “عنترية “- بطل ثورى حالم بالتغيير وواثق من قدرته عليه رغم عثرات الطريق وتخلى الرفاق أو خيانة بعضهم أو يأس البعض الآخر – بطل مقاوم ومستعصى على التطويع والتشكيل من قبل القوى الاجتماعية المسايرة والتقليدية إذ يرفض دائما ذلك ولا يهدف إلا أن يكون هو نفسه وذاته – بطل مواطن يضعه فى صورة من طحنته الظروف للنهاية فيكون انتصاره هو الموت والثبات على اختياره حتى آخر لحظة – بطل محب عاشق يقع بين كفتى المقاومة والشعور بالاستسلام والهزيمة والتخلى والإدبار عن حبيب بائد وربما الثأر منه، وبين الشعور بالاستمرار والتحقق الجميل فى تجربة وحلم جديد يتسق مع صموده ومشروعه العام.

==================

ناقد مصرى

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب : كتاب جديد يستحق القراءة القرآن بين السماء والأرض

  محمود حسين هو اسم مستعار مشترك لبهجت النادي وعادل رفعت المصريان اللذان غادرا مصر ...