الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد يوسف سعد*يكتب:الحياة بين خطوط وحواجز
د.أحمد يوسف سعد

د.أحمد يوسف سعد*يكتب:الحياة بين خطوط وحواجز

 

هناك بلاد يكتفى فيها برسم خطوط بيضاء على مواقع محددة من صفحة الأسفلت، لتحدد للمشاة أماكن عبورهم من رصيف لرصيف،  وفى بلاد أخرى تٌضاف الحواجز الحديدية والأسمنية على حواف الأرصفة حتى فتحة الوصول لموقع الخطوط، ليساق السائرين  مرغمين كالقطيع وهم ينتقلون من رصيف لرصيف.

إنها فلسفة حياة تميز بين مجتمعات ترى الناس عقولاً يتم تأهيلها للحياة، ومجتمعات تراهم أجساداً يتم إرغامها على الحياة، الفرق بين مجتمعات تُعلى من قيمة الالتزام، وأخرى لا تعيش بدون الإلزام، الفرق بين مجتمعات الحرية، ومجتمعات القهر.

وإذا أمعنا التفكير فى الأمر، نجده لا يتعلق فقط بالمرور فى الشوارع، بل يتجاوزه لما هو أعمق وأخطر، فانتقال الشعوب من حالة إلى حالة، أو من مرحلة لأخرى (وهو ما يشبه انتقال المشاة من رصيف لرصيف) إما أن يكون (تغيراً ) يتم بتهيئة عقول الناس واقناعها بفلسفة ومضمون وتداعيات ومبررات وضرورة هذا التغير، ليلتزموا بما يحدده من قواعد أو (خطوط)، أو أن يكون (تغييراً ) يتم بإرغام الناس، والزج بهم فى قلب تحولات قسرية يرضخون لها كقطعان تُجبر على ما يفرضه التغيير من قيود أو (حواجز) بلا فهم او  اقتناع.

فالاكتفاء بالخطوط والإشارات فى بلاد الحرية وتحقيق إلتزام الناس بها، لم يكن إلا بالنفاذ إلى عقول الجماهير، فمبادئ الثورة الفرنسية لم تفرض على الشعب الفرنسي بل تم اقناعه بها عبر كتابات وجهود العديد من المفكرين والفلاسفة، وكذلك ثورة ماوتسي تونج الصينية كانت مسبوقة بثورة ثقافية، وغيرها من النماذج التى انتقلت فيها الشعوب من تاريخ لتاريخ، بنفس منهج الانتقال من رصيف لرصيف عبر خطوط قبل أن يفهمها الناس كانوا قد اقتنعوا بها.

وفى بلاد الحواجز، يتساوى سعي الطغاة فى محاولات تثبيت الوضع الراهن باستغلال خوف الشعوب من المجهول، مع سعي محركى (الثورات المجهضة) وهم يستغلون غضب نفس الشعوب، للتغيير  القسري دون تقديم بديل عقلاني والتمهيد له بثورات ثقافية تقنع الناس وتدفعهم للتغير الطوعي، فهى نفس فلسفة التعامل مع الجماهير ككتل بدنية، أو قطعان، فهذا يريد فرض الاستقرار،وذاك يريد فرض التغيير، أو معنى آخر يضع الطاغية الحواجز أمام شعبه، ويسعى الثائر لدفع الجماهير للسير خلف حواجز جديدة.

كم من ثورات تم اجهاضها فى بلاد (الحواجز) بلاد القهر،  لأنها لم تبدأ بتثوير وعى الجماهير وتغيير منظومة قيمها ومضامين ثقافاتها، وكم من ايديولوجيات سقطت لأنها لم تكن سوى ايديولوجيا نخب لم تتفاعل مع بنية الشعوب الذهنية، وكم من ثورات استبدلت طغاة بطغاة، وحواجز بحواجز، وبقت الشعوب رهينة الخوف والغضب، واستمر التعامل معها كقطعان تساق خلف الحواجز، لأنهم عززوا عجزها عن قراءة الخطوط والإشارات، وبالتالي الالتزام بها.

***********************

استاذ جامعى -مصر

شاهد أيضاً

معرض القاهرة الدولي للكتاب يناقش كتاب “تهافت المثقفين” للمفكر د.سعيد اللاوندي

      من المنتظر مناقشة كتاب “تهافت المثقفين “للمفكر المصري د.سعيد اللاوندي بقاعة المقهى ...