الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدى *يكتب :فرنسا بعيون الرحالة المغاربة خلال القرن 19
د.حواد رشدى

د.جواد رشدى *يكتب :فرنسا بعيون الرحالة المغاربة خلال القرن 19

  فرنسا بعيون الرحالة المغاربة خلال القرن 19

نموذج محمد الصفار التطواني

============

1

ارتبط أدب الرحلة لدى الكثير من الباحثين والقراء المغاربة بما كتبه الأجانب حول المغرب، لكن قلما نجد من بينهم من يلتفت لما كتبه الرحالة المغاربة حول الغرب. ضمن هذا المقال سنتعرض لما كتبه الرحالة محمد الصفار التطواني عن فرنسا خلال القرن 19.

يعد كتاب ” رحلة إلى فرنسا” لصاحبه محمد الصفار التطواني من أهم ما كُتِبَ عن فرنسا خلال القرن 19، فبفضل هذا الكتابوبعض الكتابات القليلة الأخرى بدأت تتضح و تترسخ صورة فرنسا لدى المغاربة، فرحلة هذا التطواني جاءت لتخدم بالدرجة الأولى أجندة مخزنية وبدرجة ثانية عامة الشعب.فخلال هذا السفر الذي استغرق ما يقارب الشهرين، استطاع الصفار أن يعرض لكل مظاهر الحياة الفرنسية، مظاهر السكن العمراني بنوعيه الحضري والبدوي،العادات والتقاليد،التاريخ واللغة.

تجدر الإشارة أن المخيال الغربي بصفة عامة والمخيال الفرنسي بصة خاصة ارتبط ارتباطا وثيقا بالمخيال المنبثق عن” ألف ليلة وليلة” بالإضافة إلى ارتباط صورة العرب والمسلمين لديهم بالعصبية الدينية، القبلية، بالتوحش، بالتطرف، إلخ، لكن المخيال المغربي عن الغرب ارتبط بمظاهر العمران الفاتنة وفيما يخص عاداتهم وتقاليدهم فقد نظر إليها الرحالة المغاربة من منظار ديني وهذا في نظرنا تحصيل حاصل لكون الواقع المغربي يهيمن عليه الدين في كل جوانب الحياة. تعد رحلة الصفار إلى فرنسا من هذا المنطلق رحلة ذات فتح مبين بالنظر إلى كون صورة فرنسا في أواسط القرن19 تعد صورة جد مضببة بل وأن العجائبي يعد واحدا من مكوناتها. فهذه الرحلة تعد بحق فريدة جدا على جميع المستويات وهي بحاجة للكثير من الدراسات للتفحص والتدقيق في كل جوانبها خاصة الجانب المتعلق بالعادات والتقاليد الفرنسية آنئذ. لهذا كذلك تعد زيارة الصفار للديار الفرنسية موعدا مع التاريخ بالنظر إلى كون هذا الرحالة يعد بمثابة همزة وصل بين عالمين مختلفين حضاريا على أبعد المستويات.ولقد بدا واضحا أن الصفار كان جد مندهش بمختلف مظاهر التحضر والتمدن في فرنسا، بماضيها التليد والمتألق، وبتحرر الناس واستقلاليتهم. من هذا المنطلق تعد هذه الرحلة ثروة معرفية نادرة لكونها تغوص في أغوار الثقافة الفرنسية على جميع المستويات تعرض للطريف والغريب والمشوق. يضاف إلى ما قيل أن رحلة الصفار قلبت التصور السائد لدى النخب المغربية في ذلك الوقت بأنها الأقوى. ومن الأمور التي هزت الرحالة الصفار وكذلك النخب المغربية هو احتلال فرنسا للجزائر وتفوقها العسكري مما يعني في معادلة بسيطة أن جار المغرب لم يعد مسلما بل مسيحيا مما سيعقد الأمر على المغرب لكونه سيصبح محاصرا بثقافة مسيحية وقوى عسكرية جد متفوقة عليه.أما على المستوى الإقتصادي فلقد تضرر كثيرا نتيجة منع فرنسا المغاربة من العمل في الفلاحة في الجزائر. فنظرا لقوة فرنسا وبداية توغلها في شمال إفريقيا وتهديداتها المستمرة للمغرب، تقرر إرسال بعثة الصفار إلى فرنسا للوقوف على مختلف مظاهر الحضارة والتفوق العسكري. فخلال مفاوضات للامغنية طرحت لأول مرة فكرة إنشاء سفارة للمغرب في فرنسا إلا أن المخزن تردد في الأمر قبل أن يوافق بالنظر لفوائدها السياسية التي أصبحت واضحة المعالم. لهذا تم البدء في البحث عن ممثل دبلوماسي مغربي مهيب المظهر، متقد الذكاء والبديهة والفراسة، من ذوي الحسب والنسب، يجمع بين الثقافة التقليدية والحديثة، دون إغفال ولاء عائلته غير المشكوك فيه للسلطان سيدي محمد بن عبد الله ولمن سيجئ بعده. فقد وقع الإختيار على عبد القادر أشعاشعامل إقليم تطوان لأنه توفرت فيه هذه الشروط، بالإضافة إلى أنه من ذوي الجاه، واسع الإطلاع، له تجربة سياسية دولية، وهو من أصول مورسكية. لقد قال عنه ليون روش، هذا الفرنسي المرافق للبعثة المغربية إلى فرنسا :” أن ابتسامتة ظريفة وتصرفاته لبقة؛ وأعتقد أن حكومة الملك ستكون راضية عن اختياره سفيرا إليها”(1). فهذا العامل شديد البأس الذي كانت النساء في فترته تَبِتْنَ في الحدائق دون رجال دون أن يخفن من شئ، هو من أسس للروابط السفارية بين المغرب وفرنسا، ليكمل مسيرة التقارب الحضاري بينهما رحالة مغاربة أبرزهم محمد الصفار الأندلسي الفقية ذو الخامسة والثلاثين الذي رافق البعثة السفارية إلى فرنسا وتحديدا باريس.

عند وصول البعثة إلى باريس أو باريز كما كانت تنطق في ذلك الوقت، بُهِرَ الفقيه الصفار كما بُهِرَت كل البعثة المرافقة له بجمال هذه العاصمة الأبرز أروبيا.بُهِرُوا بالعمران ورونقه، وجمال النساء في أزيائهن وبكل اختلاف في بلاد العجم.

كان وصول البعثة السفارية في حد ذاته مبعثا لدهشة الباريسيين بالنظر إلى لباس هؤلاء المغاربة التقليدي” الجلباب”، فكان تواجدهم بحق تواصلا ثقافيا رمزيا للجميع وجوهر التواصل و الدهشة هو الإختلاف في كل شئ: اللباس، اللغة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)ـ ،رحلة الصفار إلى فرنسا1845ـ 1846، تحقيق سوزان مللر/أمريكا، عربها وشارك في التحقيق خالد بن الصغير/المغرب، أبو ظبي/ الإمارات العربية المتحدة، دار السويدي للنشر والتوزيع،2007،ص47

2

اللكنة، الملامح،الحركات، ردود الفعل، نمط الحياة السريع وكثرة الأنشطة خلال إقامته الباريسية وهذا ما جعل الصفار

يشتاق إلى العودة لطنجة الهادئة والبطيئة من حيث إيقاع الحياة. خلال إقامة البعثة السفارية المغربية بباريس أعطى السفير المغربي 5000فرنك لفقراء المدينة، الشئ الذي أثار الصحافة الفرنسية، فحاتمية السفير تعد نادرة. ومما زاد من دهشة الصحافيين والباريسيين تقديم السفير هدية لملك فرنسا متمثلة في ستة خيول عربية وكذلك بعض الحيوانات المتوحشة(أسد ونعامتين وثلاثة غزلان بالإضافة إلى صنف من الماعز البريmouton à manchettes)(2).أما بالنسبة لمحمد الصفار، فحاله عند تواجده في باريس لا يقل من حيث الدهشة عن السفير. فلقد تربى في ظل ثقافة دينية،الشئ الذي جعل زيارته لباريس طافحة بالإنبهار. فإذا ما استثنينا بعض الفترات التي تصدى فيها المولى سليمان لبعض الطرق الدينية مثل تلك التي اعتمدتها الزاوية الدرقاوية بتقديس أتباعها للأولياء و إقامة طقوس تلاوة الذكر، الجذب والغناء، فقد اعتبر المجتمع التطواني مجتمعا دينيا محافظا،الشئ الذي جعل سكان تطوان يفرحون عندما تنازل المولى سليمان على الحكم لفائدة ابن أخيه مولاي عبد الرحمان بن هشام سنة 1822 (3).

وبالعودة للصفار فإنه من الرحالة الباحثين عن المعرفة والذين لا يشفي غليله إلا المعرفة المباشرة، الفورية،المعيشية والممحصة في تفاصيل ودقائق الأشياء، ففي إفصاحة في الوصف، تتضح لدى القارئ حقيقة وقيمة الإختلاف. فباريس هي مكمن الدهشة والإنبهار، لأنها مدينة فسيحة بها عدد كبير من البساتين والمتنزهات البديعة،انتظام صفوف الأشجار، مدينة الموضة والحرية، سكانها أهل أناقة ولباقة،النساء يصففن شعورهن بمنتهى الدقة والعناية، قوة جأش سكانها تكمن في الإستعداد للدفاع عن بلدهم، قوانينهم المضبوطة، لكن لرؤية الصفار مرجعية دينية مبنية على البعد الأخلاقي بالدرجة الأولى لهذا كان لها تأثير كبير في تأطير رؤيته للآخروفضاءاته بحكم أنه فقيه من جهة ومن جهة أخرى لأن الثقافة التي قدِمَ منها يؤطرها الدين ظاهريا وباطنيا:

“مع ضعف الإسلام وانحلال قوته واختلال أمر أهله، فما أحزمهم وما أشد استعدادهم،

 وما أتقن أمورهم وأضبط قوانينهم. وما أقدرهم على الحروب، وما أقواهم على عدوهم،

 لا بقلوب وشجاعة ولا بغيرة دين، إنما ذلك بنظامهم العجيب وضبطهم الغريب، واتباع

قوانينهم التي لا تنخرم”. (4)

 

فهذا الوصف الدقيق هو كشف للواقع الفرنسي بالمعاينة المباشرة التي لا تخلو من الدهشة والإنبهار لقناعة الرحالة المسبقة أن الأنظمة المبنية على الدين هي التي يفترض أن تؤدي لواقع متحضر مثل هذا الذي عاينه في باريس وهي  نظرة جُل الرحالة العرب إلى أروبا من أمثال ابن منظور، ابن الخطيب، ابن خلدون، ابن بطوطة إلخ، وهذا في المحصلة تحصيل حاصل لأن المرجعية الدينية متحكمة في كل تفاصيل الحياة في العالم العربي والإسلامي.وباعتبار أن الرحلة التي خاضها الصفار هي رحلة سفارية(رسمية)وفي نفس الوقت استقصائية، فطبيعي أن تركز على مكامن الإختلاف الجوهرية بين عالم إسلامي محافظ وعالم غربي جد متحرر من المرجعيات الدينية. فما قام به الصفار ليس اكتشافا للمجهول في جل أوصافه بل كشف للغريب والعجيب بالمقارنة مع ثقافة بلده الموغلة في الوصاية الدينية على من تم الإعتياد على وصفهم بالرعايا. فالرحلة كانت ولا تزال مصدرا للمعرفة إلى جانب الترجمة، فلولا هذين المكونيين ما كانت الثقافة. لهذا فالتقاطعات الغيرية أو ما عرف في الأدبيات العربية الإسلامية بآداب المخالطة هو ما حدَّ من سطوة النظرة الدينية في إطلاقيتها لمجالات الإختلاف. لهذا جرى الصفار مجرى السلف في التقديم لكتابه بمقدمة دينية تتخللها آيات قرآنية.وهدف من استقصائه للواقع الباريسي كل ما يعود على المسلمين بجم الفوائد على نهج الأولين:”ما شبعت عين من نظر،ولا أذن من خبر.”(5)

فالصفار من شدة ارتباطه بمسقط رأسه تطوان، ظل هذا المسقط لصيقا به حتى نظم أبياتا شعرية ليمجده:

أتطوان الغراء هل سيعد الدهر

بأوبتنا كيما يعود لنا الوصل؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)ـ المصدرنفسه،ص57

(3)ـ نفسه،ص67ـ68

(4)ـ نفسه،ص105

(5)ـ نفسه،ص115

3

وهل يبدوا أو يدنوا محياك بعدما

تلاطمت الأمواج ويجمع الشمل؟(6)

 

فجميل البرور وحسن البشاشة والأنس التي استقبلهم بها الباريسيون لم تنسيه مدينته الغراء تطوان التي ظلت تسكنه.

وبالعودة للرحلة الباريسية، تجدر الإشارة إلى أن الصفار مر رفقة البعثة المرافقة له عبر مدن كثيرة منها مرسيليا، طولون، إكس(كما ذكرها في كتابه)قبل الوصول إلى باريس. وكان ما استحوذ على لبه ما أسماه بطريق الحديد ويقصد السكة الحديدية، فاستغرق في وصفها باندهاش وانبهار كبيرين لأنها أول مرة في حياته يرى طريقا مثل هذا.وعندما وصل باريس زاد انبهار الصفار لتواجده بين عمارات متصلة وحدائق متراصة ونهر عظيم يقسم المدينة إلى اثنين وهو نهر لاسين:

“وهذا  النهر تسافر فيه المراكب والفلايك  و البابورات  كبارا وصغارا، فهو  مشحون  بها

في داخل  المدينة. وفيه  بيوت عظام من الخشب على شكل  السفن  الكبار، إلا  أنها  مسقفة

من  فوق  بسقف منها، مفتوح وجهها الذي لجهة النهر، مرساة في طرفه ثابتة، معدة لغسل

              الثياب، تعلوا عند زيادة النهر وتنزل عند نقصانه كما هو شأن المراكب.”(7)

في هذه البقاع الفاتنة من أرض ” الفرنسيس” كما جرت تسميتها آنئذ، تفتحت قريحة السيد الفقيه الصفار ليخوض في وصف حسناوات بحس غاية في الرقة والرومانسية وكأنه أصبح فقيها ذا جِدَّةٍ باريسة حيث يجتمع التعبد والحكمة ورهافة المشاعر المداعبة للأذهان. فليس غريبا من هذا المنطلق، أن تبدو له باريس وكأنها ملحقة من ملحقات جنة الفردوس حيث كل شئ يسلب ويدهش:

“ولنسائهن نصيب من الجمال والبياض وخصب البدن. وسواد العين والحاجبين معدوم عندهم، والنادر لا حكم له. فلذلك يزين نساءهملبس السوادويواتيهنأكثر من غيره من الألوان، ويحسن أن ينشد هنا في ذلك:

 

رأيتك في  السواد  فقلت بدر        بدا  في  ظلمة  الليل  البهيم

وألقيت  السواد فقلت  شمس      محت بشعاعها ضوء النجوم”(8)

 

ينبني جوهر هذا الإفتتان والإعجاب لدى الصفار بفرنسا على كونها نموذج المدنية و التحضر في مقابل الثقافة الدينية التي تلقاها الموغلة في الوصاية على التفكير والنقد والحرية ودليلنا في ذلك أن الصور التي استقاها هذا الرحالة التطواني أطرها فكر ديني محافظ من البداية حتى النهاية. وما تغزله بجمال الباريسيات الحسناوات إلى تعويض عن واقع يحد من الحريات ومن الفن ومن فنون إنشاد الحياة، واقع لا يسود فيه إلا الفقيه ومن زكاه الفقيه. فالتحضر الفرنسي تحضر مادي ـ وحتى غير مادي ـ مبهر لا يشك فيه أحد عكس ما ظل يتصوره ـ في بلده ـ أنه موجود في الميتافيزيقا والغيبيات المحنطة للحرية، لروح الإبداع، للفكر والمنطق الحجاجي.وما تركيز الصفار الرحالة الجوال على مظاهر التحضر الفرنسي إلا لأنه انبهر وبما وصف يريد أن يُبْهِرَ غيره ليكون بذلك نصه الرحلي الفريد من نوعه مصدرا معرفيا غنيا جدا تتداخل فيه السرود والمشاهدات والمسموعات والأوصاف والغيبيات والتعليقات والتواريخ والجغرفيات إلخ. فالنص الرحلي في زمن لم يكن فيه زخم إعلامي كالذي نعيشه اليوم، يعد بحق مصدرا معرفيا غاية في الأهمية لأنه يؤسس لحوار الثقافات وتواصل الحضارات ويبدد غيم الأقاويل والمسبقات.

إن مهمة الصفار، فضلا عن كونها مهمة سفارية، هي مهمة مُرتحل باحث عن المعرفة  من أجل أن يؤسس لمعرفة جديدة في بلده ومواطن الإختلاف أنى وجدت. فمنابع المعرفة للمُرْتَحِلِ والمترجم فيها أفضل الجهود و أعظم النفوذ شُرُوطُ النهل منها: الإنفتاح، إجادة لغات الآخر، دقة الوصف، تبيان كنه المزايا في اختلاف الثقافات وأمانة نقلها والصفار، بالرغم مما قلنا فيه، اجتمعت فيه جل هذه الصفات، لذلك فقد أنبهر و أبهر، واستفاد و أفاد وله فضل السبق

فيما وصف وساد عن بلاد أبهرت العباد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6)ـ نفسه،ص115

(7)ـ نفسه،ص168

(8)ـ نفسه،ص199

*******************************************************************************************

*أكاديمى ومترجم وشاعر -المغرب 

jrouchdi@gmail.com

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...