الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب:المقرر والمحذوف فى مناهج أبى شادوف !

د.سامى نصار *يكتب:المقرر والمحذوف فى مناهج أبى شادوف !

 

 

في ذروة ظلام الخلافة العثمانية وعسفها الذي لم تعرف مصر في تاريخها الطويل ” عهدا أظلم منه ” على حد قول العالم والمؤرخ الكبير حسين فوزي، وبالتحديد في القرن السابع عشر، وضع كاتب مصري لماح خفيف الظل اسمه يوسف الشربيني كتابا فريدا أسماه “هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف” . والكتاب في معناه ومبناه انعكاس للحالة المصرية المضطربة في تلك الفترة، فقد اختلطت في الكتاب اللغة الفصحى بأحط ألفاظ العامية، والجد بالهزل، فيقول المؤلف واصفا محتوى الكتاب:
كتاب قد حوى فن الولاش كتاب قد حوى ريش الفراش
كتاب فيه أوراق وحبر وقول صادق مع قول لاش
وفيه النظم شبه الطوب رصا وفيه مسائل جاءت بلاش
إذا طالعته حقا وصدقا فلا تأمن سريعا من طراش
ويعترف المؤلف أن كتابه مستمد من ” القريحة الفاسدة، والفكرة الكاسدة” وأنه عبارة عن كلام اغترفه من “بنات الأفكار وسطره في الأوراق فشار في فشار، وهو من بحر الخرافات، والأمور الهباليات”
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما العلاقة بين هذا الكتاب وبين مناهج أبي شادوف؟ أرجو ألا يسيئ أحد فهمي فأنا لا أقصد شادوفا بعينه او أحدا معينا، بل أقصد نظاما تعليميا ، وطريقة في وضع المناهج وتعديلها والحذف منها تستند إلى فلسفة أبي شادوف التعليمية التي أوضحها في مفتتح كتابه والتي أشرنا اليها سابقا.
من المفترض أن مناهج التعليم توضع في ضوء معايير معينة، لتلبية احتياجات متنوعة للفرد والمجتمع، ولتحقيق أهداف معينة، وبالتالي فإن الإضافة إليها أو الحذف منها لا تتم اعتباطا استجابة لمطالبات اجتماعية ناشئة من ضيق أولياء الأمور، وبالتحديد الأمهات، بعبء متابعة أبنائهم من التلاميذ في دراستهم، وهذا العبء يفوق، بالفعل، ما تقوم به وزارة التربية والتعليم. فقد أوكل المجتمع المصري للأمهات مهمة التربية والتغذية والتعليم والرعاية الصحية والنقل والمواصلات لتلاميذ المراحل الأولى من التعليم. ومن وطأة هذه المسئوليات الجسام، كانت ثورة الأمهات على التعليم وهو الحلقة الأضعف في سلسلة حلقات الحصار المضروبة حول المواطن المصري رجلا كان أم امرأة.
ولأن المجتمع قد فقد ثقته في التعليم بشكل عام، وفي المناهج التعليم التي يدرسونها لأبنائهم في المنازل باعتبار أنها لا غناء فيها ولا جديد ولا مفيد، مثلها مثل كتاب أبي شادوف، ولأن المجتمع يدرك أيضا أن مربط الفرس هو نجاح أبنائه في امتحانات آخر العام، ولأن الوزارة، من جانبها أيضا، تدرك أنها لا تقوم بتعليم أبناء المجتمع على النحو المطلوب، فقد تلاقت إرادة الطرفين، كما يقول القانونيون، على حذف ثلث المناهج الدراسية تقريبا.
وكانت المفاجأة سرعة استجابة وزارة التربية والتعليم والإذعان لمطالب الأمهات، وهذا يعني ضمنا اعتراف الوزارة بتهافت مناهجها وبأنها لا تختلف عن محتوى كتاب “هز القحوف” ومن ثم يمكنا الحذف منها بغض النظر عن أهميتها في تكوين التلاميذ معرفيا ومهاريا ووجدانيا، وبغض النظر أيضا عن علاقتها بما تبقى من أجزاء المنهج، ودون النظر إلى موقف طلاب السنوات السابقة الذين سوف يشعرون بالظلم لأنهم درسوا هذه المناهج كاملة، وأنهم أضاعوا وقتهم بين المدرسة والدروس الخصوصية في دراسة موضوعات اعترفت الوزارة بعدم جدوى دراستها فقامت بحذفها.
وقد يقول قائل إن ما تم هو نوع من إزالة الحشو، فيعود بي شريط الذكريات إلى بداية الثمانينيات لأرى أمامي الرئيس الأسبق حسني مبارك ومعه الدكتور أحمد فتحي سرور ،أيام كان وزيرا للتعليم، على شاشة التلفزيزن وهما يتجولان في أروقة مركز تطوير المناهج –الذي انشئ بمعونة أمريكية- بين شباب الباحثين الجالسين أمام شاشات الكمبيوتر وفتحي سرور يشير إليهم قائلا إنهم يزيلون الحشو من المناهج، ومن يومها لا تزال عملية إزالة الحشو من جسد المناهج الدراسية مستمرة لا تنتهي.
إن خطورة ما حدث تكمن في أن استجابة الوزارة كانت استجابة سياسية قفزت فوق كل الاعتبارات التربوية والفنية التي ينبغي أن تراعى في إصلاح المناهج أو حتى تعديلها. فمن الضروري ان يدور نقاش مجتمعي حول إصلاح المناهج يشارك فيه الطلاب، وأولياء الأمور، والمعلمون، والمثقفون، تنتج عنه الفلسفة العامة التي تضيئ الطريق أمام الخبراء والمختصين في بناء مناهج يتوافر فيها معايير الجودة، مناهج تسهم في بناء دولة المواطنة والديمقراطية ، وترسخ العقلانية والتفكير النقدي والتنور، وتستشرف المستقبل وتنمي الإبداع، مناهج تنفتح على علوم العصر وثقافاته، وتتوافق مع مطالب العصر الرقمي وأنماط التعليم والتعلم السائدة فيه. ومن الضروري أيضا أن يكون لدينا الية ثابتة لتطوير المناهج وتعديلها، بحيث لا تصبح عرضة للتعديل أو الحذف والإضافة إلا لاعتبارات تربوية وفنية، ولا تستخدم كمناورة من مناورات السياسة لإرضاء الجماهير فنضيف ونحذف فتصبح مناهجنا وكتبنا الدرسية وعاء يتضمن أخلاطا من الموضوعات والمعارف التي رابط بينها ولا هدف يجمع بين أشتاتها على طريقة كتاب “هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف”

***************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

الانتلجنسيا الرثة والأصولية فائض القيمة الرمزي ” استعادة الماضي هي استعادة مخاتلة للحاضر ” – ...