الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامى نصار *يكتب:دولة العائلات

د.سامى نصار *يكتب:دولة العائلات

لا أظن أن ثمة من يشك للحظة في أنه لا يوجد بلد في وطننا العربي –الذي كان- يستحق أن يطلق عليه دولة بمفهمومها وشروط وجودها الجيوسياسية. لقد أصبحت بلادنا أنقاض دول أو على الأحرى دول عائلية. ولا أقصد بالدول العائلية هنا تلك الدول لتي تحكمها عائلات فقط، بل أقصد أيضا دول ادعت أنها جمهوريات ديمقراطية، ولكنها نحت جانبا القوانين والتشريعات والمؤسسات الي تقوم عليها الدول الحديثة، وقامت أيضا بتقويض المواطنة، حقوقا وواجبات، واستبدلت بها الأعراف والمجالس العرفية، وأخذت على عاتقها، بهمة واقتدار تفكيك بنى الدول وتحويلها إلى عوائل وقبائل، وطوائف دينية، وفئات اجتماعية، تتعاطى فيما بينها سياسة القطيع الذي يتبع راعيه حيثما قاده إلى الكلأ والماء، ويخضع لعصاه ويخشاها، كما يطرب لحدائه ويردده. وتتنافس كل  فئات القطيع في ممارسة مختلف أشكال التزلف والطاعة حتى تجد لنفسها مكانا في مقدمة القطيع، أو في ظل شجرة بالقرب من الراعي.

والمشكلة أن هناك اتفاقا ضمنيا غير مكتوب بين الراعي والرعية،. تاسست بنوده عبر تاريخ طويل من عدم الثقة بين الطرفين، وأن العلاقة بينهما تخضع للمصالح المتبادلة، وتدور معها وجودا وعدما، وتنتهي بزوال القوة المؤثرة لدى أحد الطرفين. وكلا الطرفين يدرك ذلك، وكلاهما يصفح للاخر تبديل مواقعه وتغيير مواقفه بتغير الظروف السياسية. وعلاقة عدم الثقة هذه هي التي تدفع الطرفين إلى البعد عن العلاقات الدستورية والقانونية التي تقوم عليها الدول، وتلجأ إلى أنواع من العلاقات تقوم على الولاء المؤقت والأحكام الأخلاقية التي تتسم بالمرونة والقابلية للتفسير والتأويل حسب الموقف. وتستخدم هذه الأحكام في وصم من يخرج عليها أو على الراعي بوصمات تدعمها الأعراف والتعاليم الدينية حسب الحاجة وطبقا للموقف، ومن ثم عندما يشتد الصراع يطفوا رجال الدين على السطح ناصحين ومهددين، محكمين وقاضين، مادحين ولاعنين مكفرين.

وقد بدأ تأسيس دولة العائلات في مصر عندما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات أنه رب العائلة المصرية، وانه الرئيس المؤمن، كما أصدر قانون حماية القيم من العيب، وقام بتأسيس محكمة القيم. وقد استخدم السادات كل هذا لتحقيق أهدافه السياسية، والعسف بخصومه، وإسكات صوت معارضيه باعتبار ذلك عيبا وخروجا على قيم العائلة المصرية، وعلى آداب التعامل مع رب العائلة.

وعلى الرغم من أن مصر شهدت ثورتين من أجل استعادة قيم الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة، والمساواة، وإنفاذ الدستور والقانون، إلا أن الواقع لا يبشر بالخير، فمن ناحية، لا زالت فكرة الحاكم رب العائلة هي السائدة، ولا يزال الخطاب السياسي على كل مستوياته يدفع في اتجاه إنتاج معنى دولة العائلات بمختلف إشاراته، ودلالاته، وتجلياته، وممارساته. ومن ناحية أخرى، تراجعت علاقات المواطنة لتفسح مجالا لقيم دولة العائلات ولعلاقات القبلية والقرابة، ولعل أوضح الأمثلة على هذا تلك الظاهرة الجديدة التي تتمثل في الإعلانات التي تتواتر في الصحف اليومية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي عن تأسيس اتحادات وجمعيات عائلية باسم عائلة فلان وعائلة (علّان). ومن المؤسف أن تبارك الدولة هذه التنظيمات العائلية بإشهارها من خلال وزارة التضامن الاجتماعي، مخالفة بذلك المادة 53 من الدستور المصري، نصا وروحا، والتي تقول:

” المواطنون لدي القانون سواء, وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة, لا تمييز بينهم بسبب الدين, أو العقيدة, أو الجنس, أو الأصل, أو اللون, أو اللغة, أو الإعاقة, أو المستوي الاجتماعي, أو الانتماء السياسي أو الجغرافي, أو لأي سبب آخر . . . تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز …”

ولا يحتج هنا أحد بحق تكوين الجمعيات الأهلية الذي اقرته المادة 75 من الدستور حيث نصت على:
“للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية علي أساس ديمقراطي, وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار” فمعنى أنها أهلية وعلى أساس ديمقراطي يعني أنها مفتوحة أمام جميع المواطنين دون تمييز بينهم وأنها تؤدي خدماتها لجميع أفراد المجتمع بلا استثناء على نحو ما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني حاليا. ومن ثم فإن قانون الجمعيات الأهلية الصادر عام 2002 قد أجاز رفض إشهار الجمعيات التي تمثل تهديدا الوحدة الوطنية أو مخالفة النظام العام أو الآداب أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

ومن المؤسف أيضا أن يوضع على رأس هذه الاتحادات العائلية أكثر أبناء هذه العائلات تعليما ونفوذا ومكانة واقترابا من السلطة أو من رب العائلة، حتى يستطيع بنفوذه واقترابه من السلطة أن يقضي مصالح العائلة وحاجات أعضائها.

وهكذا يتم تدريجيا تفكيك الدولة والقفز على قوانينها وتجاوز مؤسساتها، عندما تصبح علاقات القرابة هي الأساس. وعندما تنوب العائلة عن الدولة في أداء أدوارها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، فإنها تصبح أقوى من مؤسسات الدولة، ويكون لها الصوت الأعلى في صنع القرار، وتوزيع اعباء تنفيذه، وجني ثماره. وهنا لا تنهار الدولة فقط بل يتمزق الشعب أيضا، ونعود إلى الوراء، إلى عصر المماليك والدولة العثمانية، ونحرق ما تم إنجازه من مراحل على طريق بناء مصر الحديثة، وتكوينها دولة وشعبا منذ محمد علي حتى الان.

لقد اختفت عبارة “شعبنا الكريم” التي كان يخاطب بها الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق الشعب المصري، لتحل محلها  عبارة ” أيها الأخوة المواطنون ” التي كان يخاطبنا بها عبد الناصر، التي تحولت على لسان السادات رب العائلة المصرية وعلى لسان مبارك إلى “أيها الأخوة والأخوات” والتي أصبحت أكثر صراحة وفجاجة في التعبير عن دولة العائلات على لسان مرسي عندما كان يقول ” أهلي وعشيرتي ”

وهكذا فإن دولة المواطنة آخذة في التراجع في مصر…ولهذا ” بقول للمصريين …مايصحش كده ”

*********************

*عميد كلية الدراسات العليا للتربية الأسبق-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

الانتلجنسيا الرثة والأصولية فائض القيمة الرمزي ” استعادة الماضي هي استعادة مخاتلة للحاضر ” – ...