الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.معتز خورشيد*يكتب:التعليم العالى والمبادرات الدولية
د.معتز خورشيد

د.معتز خورشيد*يكتب:التعليم العالى والمبادرات الدولية

يشهد العالم منذ نهاية القرن السابق وبداية الألفية الثالثة طفرة كمية فى معدلات الالتحاق بالتعليم العالى، حيث توقعت مؤسسة دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» أن تصل أعداد المسجلين فى التعليم العالى – على المستوى العالمى – فى عام 2025 إلى ما يقارب 150 مليون طالب. وتعود هذه الزيادة غير المسبوقة فى حجم منظومة التعليم العالى إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولاً: الضرورة الديموجرافية فى عصر الحداثة والمعرفة التى تتطلب حجماً سكانياً أكثر تعلماً ومهارة فى إطار التوجه العالمى للتعلم مدى الحياة والتعليم المستمر. ثانياً: احتياجات أسواق العمل الدينامية فى الألفية الثالثة، وما تتطلبه من موارد بشرية قادرة على البحث والتطوير والابتكار فى إطار الاقتصاد المعرفى، وقوى عاملة مكتسبة للمهارات والجدارات المهنية والاجتماعية والشخصية. ثالثاً: المواثيق والأعراف الدولية الداعمة لإتاحة التعليم والتعلم مثل الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر فى عام 1948 ومؤتمرات التعلم للجميع (1990 – 2000) والأهداف الإنمائية الألفية (2000 – 2015)، وأجندة ما بعد 2015 MDGs التى تهدف لاستدامة تحقيق تلك الأهداف عبر الأجيال، واستراتيجية اليونسكو لتدويل التعليم العالى والبحث العلمى.

وقد واكب هذه الطفرة الكمية فى الأعداد تعدد أو تنوع غير مسبوق فى البنية المؤسسية الجامعية والنظم والبرامج الأكاديمية وسُـبل حوكمة مؤسسات التعليم العالى وإدارتها، بما ساهم فى زيادة معدلات الطلب على آليات وأنظمة حديثة لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية وكفاءة خريجيها وقدرتهم على مواكبة العصر المعرفى.

ومن ثَم سعت نظم التعليم العالى بمعظم دول العالم إلى تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة فى «التوسع فى الإتاحة مع ضمان الجودة»، بيد أنه يتعذر تحقيق الإتاحة مع الجودة دون التوسع فى «الطاقة الاستيعابية» للمنظومة التعليمية بمفهومها الواسع، من خلال تعظيم الاستثمار فى البنية المؤسسية وتطوير الإمكانات الأكاديمية والبحثية وتنمية الكوادر البشرية. ورغم نجاح دول العالم المتقدم فى تحقيق الارتباط الأمثل بين أضلاع مثلث «الإتاحة والجودة والطاقة الاستعابية»، ظلت العديد من دول العالم النامى – منها مصر – غير قادرة على تطوير منظومتها للتعليم العالى، إما لقصور التمويل اللازم للتوسع فى الطاقة الاستيعابية أو لعدم كفاءة منظومة الجودة والاعتماد، مما ساهم فى تراجع مستوى الخريج وضعف قدراته التنافسية وعدم مواكبته لمتطلبات أسواق العمل بالألفية الثالثة.. ويُعد هذا التراجع فى جودة الخريج أحد أسباب تفاقم مشكلة البطالة بين شباب الدول النامية.

وفى هذا الإطار، تتجه الجهود الدولية – بقيادة منظمة اليونسكو – لإتاحة التعلم المجانى للجميع، فى ظل إطار تنظيمى يعتمد على مراكز التعليم المفتوح والارتكاز على استراتيجيات للتعلم مدى الحياة، وتتمثل هذه الجهود فى إتاحة البرامج التعليمية على شبكة الإنترنت لاستخدامها من قبل الأفراد والمؤسسات التعليمية دون مقابل، وبما يساهم فى تعظيم معدلات إتاحة التعليم ونشر المعرفة من ناحية، وإضفاء بُعد متعدد الثقافات على التعليم العالى من ناحية أخرى.

وقد تم طرح مبادرة موارد التعليم المفتوح فى إطار منتدى اليونسكو عن «المقررات الدراسية المتاحة للتعليم العالى فى الدول النامية»، فى أعقاب مبادرة معهد ماسوشست للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، لإتاحة مقرراته على الشبكة العنكبوتية العالمية بالمجان لمجتمع الدارسين والباحثين على المستوى العالمى. وقد اتفق المشاركون فى المنتدى على الإعلان عن رغبتهم فى تطوير موارد تعليمية لمنفعة العالم أجمع والإنسان بشكل خاص، وبما يسمح لمؤسسات التعليم العالى والطلاب وأعضاء هيئة التدريس بتعظيم العائد المتحقق منها.

وقد كلفت منظمة اليونسكو المعهد الدولى لتخطيط التعليم بالبدء فى حوار موسع – من خلال الإنترنت – حول مفاهيم وأدوات وأساليب تحقيق هذا التوجه العالمى، والذى سيكون تأثيره أكثر أهمية وفائدة للدول النامية ذات الموارد المالية المحدودة والإمكانات التعليمية والتكنولوجية المتواضعة. وقد ساهمت هذه الجهود – بالفعل – فى دفع فكرة إتاحة الموارد التعليمية دون مقابل إلى حيز التطبيق.

كما تبنت العديد من الدول مبدأ «الشراكة فى الموارد التعليمية» لدعم نشر المعرفة على المستوى العالمى، مع التأكيد على أن تطوير ونشر المقررات التدريسية عالية الجودة دون مقابل على شبكة الإنترنت يُعد من أهم العوامل المؤثرة فى تحقيق هذا الهدف المعرفى المهم.

وفى ظل التوسع فى هذه المشروعات الداعمة لجودة التعليم وإتاحة المعرفة، كونت منظمة اليونسكو تجمعاً دولياً يختص بتبادل الأفكار والرؤى والسياسات والمعلومات بين الدول، أُطلق عليه اسم «مجتمع اليونسكو للبرامج المتاحة بالتعليم المفتوح». وحتى يمكن الأخذ فى الاعتبار بعائق اللغة والاختلاف بين النظم التعليمية والثقافية للدول، أقر مجتمع اليونسكو إنشاء شبكة على المستوى العالمى تسعى إلى ربط المكتبات الرقمية للبرامج التعليمية المتاحة عبر القارات وبين الدول.

وبما أن منظومة التعليم العالى المصرى تشهد – فى الوقت الراهن – نمواً كبيراً فى أعداد طلابها، وقصوراً فى إمكاناتها التمويلية، ونقصاً فى الطاقة الاستيعابية لمؤسساتها ومن ثم تراجعاً فى جودة خريجيها – حيث إن «التوسع فى الإتاحة مع ضمان الجودة» يُعد هدفاً استراتيجياً يتعين السعى إلى تحقيقه حتى يمكن انتقال مصر إلى اقتصاد المعرفة وعصر العلم والتكنولوجيا تأكيداً لأهداف التنمية البشرية، وهو ما يصعب تحقيقه فى ظل المناخ التعليمى المصرى الراهن – فإن مشاركة مصر الفاعلة فى المبادرات الدولية الرامية إلى إتاحة التعليم بالمجان من خلال مبادرة اليونسكو فى هذا الشأن، تُعد أمراً على درجة عالية من الأهمية لدعم منظومة التعليم العالى المصرى. فهل تتبنى وزارة التعليم العالى هذا التوجه من أجل التوسع فى إتاحة التعليم للجميع وتنويع مصادره؟

===========================

* وزير التعليم العالى والدولة للبحث العلمى الأسبق

إستاذ جامعى -جامعة القاهرة

نقلا عن المصرى اليوم

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...