الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.نادية جمال الدين *تغيير المقررات الدراسية -محاولة للفهم
د.نادية جمال الدين

د.نادية جمال الدين *تغيير المقررات الدراسية -محاولة للفهم

  تغيير المقررات الدراسية والحذف منها في تصريحات المسئولين في مصر

– محاولة للفهم –

========

تتردد كلمة التغيير الآن أكثر من التغير على كافة الجبهات الحياتية في مصر  وخاصة بعد ثورة 25 يناير لـسنة 2011 حيث تحولـت مصـر بفضل ثـورة شعبها ،ومـا تلاها وأكملها في 30 يونيه 2013 إلى نموذج للتغير ، وتأكد بوضوح أن مصر تغيرت قيادتها السياسية أكثر من مرة في ثلاث سنوات ، وكل مستقبلها بأيدى  شعبها ؛ ومن ثم كان الدرس عبر العالم كله بعد ثورة يناير تحديدا أن  مصر ُتغير العالم ..

        والتغير فى حد ذاته حقيقة لا خلاف حولها ومشهورة منذ أشار الفيلسوف اليونانى “هيراقليطس” بأنك لا تنزل إلى النهر الواحد مرتين ” ، غير أن ما أشار إليه الفيلسوف اليونانى هو تغير مهما كان نوعه ، إلا أنه لا إرادى أو طبيعى متجدد أما المقصود هنا فهو التغيير الإرادى القائم على أساس رؤية جماعية لضرورة إحداث تغيير فى الواقع المجتمعى من أجل تحقيق نقله نوعية متكاملة وشاملة إلى الأفضل للجميع بما يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والوطن معاً فى إطار الحفاظ على الكرامة للجميع وعلى أساس من العدل و المساواة وغير هذا مما هو مفهوم ومطلوب مما تحتويه الوثائق والإجراءات المعبرة والضامنة لذلك .

فإن التغيير الإرادى الإنسانى المجتمعى الشامل يعتبر القضية الأولى فى عالم اليوم حتى وصف العالم المعاصر بعالم المتغيرات السريعة، وعالم انهيار الثوابت وليس فقط تحريكها، عالم تفجر الأزمات غير المسبوقة وعالم يتغير كى يصبح أكثر اقترابا من أن يكون عالم حقوق الإنسان وسقوط الدكتاتوريات العاتية .

        عالم اليوم إذا هو عالم التغير السريع والمستمر ، عالم لا تهدأ حركته ولا تتوقف مسيرته وتقوم شبكة الاتصالات العنكبوتية وطرق نقل المعلومات السريعة بالصوت والصورة عبر الومضات الضوئية بمساعدة الجميع فى كافة أركان الدنيا بتتبع ما يحدث فى أى مكان فى العالم بصورة آنية غير مسبوقة ،ـ وبناء على ذلك فقد أصبح من المؤكد أن حتمية التغيير أمر لا راد له بعد أن تعاونت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع الإرادة الإنسانية الواعية فى تحقيق الطموحات المجتمعية فى حياة مؤسسة على الحفاظ على الكرامة الإنسانية أكثر عدالة وحرية ورفاهية ومتناقصة المخاطر.

ولعل كل ما سبق مقدمه تأخذنا إلى المنطقه الأساسية التى ينبغى أن تتوقف أمامها و أستوقفتني طويلا فى محاوله للفهم أو البحث عن تفسير لها . وبمعنى أدق يُلح السؤال لماذا كلما صادفنا جديد مختلف فى المجتمع المصرى نقوم بتجاهل ما سبقه من حقائق والقفز بعيدا فى محاولة واعية أو غير واعية للهرب وإحداث تغيرات جزئية قد تزيد الأمر تعقيداً ؟

 ففي مجال التعليم  على سبيل المثال تتضح هذه الرغبة من المسئولين بوزارة التربية والتعليم من التغيير لمواكبة الجديد وفقاً لوجهة نظرهم . غير أن الأمر عادة ما يبدأ بالتصريحات المتوالية عن التغييرات في المناهج أو الكتب المدرسية على وجه التحديد ربما يكون الهدف منها هو التخلص من المحتوى الذي يتناول فترة سابقة وبأشخاصها، ويتضح هذا فيما حدث بعد الثورة وما يزال يحدث حتى الآن ؛ حيث صدر عن وزير التربية والتعليم على سبيل المثال في أواخر يناير من عام 2014 تصريحاً مؤداه أن العام الدراسي القادم سوف يشهد حذف 30% من المناهج الدراسية ، والحق أن الحذف هو من محتوى المقررات الدراسية وليس المناهج التي هي أوسع كثيراً من مجرد الكتاب المدرسي. ومن الملاحظ أن الموقف الرسمي لوزارة التربية والتعليم دوما هو اصرار كل وزير يأتي إلى كرسي الوزارة على أن يتعامل مع كرسي الوزارة على انه كرسي بلا ذاكره ، فيتجه مباشرة إلى الكتب والمقررات الدراسية  ويتعامل معها على انها مجرد وعاء لابد من إنقاص محتواه والرأي هنا أن الأمر لا يعدو العجز عن فهم المشكلات الحقيقة للتعليم في مصر وتجاهلها بالقفز دوماً إلى مغازلة الرأي العام وإظهار ان الكتب المدرسية هي السبب الأول والأخير في سوء العملية التعليمية دون محاولة للبحث عن الأسباب الحقيقة وعلاجها بصورة جادة.

ولعل كل ما قيل و يحدث بشأن المقررات الدراسية فى مدارس مصر بعد الثوره يثير التساؤل … فما أن هدأت الأمور بعد ثورة يناير 2011  وبدأت تتضح المواقف حتى بدأت أحاديث المسئولين عن التعليم تتناول محتوى ما يطلق عليه بالمناهج ،  ويتكرر هذا أيضاً بعد ثورة 30 يونيه 2013، حيث اتفق كل المسئولين في إطلاق التصريحات المرتبطة بالتغيرات التى يمر بها الوطن فيصرح المسئول بناء على الاسئلة المثارة أن الوزارة تدرس حذف ما هو موجود من إشارات وتفصيلات تناولت الفترة السابقة عليه بأشخاصها الفاعلين وخاصة فيما بتعلق بأسماء محدده والإنجازات المنسوبه إليهم . هكذا فجأة وفى نفس العام الدراسى بعد أن كانت الكتب تحتوي  الإشادة بمن كانوا على سُدة الحكم وكانت سيرتهم تذكر بالإعزاز والاعتزاز…..فجأة يجد أولياء الأمور والتلاميذ أنفسهم ودون مقدمات يواجهون سيلاً من التصريحات والأحاديث التلفزيونية والصحفية الرافضة والناقدة لما كان من قبل  من محتوى بعض  الكتب  التي في أيدى التلاميذ. لتحذف ما تيسر من محتوى هذه المقررات الدراسية والذى يشير إلى شخصيات وأحداث وإنجازات بعينها فى الفترة التاريخيه المقصودة.  هذا وغيره كثير مما هو معلوم  وتشكل من اجله لجان بوزارة التربيه والتعليم مما قد يُظهر للأجيال الصاعده من صغار وشباب المتعلمين أن جيل الأساتذة من القائمين على العمليه التعليمية خاصة ،  أنهم إما جيل منافق أو غير أمين فيما يقدمه من معلومات ومعارف تتضمنها المقررات الدراسية ، وانه جيل يتميز بالولاء غير المشروط لمن يملك السلطة ثم الانقلاب عليه والرفض له دون أن يوضح لهم ولمن سيأتى من بعدهم لماذا كان هذا التغيير فى المواقف أو لماذا كان هذا التقبل والإطراء الزائد ثم الرفض الحاد مباشرة حالما تغيرت السلطة السياسية.

        هذا الموقف والذى تكرر فى مناسبات سابقة وفترات تاريخية مختلفة ، سوف يدفع بأجيال من الدارسين وخاصة الأجيال المعاصرة ، إن آجلا أو عاجلاً ، إلى الشك المتزايد فيمن يقومون على هذا الأمر. ، ولا يتوقف الشك عند هذا بل ستتسع  دائرته وتمتد لتشمل أشياء كثيرة أترك للقارئ حق الاسترسال فى تخيلها..

        إن الحذف ، فيما نراه هنا ، يعنى الرغبة السريعة فى إحالة المرحله السابقه من تاريخ الوطن إلى طى النسيان. والنسيان هنا يعنى إعاقة المتعلم وحرمانه من تعلم أو معرفه الخبرات التاريخيه المصريه التى عاش التلميذ بعضاً من سنواتها. والحذف يعنى رفض ضمنى للبحث فى مشكلات الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعرف جذورها وأسباب توحشها من باب الاستسهال والهروب من النقاش والحوار حولها وتجاهل البحث عن حلول لها أو سبل مقاومه الأسباب التى أوصلت الوطن إلى ما كان عليه وأصبح فيه الآن . و الحذف  من المقررات الدراسية لبضعه سطور أو عدد من الصفحات أو فترة تاريخية أو حتى تغيير الكتاب المقرر لإخفاء الأمر عن قصد يعنى الرغبة فى استبعاد العوامل والأسباب التى ادت إلى إشعال قوى الثوره المصريه والتعتيم المقصود على ما ثار الشعب المصرى مجتمعا من اجله.

        كما أن الحذف يعنى محاصرة الخيال الناقد والمحافظة على ثقافة الخوف والبعد عن التأكيد على القيم والفضائل اللازمة لكى يظل المواطن المصرى ناقدا ونشطا ومستعدا دوما للحوار مع الآخر وللنضال من أجل وطن حر وديمقراطيه تشمل الجميع وتسمح لهم بالعمل الجاد من اجل مستقبل  أفضل.

        ولعل الأمر الخطير الذي يترتب على الحذف هو هدم للأسس التي توضع عليها بنية المنهج من حيث ما يعرف  بأسس بناء المنهج الدراسي وما يتطلبه من تتابع في الموضوعات والمواد العلمية والتي تبنى بعضها على بعض وترتبط لتؤدي بالتلميذ لأن يفهم المادة التعليمية وتفصيلاتها لتحقق أهدافها التي وضعت من اجلها فالأمر بالنسبة لفلسفة المنهج واسسه تتطلب ما يسمى بالمدى والتتابع وأسس علمية اخرى تتحكم في المحتوى الدراسي . إن الاستخفاف بقواعد المنهج التي تتحكم في المحتوى الدراسي وتفرض تسلسلاً بعينه  وتكاملاً مع بقية ما يقدم للتلميذ ، وتتطلب بنية علمية محددة تقف عاجزة امام الاصرار على اختزال المقرر الدراسي وحذف الموضوعات التي يقال عنها أنها تمثل حشواً وتكراراً . إن وضع المنهج الدراسي له أسسه وقواعده العلمية ، وليس امراً عشوائياً يتم بإضافة صفحات أو حذف صفحات أخرى.

والذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار ان المشكلة الحقيقية ليست في حجم المدرسة ولا محتوى الصفحات وإنما المعلم الذي يقوم بالتدريس من حيث إعداده وتدريبه ، فالمعلم المهني المقتنع بعمله يستطيع أن يقدم لتلميذه ويساعده على الفهم ويشجعه على الحوار وتكمن المشكلة أيضاً في الامتحانات ونظامها والذي يضع كل مسئول عينه على نتائجها فيعمل بالتالي إلى ترضية أولياء الأمور بالحذف في المقررات الدراسية وهنا يكون الترضي الحقيقي في العملية التعليمية فسياسة الترضي تؤدي دوماً إلى التردي.

        وهنا لابد من التأكيد على  أهمية دور المعلم ونظام الامتحانات والنشاط المدرسي بل والإدارة المدرسية بل وكل ما يدور في المدرسة في تحقيق أهداف العملية التعليمية وليس فقط المقررات الدراسية ؛ مما يتطلب القول بأن الفضاءات المتاحة امام الجهد التربوي التعليمي  اوسع كثيرا من أسوار المدرسة  بكل محتواها ، فالمدرسة حقا لابد وان تعلم ، ولكن هذا لا يعنى أن التربية  والتعليم ينحصر داخلها ؛ فذلك تحديداً له مجالات أوسع وأكثر وأعمق ، فالثقافة العامة وليست المقررات والثقافة المدرسية هى التى يمكن أن تقدم الفرص الأوفر وتحقق من خلالها كافة الوسائط التعليمية خارج المدرسه (التعلم المستمر)  .

        والتعلم المستمر والمتجدد للجميع يتضمن الحقائق العلمية والمعارف العامة والثقافة المجتمعيه متعددة الجوانب والفنون الإبداعية والأنشطة بأشكالها المتنوعة والتى توفر، والحالة هذه، للجميع إمكانية امتلاك القدرة الناقده والحس الإبداعى ، والخيال الرحب ،كما تساعد وتؤدى إلى رفض كل أشكال الحصار والتجاهل والإخفاء والتعمية المقصوده لصالح جماعات بعينها أو جماعات مصالح مهما كان أهدافها.

        والثقافة العامه المتاحة في المجتمع عبر الوسائط التربوية المتعددة مثل الأسرة وأجهزة الاعلام وما تتيحه التكنولوجيا المعاصرة من قدرة على النفاذ إلى المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي تكمل ما تقدمه المدرسة وتعمقه وتعمل على الإمداد بكل جديد ومختلف يعوض أو يتعارض أو يختلف عما جاء في المحتوى الدراسي ، مما يتطلب  سياسات تعليمية وإعلامية وثقافية اجتماعية متكاملة ، وهذا يتطلب منا الاعتراف بأن التعليم نظام يرتبط بالنظم الاجتماعية الاخرى.

        والرأى هنا أن حذف أجزاء من المقررات الدراسية او تغييرها هو ضد الأمانه العلميه ويهدد الذاكرة التاريخية المتصلة والواعية ، فالحذف مهما كان من أى مقرر دراسى إنما يخضع لفكر اللحظة الضاغط وفكر من يملك ان يحذف بعيدا عن المنهج العلمى الذى ينبغى أن يتبع حفاظا على تاريخ الوطن وذاكرة الامة ، ودعما للقدرات الناقده للمواطن وشحذ وعيه. أما محاولة اقناعه بأن ما يتم هو حذف للحشو الزائد والذي لا لزوم له فإن هذا يدفع بالتلميذ إلى الشك في كل ما يقدم لهم .

 فقد يطرح  التلميذ على نفسه السؤال لماذا لا يكون المقدم له أيضاً والباقي بين يديه من النوعية التي حذفت أي حشو لا ضرورة له ! والسؤال المطروح هل تردى الحال بواضعي المناهج في مصر بأن يُصبح ما يقدمونه لأغلى ثروات الأمة وهم المتعلمين في مدارس مصر حشواً ؟! ..

وإذا كان حشوا بالفعل ولا لزوم له فلماذا تم إقراره من اللجان التي راجعته ؟! ، أسئلة كثيرة لا تعليق عليها سوى أنها تثير تساؤلات حول من يطلق هذه الاتهامات الضمنية ومدى إدراكه لمسئولياته التربوية والأخلاقية.

==================

* أستاذ بمعهد الدراسات التربوية ، جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...