الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.هدى درويش *تكتب :الموسيقى عند مولانا جلال الدين الرومى وأثرها الحضارى
د.هدى درويش

د.هدى درويش *تكتب :الموسيقى عند مولانا جلال الدين الرومى وأثرها الحضارى

مولانا جلال الدين الرومى شاعر صوفى من أقطاب التصوف الكبار مؤسس المولوية أشهر الطرق الصوفية في تركيا ، ولد في بلخ عام 1207 ، وينتهى نسبه الى ابى بكر الصديق رضى الله عنه ، تتلمذ على يد العارف بالله الشيخ شمس الدين التبريزى .
اشتهر مولانا جلال بعشقه للموسيقى, وكان بداية ولعه بها عندما ذهب يوما الى أحد أصدقائه وكان يعمل صائغاً للذهب ، حيث سمع عنده الطرقات المنتظمة على الذهب فأخذه صوت هذه الطرقات ؛ فراح يتحرك على صوتها في شكل دائرى حتى غاب عن الوجود ولم يشعر إلا بالله ومن هنا عرف الرقص الدائرى الذى يمارسه أتباع مولانا حتى الآن ، والذى ينقلهم الى أجواء روحانية عالية من الصفاء الروحى والفناء في الله
عُرف مولانا بانجذابه الشديد للنغم الموسيقى وخاصة آلة الناى التي وجد فيها الوسيلة الأقرب للطبيعة . وتذكر الأساطير الصينية أن الناى هو أول آلة موسيقية ظهرت من عيدان الغاب ، كما عرفت هذه الالة في الهند القديم فكان كريشنا إله الحب قديما ، يظهر على شكل عازف ناى كذلك كان أصحاب الديانات القديمة يشبهون الناى بقلب الإنسان ويصورون الثقوب التي في قصبته بالمعاناة والآلام التي يشعر بها الإنسان ، كما شبهوا صوت الناى بصوت الإنسان الداخلى ذلك لكونه يثير الوجد والعشق عنده.
فيرى مولانا جلال أن الناى هو اكثر الآلات الموسيقية ارتباطاً بالإنسان ، فيشبه أنينه الحزين بالحنين للرجوع لأصله السماوى. وكان مولانا يحدث الناى بمعانى الشوق ، للرجوع الى أصله النورانى ، ويرى أن جوف الناى خال ولا تنبعث النغمات الا من خلال عازفه , كذلك الهائمين في حب الله فقلوبهم خاوية عما سوى الله لكنها مليئة بالنفحات الآلهية ويعقد مولانا جلال علاقة بين الناى وعازفه فيقول ” أن باطن العازف يخرج منه هواء يصل الى جوف الناى فيصبحان وجود واحداً وصوتاً واحداً يحركه هواء واحد . والناى عند مولانا ما هو إلا قطعة من الخشب لكن تبعث فيه الحياة من خلال أنفاس العازف حينما يذكر إسم الله .
وقد نظم مولانا الكثير من القصائد التي عبر فيها عن حبه وتعلقه بهذه الآلة الموسيقية فيحكى قصة هذا الناى في قصيدة له قائلا على لسان الناى :
” مذ قطعت من الغاب ، والرجال والنساء لأنيني يبكون ،
أريد صدرًا مِزقاً بلوعة الفراق ..لأبوح له بألم الاشتياق ..
فكل من قطع عن أصله ، دائمًا يحن إلى زمان وصله ..
وهكذا غدوت مطربًا في المحافل أشدو للسعداء ، وأنوح للبائسين ،
وكل .. يظن أنني له رفيق ،
ولكن أيا منهم – السعداء والبائسين- لم يدرك حقيقة ما أنا فيه !!
لم يكن سرى بعيدًا عن نواحى ،
ولكن أين هي الأذن الواعية ، والعين المبصرة ؟!!
فالجسم مشتبك بالروح ، والروح متغلغلة في الجسم ،
ولكن أنى لإنسان أن يبصر تلك الروح ؟
أنين الناي نار لا هواء .. فلا كان من لم تضطرب في قلبه تلك النار ..
وتعتمد الموسيقى المولوية على الموسيقى الروحية الكلاسيكية أما حلقات السماع، بما يصاحبها من حركات دائرية، تعد تجربة كونية، وطريقة للوصول إلى الحقيقة. وهو ما عبّر عنه جلال الدين الرومي نفسه عندما قال: «هناك طرق عديدة تؤدّي إلى الله وقد اخترت طريق الموسيقى». ومن أقواله عن الموسيقى أيضًا : «في توقيعات الموسيقي يختبئ سرّ لو كشفت عنه لتزعزع العالم»، كما يصف آلة الرّباب بقوله : «إنّها ليست سوى وتر يابس وخشب يابس وجلد يابس .. لكن منها يخرج صوت المحبوب» .
وقد تحدث مولانا كثيرا عن الموسيقى وما تبعثه في الروح والوجدان في مؤلفه المثنوى أشهر أعمال مولانا جلال الدين ، وهو كتابا يضم 26 الف بيت شعر مزدوج ويشتمل على275 قصة وكلها مستقاة من القرآن الكريم وقصص الأنبياء ويعض قصص ألف ليلة وليلة وبعض نوادر جحا وقد طبع المثنوى فى ستة أجزاء. ويصفه مولانا بأنه إلهام ربانى ، وفتح روحانى من معانى الكتاب والسنة ، مكتوب بالفارسية وترجم إلى عدة لغات منها العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية .
كذلك تقيم المولوية الرّقصة الدائريّة التي يؤديها أتباعها الدراويش ويرمزون بها بدورة المجرات في الفضاء الشاسع، وكل ما يتحرك في الطبيعة من كائنات.
أما حفل السماع فيجري على النحو التالي: يدخل الرّاقصون إلى الحلبة مرتدين ثيابا بيضاء هي رمز للكفن ومعطف أسود يمثل القبر، وعلى رؤوسهم قلنسوة طويلة من اللّبد هي صورة لشاهدة القبر. ثم يدخل بعدهم الشيخ الذي يمثّل الوسيط بين الأرض والسماء، فيحييّ ويجلس على السجادة الحمراء التي يذكّرنا لونها بلون الشمس الغاربة وهي تنشر آخر أشعتها على مدينة قونية. ثمّ يشرع المغنون في ترديد مدائح وأذكار منتقاة من أشعار مولانا جلال الدين الرومي. عندها يتقدّم الدراويش ببطء ويطوفون ثلاث مرّات حول السجادة الحمراء ويرمز عدد الدورات إلى المراحل الثلاث التي تقرّب السالك من الله وهي: طريق الشريعة، ثم طريق علم الباطن ثم طريق معرفة الحقيقيّة (15(
وفي نهاية الدورة الثالثة يتّخذ الشيخ مكانه على السجادة، فيتخلى المريدين عن جلبابهم الأسود ليظهروا بلباسهم الأبيض وكأنهم تحرّروا من جسدهم المادي من أجل ولادة جديدة، في تلك اللحظة يأذن لهم الشيخ بالدوران ، فيدوروا وقد مدّوا أذرعهم كالأجنحة: اليد اليمنى وكفها إلى السماء رمزًا للحاجة والطلب .. واليسرى وكفها إلى الأرض. وترمز إلى دنو الدنيا والتخلى عنها ,, وهناك تفسير آخر لهذه الحركة بأنها كناية عن أن المريد يتلقّى الطاقة الحيوية من السماء ليمنحها إلى الأرض .
وعند بدء الدورة الثالثة يدخل الشيخ الحلقة ، فيتسارع إيقاع الآلات، ثم يبدأ الدوران في مركز الدائرة فيكون بمثابة الشمس وإشعاعها على العالم وعندما ينتهي ويعود إلى مكانه تتوقف الآلات عن العزف ويشرع المنشدون في ترتيل القرآن إيذاناً باختتام مجلس السماع. ويعد هذا المجلس تحريرًا للجسد وانفلات من قيود المادة بحيث يصبح المؤدى ، وهو يدور حول نفسه، هو النقطة والدائرة معاً ـ أي محور العالم، ومن خلاله تلتقي السماء بالأرض .
وقد اشتهرت الطريقة المولوية بتسامحها الواضح مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيا كان معتقدهم وعرقهم فيقول مولانا في هذا : “إن كنت مؤمنا أو كافرا.. بوذيا أو مجوسيا.. فتعالى ألينا
وعندما توفى مولانا فى ديسمبر عام 1273م شيعه مريدوه فى الطريقة من كل جنس وملة ودين ، فكان الحاخامات يقرؤون التوراة ، والمسيحيون يقرؤون الإنجيل ، جنبا إلى جنب مع المسلمين ، ودفن مولانا جلال فى مسجده المسمى بالقبة الخضراء فى مدينة قونية بتركيا .
ولهذه الطريقة الروحية تأثيرا كبيرا فى مختلف الشعوب والبلدان نظرا لحسها الصوفى الكبير. فلاتزال مستمرة حتى يومنا هذا فى مركزها الرئيسى فى قونية. ويوجد لها مراكز أخرى فى استنابول ، وغاليبولى، وحلب وهناك مراكز في مصر، وقبرص وليبيا وغيرها(ويحضر جلسات ذكر المولوية كل من يريد من كل الأجناس ومع كل الأديان ، ويلقى الجميع تسامحا ملحوظا من المولويين
والناى عند مولانا ما هو إلا قطعة من الخشب لكنها تبعث فيها الحياة من خلال أنفاس العازف حينما يكرر إسم الله .
ولم يتبق من المولوية في الوقت الحاضر سوى موسيقاها الصوفية التي تصاحبها حركات المريدين التعبيرية الدائرية وتعتبر من الطقوس الفريدة في العالم وتستقطب الوفود السياحية والحضور المحلي. ونحن الآن في حاجه إلى استرجاع روح المولوية وحسها الصوفى وتسامحها وتقبلها للآخر، في ظل انتشار العنف بين فئات المجتمع، والطريقة المولوية الى جانب دورها فى الجذب السياحي باعتبارها نوعا من الفلكلور الشعبي إلا انه لها امتدادًا تراثيا حضاريًا ليشمل فنونا حضارية أخرى كالأدب والرّسم والخط .

********************

استاذ تاريخ الأديان

عميد معهد الدراسات الآسيوية السابق  -جامعه الزقازيق

 

شاهد أيضاً

إميل أمين*يكتب :لاهوت التحرير.. الحوار يحرر الانسان

  هل يمكن أن يكون للدين قوة تحرر الانسان بدلاً من أن يحاول البعض استخدامه ...